لا نرجع إلى التاريخ القديم لنقول مع الأثري الشهير ماسبيرو إن أمة مصر هي الأمة الوحيدة التي تُبعث قويةً حيةً من رقودها ساعة يقولون عنها إنها قد ماتت ودُفنت. ولا نعود معه إلى تاريخ امتداد سلطانها على ما حولها من أرض المشارق والمغارب كمدِّ البحر، ثم عودها إلى جحرها كجزر الماء بعد استفاضته. ولكنا ننظر إلى التاريخ الحديث، فدولة التُّرك لم تثق بتوطيد أركانها إلا إذا دكت أركان الدولة المصرية التي كانت تسعى للصلح بينها وبين الفرس. فلما قضى السلطان على طومان باي بخيانة وزيره وجرَّدها من جميع ما فيها من قوة وعلم وفن، وجزَّأَها إقطاعات ليكون بعضها لبعض عدوًّا، إلى أن جاء نابوليون فقضى على قوات المماليك. وجاء محمد علي فقضى عليهم وأعاد إليها وحدتها وبعث من المرقد قوتَها، حتى بسطت على يديه ظلَّ سلطانها من جبال طوروس إلى بحر الهند فخليج فارس فخط الاستواء فحدود برقة؛ فكانت الإمبراطورية المصرية العربية الفتية التي أخافَ شبحها أوروبا.

تألَّبت عليها إنكلترا والدول بعد سنة ١٨٣٥، واعتبرت مصر الغالبة مغلوبة وتركيا المغلوبة غالبة (كلمة بيكر نسفلد)، وجعلت بالقوة حدودها الصحاري والبحار، وتركتها «واحة» لتظلَّ ضعيفة على طريق الهند، وألغيت السيادة عليها لتركيا والرقابة لأوروبا، وحرمتها القوة العسكرية حتى لا يزيد جيشها على ١٨ ألفًا. ولكن مصر ظلَّت فتية وظلَّت قوتها وشبابها ومطامعها تدفعها إلى الأمام، فملكت السودان إلى الدرجة الثانية وراء خط الاستواء، وملكت البحر الأحمر حتى مياه بحر الهند، وأدخلت سلطنة زنجبار بمعاهدة الأميرال سليم مع سلطانها تحت حمايتها، وقد اخترق ذلك البطل القارة الأفريقية بجيشه إلى المملكة العربية. وأدخلت بوغندا بمعاهدة دي بلفون مندوبها السامي مع ملكها في ظل هذه الحماية، وطلبت إمارة هرر أن تكون تابعة لمصر، فتمثَّلت مصر ثانيةً إمبراطورية أفريقية ضخمة بعدما كانت إمبراطورية أفريقية آسيوية؛ وكان أساسها وبناؤها على السلم أكثرَ منه على القوة، حتى إن سعيد باشا خطر له الجلاء عن السودان فأبى السودانيون.

وإذا كانت الأولى قد هُدمت باتفاق لندن واتفاق ١٨٤١، فهل كانت أوروبا تترك مصر وشأنها تعيش وتنهض ولها اليبس الأفريقي مخزن الأبطال من الرجال، ولها النيل كله كنز الخصب، ولها البحر الأحمر وساحلاه طريق الهند والمشارق والمغارب ومخزن المعادن والمتاجر، وبيدها قناة السويس مفتاح العالمين وتجارتهما؟ أما عزوا إلى إسماعيل الذي أحيا مطامع جده محمد علي — ومطامع كل أمة على مقدار عظمتها — بأنه كان ينوي في سنة ١٨٦٦ وهو سيحتفل بفتح قناة السويس ذلك الاحتفال الفخم أن ينادي بنفسه سلطانًا مستقلًّا على مصر والسودان؟

فإذا لم يكن هذا الخاطر قد مرَّ برأس إسماعيل، فإن المُلك الذي كان يبسط عليه سلطانه، كان يستحق صاحبه بلا شك ولا ريب أن يلقب بسلطان مصر والسودان، وأن يكون إذا تُرك وشأنه سلطانَ أفريقيا كلها.

إن غلادستون كشف للعالم في سنة ١٨٧٥ عن السياسة الإنكليزية بقوله: «غدًا نملك السودان ونمدُّ من هذا السودان يَدَنَا إلى إخواننا في جنوب أفريقيا، فنؤلِّف الإمبراطورية البريطانية الأفريقية، ولا يبقى أمامنا إلا الحبشة نأخذها بطريقنا في المستقبل.»

فإذا أحسن المؤرِّخ الظنَّ وسلَّم بأن نشوب الثورة المصرية والثورة السودانية في وقتٍ واحد جاء عفوًا لا اتفاقًا، فإنه ليحكم بأن معاول الهدم عملت بأركان هذه الإمبراطورية في وقتٍ واحد. وإذا سلَّم بأن مبادئ الثورة المصرية استندت إلى أشرف المبادئ «مصر للمصريين»، فإنه يَعجَب كيف تطاولت واستمرت بعدما وصلت إلى أغراضها، وبعدما وضعت دستورًا للبلاد على نظام أرقى الدساتير وأعلاها؛ حتى إنه لم يبقَ لها في النهاية من مطلب سوى «الثورة» للثورة. عوامل كثيرة بل معاول عديدة عملت على دَكِّ هذا البناء الشامخ.

أفما رأينا الدول — وفي مقدمتها إنكلترا — تضغط على مصر من أجل الدين، ومصر التي أوقفت دفع فوائد الأسهم ثلاثة أشهر فقط لم تصل إلى حدِّ الإفلاس كتركيا، ومع ذلك ساعدوا تركيا وغفروا لها إفلاسها، وضيَّقوا على مصر التي حاول خديويها إسماعيل إرضاءهم، فباع إنكلترا أسهمه بقناة السويس ليكتسب رضاها فلم ترضَ، وقَبِل المراقبون فلم يكفِها، وأعطى البنك الإنكليزي الوحيد بمصر حقَّ إصدار ورق النقد فلم ترضَ، وولَّى بعض رجالها الحكم في السودان فلم تكتفِ، وأدخل في هيئة نظارة مراقبين أوروبيين فلم تسكت، وتنازل عن الدائرة السنية والدومين والقصور، وأنشأ صندوق الدين وأنشأ البرلمان، وظل المندوب الإنكليزي يقول: «لا يصلح لحكم هذه البلاد سوى الإنكليز.» وحرك دوفرين مطامع الباب العالي بتخويفه من مصر ومن ميلها إلى إحياء الخلافة العربية ومن وعدها بإعادة مصر ولاية، فدسَّت دسائسها وسعت سعاياتها لاقتلاع الأسرة المحمدية العَلوية كما دلت الرسائل التي قدمها عرابي للجنة التحقيق العسكرية.

وطمعت إيطاليا بأن تكون شريكة فرنسا وإنكلترا بالرقابة على مصر، فأخذت تسعى سعيها ضدها.

وغنم بسمرك الفرصة لتقديم مصر هدية لإنكلترا مقابلَ حلولِ نفوذه في الآستانة.

ولمحت فرنسا أن ألمانيا طلبت من إنكلترا أن تطلق يدها في فرنسا التي نهضت بعد كسرة ١٨٧٠، فأرادت القضاء عليها مقابل إطلاق يد إنكلترا بمصر، فأحجمت عن مشاركتها بإخماد الثورة، واتجهت سياسة روسيا والنمسا إلى البلقان حيث كانتا تتنازعانه، حتى قالوا إن غلادستون خلق الثورة البلغارية يومئذٍ ليشغل روسيا والنمسا عن مصر. وشُغِلَ المصريون عن الدسائس الدولية بكرامتهم، وأن يكون المسيطر على وزارتهم مراقبان أجنبيان، وأن يؤخِّر الوطنيون في مناصب الدولة ويقدم الأجانب، وأن يُثقل كواهلهم بالضرائب والديون فشدُّوا أَزْرَ الثوار. وزاد في ذلك رضا الخليفة عن الثوار، ووصفهم بأنهم حماة الإسلام يدفعون عنه ويذودون عن بيضته، ثم رؤيتهم مثل مالت وبلنت وغريغوري … إلخ يشدون أزر الثوار ويدفعون عنهم في صحف لندن ويفاخرون بنصرهم وفوزهم على أوروبا وسياستها.

كل هذه المغريات جعلت الشعب طوعَ بنان الزعماء من الثوار الذين خلا لهم الجو بخلوِّ البلاد من رجالها المحنَّكين كنوبار الذي لزم الآستانة، ورياض الذي اعتزل في سويسرا، وشريف الذي أقام في بورسعيد، والآخرين الذين رافقوا الخديوي في هجرته القاهرة إلى الإسكندرية، حتى قال علي باشا مبارك لمن لامه لترك الأمر على الغارب: ماذا نصنع نحن العشرة أو المائة والتيار جارف قوي، هل يمكننا الثبات في وجهه؟

ويعلل الشيخ محمد عبده إصرارَ عرابي بخوفه على نفسه بعد إقدامه على مجابهة الخديوي وحكومته، فما طلب المجلس النيابي إلا ليجد به عاصمًا، وما استمرَّ بعد ذلك إلا ليجد هذا العاصم من تركيا أو إحدى الدول، حتى انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه.

***

قاد الأميرال سيمور والجنرال ولسلي الحرب — إذا صح أن نسمي ما وقع بينهما وبين عرابي حربًا — وخرجا من مصر لوردين كالسير بارنغ والجنرال كتشنر بعدهما.

وجاء بعد ذلك اللورد دوفرين الذي اتخذ تركيا ألعوبة بين أصابعه في المسألة المصرية فكانت كما أراد. جاء مصر في ٧ نوفمبر ١٨٨٢ وغادرها في ٦ فبراير بعد أن أتم التقرير الذي وضعه لإدارة الإنكليز شئونها، وقد سار الإنكليز على قاعدة هذا التقرير حتى النهاية، والذي يُذكر عن تقريره قوله:

سعادة كل أمة يجب أن تكون مكفولة بثلاثة أمور: الأول مادي ولا يكون إلا بالنظام العسكري والمدني، ولكن مصر لا تحتاج إلى العسكرية ويكفيها بعض الأورط يتولى قيادتها العليا الضباط الإنكليز لضبط البدو والدجالين الذين يغرون الجمهور بقوة فوق الطبيعة والنظام المدني، والثاني تكفي فيه المحاكم النظامية.

أما الأمر الثالث وهو النيابي، فيكفي مصر منه مجلس الشورى؛ لأن النظام الدستوري لا يثبت بأرض إذا لم ينبت فيها ببطء وتُمد فروعه بالتدريج، ولا توجد في الشرق جرثومة الحرية النظامية، فإن الاستبداد إذا لم يقتل بذورَ الحرية إلا أنه لا يجعل الأرض التي يحل فيها غير صالحة لإنبات تلك البذور.

على هذه القواعد سار الإنكليز بعد ذلك وأكثرها نُصب عيونُهم حتى الآن.

***

وما كاد الاحتلال يوطِّد أقدامه حتى بدأ هدمَ تلك الإمبراطورية الضخمة، فطلب اللورد دوفرين — الذي قال في تقريره إن مصر لا تحتاج من العسكرية سوى بعض أورط تدرَّب على النظام العسكري — من شريف باشا الجلاء عن السودان، فأبى واستعفى من منصبه بقوله: «إذا نحن تركنا السودان فإنه لا يتركنا.» وكتب بعد ذلك يقول: «إذا نحن جعلنا حدود مصر أسوان أو وادي حلفا — كما يطلبون — تطلَّب ذلك منا تعيينَ جيشٍ للحدود من ١٥ ألفًا إلى ٢٠ ألفًا، ونفقة هذا الجيش تزيد على ما ننفقه على السودان، وحماية حدود مصر تطلب أن يكون أصحاب الشأن على النيل الأبيض، ومن الجنون ترك الخرطوم والبلاد المجاورة ونحن ملزمون بالدفاع عنهم وعن أنفسنا.»

تولى نوبار بعد شريف، وأرسل الإنكليز الأميرال هويت إلى نجاشي الحبشة ليتَّفِقَ معه على ترك إمارة هرر له، وكذلك كسلا وأماديت وسنهيت مع ما فيها من المباني والذخائر.

وبعد ذلك تعاقدوا مع الطليان على أن يتركوا لهم مصوع مع جميع النقط العسكرية بين مصوع وعصب، واشتدت حملة جريدة البوسفور الفرنساوية على الإنكليز من أجل ذلك، فأقفلها نوبار باشا وسَحَبَ القنصل الفرنساوي من مصر إلى أن اعتذر له نوبار باشا رسميًّا.

ثم أُلغيت الرقابة المثنوية على المالية المصرية، وعُيِّن للمالية مستشار مالي إنكليزي، أُعطي بعد ذلك حقُّ حضور جلسات مجلس النظار والاعتراض على ما يرى الاعتراض عليه.

ووقع بعد ذلك أن الجنود الطليانية والأسطول الطلياني حاصروا مصوع وطلبوا من القائمقام أمون بك تسليم المدينة والقلاع، فاحتجَّ عليهم لأن البلاد هادئة ساكنة وحالوا دون مخابرة القاهرة وأرسلوا إليه إنذارًا نهائيًّا؛ فاضطر أن يدع البلاد ويذهب برجاله إلى سواكن. ثم احتل الإنكليز بربرة؛ إذ أنزلوا العلَم المصري عن قلعتها، بينما كانوا يرفعون مكانه العلَم الإنكليزي. وخرجت الجنود المصرية من أحد الأبواب، ودخلت الجنود الإنكليزية من الباب الآخر؛ وهكذا دخلوا قلاعَ البحر الأحمر كقلعة رابغ والعقبة وسواها. ولم يبقَ لمصر على سواحل البحر الأحمر سوى سواكن التي أخذوها بعد فتح السودان وضموها إليه. ولكن مصر ظلَّت تدفع إلى اليوم — بل ستظل تدفع إلى سنة ١٨٥٥ — الأموالَ المترتبة بالفرمانات على تلك السواحل: وهي ٥٠ ألف جنيه في السنة عن سواكن، و١٥ ألفًا عن مصوع، ١٠ آلاف عن بربرة وإقليمها.

تدفع مصر هذه الأموال والمالكون سواها.

هكذا انتهت الثورة وهكذا هُدمت الإمبراطورية المصرية، ولكن الأمم لا تموت، والسر كلُّ السر أن تظلَّ مصر حيةً، وأن تكون مصر قوية، فتستعيد بقوتها حقَّهَا وسلطانها كما استعادته طي مجرى التاريخ قديمه وحديثه.

والتاريخ في الأمم ليس محدثًا فحسب، ولكنه معلِّم وهادٍ ومرشِد، وهذا ما أردناه من سرد أطوار الثورة المصرية بذكرى السنة الخمسين لحدوثها. ولا شك بأن احتلال إنكلترا مصر والسودان أضاع التوازن بين قوات الدول بعدما تنحَّت إنكلترا لفرنسا عن المغرب، فهبَّت إيطاليا وألمانيا لإعادة التوازن حولَ حوضِ البحر الأبيض المتوسط؛ فكانت تلك الحروب التي كان وجود الإنكليز في مصر من أسبابها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.