ثمة حقيقة تدعو للتأمل، وكثيرًا ما طُرِحَتْ كسؤال مُلْغِز بين المفكرين طيلة السنوات الأخيرة؛ وهي أن مصر بدأت نهضتها الحديثة سابقة اليابان بوقت غير قصير، فكيف بلغت اليابان ما بلغت من درجة حضارية فذة وكيف تأخرنا عنها هذا التأخُّر الملموس؟

ومن حقنا أن نستبعد أي أسباب عنصرية؛ لتداعي النظرية العنصرية من ناحية، ولِمَا لنا في إبداع الحضارات من تاريخ لا ينكر من ناحية أخرى. في اعتقادي أن هذه الحقيقة الأليمة ترجع إلى سببين؛ أولهما: أن النهضة لم تُولِ القاعدة الشعبية ما تستحقه من رعاية تشمل حقوقها المادية والروحية بحيث تجعل منها قاعدة صلبة ملتزمة متضامنة جديرة دائمًا بالصمود والعطاء، والاستجابة المستنيرة لأي نداء قومي أو إنساني، وليس أدلَّ على ذلك من أن ٨٠٪ منها ما زال حتى اليوم غارقًا في الأمية، وثانيهما: أن موقعنا الجغرافي بين القارات الثلاث نصبنا هدفًا للقوى الطامحة للسيطرة على العالم.

ومن أجل ذلك كله لم تتقدَّم نهضتنا دون عَثَرَات متلاحقة، بخلاف اليابان، فهكذا أَحْبَطَت الدول طموح محمد علي، كما أحبطت طموح إسماعيل، كما أحبطت طموح جمال. فما أجدرنا أن نستفيد من دروس الماضي القريب والبعيد، بأن نُولِيَ الشعب الرعاية الكاملة، وأن نتجنَّب الاستفزاز والتحدي لنتمكن من شيء من الانطواء، أو شيء من البيات الشتوي، نَلْعَق فيه جراحنا ونفتح صدورنا للعلم والعمل والثقافة والقيم، مذكِّرين أنفسنا بأن كلَّ ما خلا الحضارة باطل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.