وجدتني أعود إلى ذكريات الأيام التي واكبت مولد ثورة يوليو ونموها الباهر، أيام تحفل بساعات من العمر لم أشهد لها مثيلًا في حلاوتها وبهجتها وأفراحها، وثرائها العجيب بأجمل الآمال وأعذب الأماني. كانت حياتنا تنتهي إلى سد غليظ تتراكم خلفه الفوضى والفساد والطغيان والعبث بالقيم والقوانين، فانهار السد بضربة صادقة، وتطاير المفسدون في الجو مثل ذرات الغبار، وتلاشى الطغاة والمستبدون كما تتلاشى الخرافة في ضوء العلم، وتزعزعت أركان الطبقية والامتيازات الداخلية، فأشرقت في الأفق شمس العدالة.

وتتابعت الانتصارات كالأحلام الوردية، فقامت الجمهورية فوق أنقاض الملكية، وهَلَّ الإصلاح الزراعي مبشرًا بعودة الأرض إلى أصحابها، وتم الجلاء وتحرر الوطن، وبشر المبشرون بدستور يليق بأم الأمم، ووثب أبناء مصر إلى كراسي الحُكم فيها، وانعقدت العزائم على خلق نهضة شاملة تعتمد على غزارة الإنتاج وعدالة التوزيع، وتستهدف الشعب الصغير المعذب المحروم، يومها قلت وأنا من السعادة في غاية: ها هي ذي مصر تهتدي إلى طريقها، وتستنفر هممَ أبنائها، وترسم خطط التقدم بلا عائق، فلا عرش معاند ولا احتلال مسيطر، فاللهم مُدَّ في عمري حتى تنضج الثمرة فأرى وطني العزيز قويَّا مستقرًّا يضيئه العلم وتنوره الثقافة، لا مرض فيه ولا فقر، ولا جوع ولا هم، ولا فساد ولا نفاق، ولا ظلم ولا قهر، أمة الحرية وأسرة الحب، تعتز بتراث مجيد وتتطلع إلى مستقبل باهر، وتهنأ بمكانة مرموقة بين الأمم.

يومها كنت قد جاوزت الأربعين، ولكن فورة الحماس ردتني إلى زهرة العمر، فرحت أردد الهتاف وأنشد الأناشيد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.