ذهب بعضُ الباحثين وفريقٌ من المبشِّرِين إلى أن من أسباب انتشار الإسلام في أفريقيا أنه لا يمنع تعدد الزوجات، وقالوا: إن من أسباب انتشاره بين الهنود أنه سَوَّى بين الطوائف المنبوذة وطوائف الأشراف، ومِن ثَمَّ أقبلوا عليه زرافاتٍ؛ لأنه يُسوِّي بينهم وبين السادة، كذلك قالوا: إنه دِيْنٌ بَسِيطٌ في مبادئه، سهلٌ في أُصوله وقواعده.

وفي رأينا أن هذه كلها أسباب موقوتة، أو أنها أسباب محلية، وهي تصلح — ولا شك — لتعليل انتشار الدِّين في بيئة بعينها، أو في زمنٍ معين، ولكنها أبدًا لا تلازم انتشار هذا الدين في جميع البيئات والأزمان.

فالإسلام كانت له الغلبة، وكان بحقٍّ قوة غالبة بفضلِ العقيدة الإسلامية التي وُصِفتْ بالشُّمُول؛ لأنها تشمل الإنسانية جمعاء؛ فليس الإسلام دِين أُمَّةٍ واحدةٍ بعينها، ولا هو دِينُ طبقةٍ خاصةٍ بذاتها، ولكنه دين الإنسانية كلها، ودين بني البشر جميعًا من كلِّ جنس، والقرآن الكريم يقول: () (سبأ: ٢٨)، () (الأعراف: ١٥٨)، () (البقرة: ١٣٦)، () (المائدة: ٦٩).

وهذا الشُّمُول الذي يؤكده القرآنُ الكريم يشمل النفسَ أيضًا، فيجمعُ النفسَ والضمير، ويُخاطب الإنسانَ رَوْحًا وجسدًا وعقلًا وضميرًا.

والإسلام الحنيف يُسَوِّي بين الناس جميعًا، فلا تَمْيِيز بينهم في حقوق الإنصاف والمعاملة، ولا فضلَ لأحد منهم على الآخر بغير عمله وخُلقه، يقول القرآن الكريم: () (الحجرات: ١٣).

فالقرآن الكريم هو الذي جعل من هذه العقيدة الإسلامية قُوَّةً غالبةً، وجعل من أُمَّةِ الإسلام على مدار العصور واختلاف الأقوام والأزمان قوةً صامدةً، وقد أفرد ذلك الإسلام بمزيته التي لم تُعْهَد في أيِّ دِيْنٍ آخر من الأديان الكتابية.

عداوة مدسوسة

وهناك أوهامٌ كثيرة أشاعها المستشرقون بسبب تفسيراتهم الخاطئة لكثير من أمور اللُّغة والدِّين، ومنها ما كتبه بعضُ المستشرقين تفسيرًا لاسم أبي بكر — رضي الله عنه — من أنه «أبو العذراء»! ومنها ما قالوه في تفسيرٍ لمعنى «القصيد» من أنه المقصود! ومنها أيضًا ما تورط فيه ذلك المستشرق من خطأ مَعيب في تفسيره لقوله تعالى: () (الزمر: ٧٥)، بقوله: «أي بدون أحذية!»

ذلك أنهم على غير عِلم دَقيقٍ باللُّغة العربية، وليس هذا غريبًا، فهم لا يفهمون أدب أُمتهم، ولا يجيدون معرفة هذا الأدب في لُغتهم، فمِن باب أَوْلَى ألَّا يُحسنوا فهم الأدب العربي! وقد كانت لهم مكانة أكثر مِمَّا يستحقون حتى وقفنا أمامهم ووضعناهم في موضعهم!

وكما يُخطئون في تفسير الكلمات والآيات يُخطئون أيضًا في تفسير كثير من الرِّوايات، ومن ذلك ما كتبه الراهبُ المعروف «منير تزيو» عن قصة «زينب بنت جحش» وزواج النبي ﷺ منها بعد تطليقها من زوجها.

وقد قال في روايته أو — على الأصح — أكذوبته: إن «زينب» هذه كانت من أجمل نساء الأرض في زمانها، وإن محمدًا عليه السلام قد سمع بجمالها الفاتن فشغف حبًّا بها.

وليس أسهل على كلِّ باحث مُدقِّق أو إنسان مُنصف أن يُسقط هذه الأكذوبة إذا عرف هذا المستشرق أن زوجة «زيد» كانت بنت السيدة أُمَيْمَة بنت عبد المطلب عَمَّة النبي ﷺ، وأنَّ النبيَّ هو الذي زوَّجها من رَبِيبِه وعَتِيقِه «زيد» ليرفع الرسول الكريم عن «زيد» ذِلةَ الرِّقِّ بمصاهرته، والمساواة بينه وبين أكرم أهله.

هذه حقيقة يعرفها كلُّ باحثٍ في الإسلام، وكان أحرى أن يعرفها هذا المستشرق، ولكنها العداوة المدسوسة، فإن فكرة التبشير لا تنزع من عقولهم.

بلاغة القرآن

وقد كتب بعضُ هؤلاء الباحثين عن الإسلام مُنصفين، ومنهم المستشرق «روم لاندو»؛ فقد كتب عن بلاغة القرآن مُعللًا حيرة الغربيين في فَهْمِ هذه البلاغة واستجلائها.

وكانت خلاصة رأيه وتعليله أن الغربيين يجهلون مناسبات النزول في القرآن وترتيب الآيات على حسب موقعها، وقال: إن ذلك من أسباب حيرة القارئ الغربي عند تلاوة القرآن الكريم.

وقال أيضًا: «إنَّ السُّوَرَ المطلوبة تنزلت في أُخريات أيام النبي، وفيها بيانُ الأصول الشرعية، وقواعد الحُكم، وتدبير الشئون العامة بما يتتبعه القارئ الغربي فلا ينشط لقراءاته، وإنما يدرك هذا القارئ بلاغة الكتاب في قِصار السُّور التي تنزلت بمكة واحتوت من حماسة الروح ما هو جدير بالانتباه والتوقير.»

إِعجاز القرآن

والحقُّ أن موضوع إعجاز القرآن من الأمور الهامة التي شغلت الأذهان، وقد عَنِيَ الباحثون بموضوع البلاغة في القرآن، وتشعبت الآراءُ، وتعددت الغاياتُ في هذه الدراسة، وبعضها يقول: إن إعجاز القرآن يرجع إلى المعاني التي تنطوي عليها الآيات. فهل هذه البلاغة منفصلة عن المعنى الذي أتت به الآية، أم أنها متصلة بالآية؛ معناها ووقعها في ذهن القارئ؟

إن المعنى لا يمكن أن نفصله عن اللفظ، ولا سبيل إلى التفرقة بين حدود الكلمات؛ لأن حدود الكلمات متلبسة بالمعنى.

وقع الآيات

ومن هذه البلاغة وقع الآيات في النفس، ومن آياته من حيث هي لفظ ومعنى، ومن حيث إنه قرآن مجيد مستجاب في النفس يأتي التأثير.

وقد روي أن الوليد بن المغيرة قال ذات مرة لرسول الله ﷺ: «اقرأ عليَّ …»، فلما قرأ النبيُّ عليه آيات من القرآن الكريم قال له الوليد: «والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمُثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر!»

وقال أيضًا: «إن هذا كلام له جذور في الروح لا يُجْتَث بسهولة.»

خلود الرسالة

إن هذه البلاغة وما انتظمت عليه من القوة البيانية ليست هي التي تقطع لنا وحدها بإعجاز القرآن الكريم؛ فعندي أن وجه الإعجاز في كتاب ربِّ العالمين يرجع إلى خلود الرسالة التي جاء بها هذا الكتاب، وما فيه من هدًى ونور وصلاح وإصلاح للبشرية جمعاء في إسعاد الفرد والجماعة.

ووجه الإعجاز في هذا الكتاب الكريم يرجع أيضًا إلى ما أحدثه في حياة العرب من رُقي ورِفعة، وإلى ما أحدثه أيضًا في حياة المسلمين من ثورة، وأنه لم يقف في سبيل العقل الإنساني، بل حثَّهُ على النظر والفكر والتدبر، واستجلاء الأسرار، والعمل لما فيه الخير في الدنيا والآخرة. وهذا الإعجاز أيضًا يرجع إلى ما أوجده من تَرَقٍّ لِلأُمَّةِ العربية على عهد الرسول ﷺ، والأمة الإسلامية في إِبَّانِ نشأتها وظهورها، وعلى مَدار العصور والأزمان.

() (الأنعام: ١٥٣)، () (الإسراء: ٩)، () (الزخرف: ٤٣)، () (الزخرف: ٤٤).

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.