لو كانت جريمة قتل الوالدين الأولى من نوعها في تاريخنا، وحتى لو كانت أيضًا الأخيرة، فهي خليقةٌ بأن تحرق القلوب وتصدع الضمائر. وما إن تذكر في مكان إلا وتنهال تهمة الجنون على الابن القاتل، كأن الجنون وحده هو الذي يفسِّر الواقعة تفسيرًا تطمئنُّ به القلوب، برغم ما قيل عن تمالكه لقواه العقلية واتزانه، وما قيل عن فقدانه لإيمانه الديني.

ولعل جميع التفسيرات الممكنة تعجز عن تبرير الجريمة البشعة، فلا يبررها أي سوء ظن بالطبيعة البشرية، ولا قتل الإنسان لأخيه عند بدء التاريخ البشري، ولا ما تقرره بعض أساطير علم النفس الحديث من عُقَد لا شعورية تُضْمِر الكراهية والموت للأب، ولا ما يقال عن سيادة القيم المادية وانحسار القيم الروحية، ولا ما يموج به المجتمع من أزمات اقتصادية وأخلاقية وسياسية، ولا ما أصاب الرابطة الأسرية من تفكُّك واغتراب، أو ما اعترى كثيرين من عدم انتماء وغياب للأهداف الكبرى، وفقدان للإيمان والأمل.

كثيرون تَحُلُّ بهم آفة أو أكثر من هذه الآفات، وقد ينحرفون لذلك أو يأثمون، بل قد ينتحرون، ولكنهم لا يقترفون هذه الجريمة الشنعاء. لعل مرتكبها قد وقع فريسة للاكتئاب، وأمدَّه الاكتئاب بمنطق شاذٍّ غريب ظاهره الرحمة وباطنه العذاب؛ فنفَّذ وسوسته بقلب بارد جفَّت به ينابيع الإنسانية.

فلننظر إلى الجريمة كحادثة غير قابلة للتكرار، ولا نضخِّمها بالتأويلات الخاطئة والتوقعات التي لا تقوم على أساس.

أجل، إن حياتنا حافلة بإحباطات لا حصر لها، ولكنها لا تُفْضِي إلى هذه الجريمة ولا تبررها. وحذار أن نصب غضبًا على الوجودية أو غيرها من الفلسفات؛ ففي الوجودية من يدعون إلى الإيمان، كما أن فيها من يدعون إلى الإلحاد، ولم يقتل أحد من أتباعها والدَيْهِ.

لا يجوز أن نتَّهِم الفلسفة كما نتهم التليفزيون والسينما كلما ضاقت بنا الحيل، أو خِفْنَا مواجهة السلبيات الحقيقية الكامنة وراء الجرائم والانحرافات. إن الفلسفة والفن والتليفزيون والسينما وكافة سلبيات المجتمع بريئة من هذه الجريمة الجنونية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.