تأتلف الأمم وتتصل بينها أسباب المودة والحب، فيترجم بعضها عن بعض، وينقل بعضها ما لبعضها الآخر من علم وفلسفة، ومن أدب وفن، وتختلف الأمم وتتقطع بينها الصلات وتشبُّ بينها الحروب، فيترجم بعضها عن بعض أيضًا، وينقل بعضُها ما لبعضِها الآخَر من الآثار العقلية والفنية، ويكون النقل والترجمة أثرًا من آثار الحب والألفة، كما يكون النقل والترجمة أثرًا من آثار البغض والفرقة، على نحو ما قال الأستاذ العقاد في الفصل الممتع الذي نشره له الجديد منذ أسبوع.

ولكن أمر الترجمة وما يكون من التقارب العقلي والفني بين الشعوب أعظم فيما يظهر وأبعد مدى مما ذهب إليه الأستاذ العقاد، فليس من المحقق أن المؤثرات المتصلة بالحب والبغض أو بالمنافع العاجلة، وما تستتبع من تنافس وجهاد، هي التي تبعث على الترجمة والنقل، وإن كانت قد تزيد الميل إليهما وتحثُّ الشعوب على الاستكثار منهما، على نحو ما حدث بعد الحرب الفرنسية الألمانية في آخِر القرن الماضي، وبعد الحرب الكبرى في هذا القرن. وليس من المحقق أن الشعب المغلوب، يُكثِر من النقل العلمي والأدبي عن الشعب الغالب، بل قد يكون الأمر على عكس ذلك من كل وجه، فينقل الشعب الغالب عن الشعب المغلوب كل شيء، ولا ينقل الشعب المغلوب عن الشعب الغالب شيئًا، وأظن الأستاذ العقاد لم يُرِدْ في الفصل الذي أشرتُ إليه آنفًا إلا أن يتحدَّث إلى قرَّائه بملاحظات وخواطر عنت له، فحاوَلَ أن يعلِّلَها تعليلًا يسيرًا على شيء من السرعة التي نتوخَّاها جميعًا حين نريد أن نكتب الفصول الأدبية للصحف اليومية والأسبوعية، وعلى شيء من السهولة التي نتوخَّاها جميعًا حين نكتب للذين يقرءون هذه الصحف، على اختلافهم وتفاوت حظوظهم من الثقافة وتباعدهم في النظر إلى الأشياء والحكم عليها، وأحسبه أيضًا لم يُرِدْ أن يتجاوز بهذه الملاحظات هذا العصر الحديث أو بعض نواحي هذا العصر الحديث، وما أشك في أنه لو استقبل هذا الموضوع بما تعوَّدَ أن يستقبل به الموضوعات التي يدرسها ويكتب فيها عن أناةٍ واستقصاءٍ، لَكان حُكْمه مغايرًا قليلًا أو كثيرًا للحكم الذي قرأناه منذ أيام.

يقال إن اليونان نقلوا عن الأمم الشرقية علومًا وآدابًا، ومما لا شك فيه أنهم نقلوا عن هذه الأمم نُظُمًا وفنونًا، ومن المحقق أن الرومان قد نقلوا عن اليونان حضارتهم كلها، سواء منها المادي والمعنوي، وسواء منها العقلي والفني، بدءوا في هذا النقل قبل أن تشبَّ بينهم وبين اليونان حروب، وأكثروا منه وأمعنوا فيه بعد أن تمَّ لهم الفوز على اليونان، وأصبح هؤلاء اليونان عبيدًا للرومان بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة من غير تجوُّزٍ أو إسرافٍ، ولم يَكَدِ اليونانُ ينقلون عن الرومان شيئًا لا قبل الخصومة ولا إبَّانها ولا بعدها، فالغالب هنا هو الذي أخذ عن المغلوب وأسرف في الأخذ عنه، حتى قال هوراس الشاعر الروماني:

إن اليونان قد قهروا روما من ناحية الحضارة والثقافة، بينما قهرت روما اليونان من الناحية السياسية، وكان التنافس شديدًا جدًّا بين اليونان والفينيقيين في غرب البحر الأبيض المتوسط، واشتركت روما في هذا التنافس فلم ينقل الفينيقيون عن اليونان علمًا ولا آدابًا ولا فلسفة، ولم ينقل اليونان عن هؤلاء الفينيقيين شيئًا، ونقل الرومان عن هؤلاء الفينيقيين شيئًا يسيرًا جدًّا، فلم يكن الحب والبغض، ولا العداوة والصداقة هي المؤثرة في الترجمة إبَّان ذلك العصر.

ومن المحقق أيضًا أن العرب انتصروا على الفرس وعلى اليونان البيزنطيين بعد ظهور الإسلام، كما انتصروا على أمم أخرى، فنقل العرب عن الفرس واليونان كل شيء، ولم ينقل الفرس واليونان عن العرب شيئًا، وكل ما كان هو أن الفرس أسلموا وطال عهدهم بالإسلام فتثقفوا بالثقافة الإسلامية، وكانت لهم آداب حديثة فيها أثر قوي للآداب العربية. ومن غريب الأمر أن هذه النهضة الفارسية التي ظهر فيها تأثُّر الفرس بالعرب لم تكن حين كان العرب غالبين والفرس مغلوبين، وإنما كانت حين تمَّ الفوز للفرس على العرب، وظفروا بالسلطان السياسي كله في الشرق الإسلامي، فكيف يعلِّل الأستاذ العقاد هذه الترجمة؟ بالحب أم بالبغض أم بالتنافس والجهاد؟

أما أنا فألاحظ قبل كل شيء أن العلة الحقيقية الأولى لكل ترجمة ونقل، إنما هي الطبيعة الإنسانية التي تجعل الإنسان حيوانًا اجتماعيًّا كما يقول أرستطاليس في السياسة، وحيوانًا مفكِّرًا كما يقول أرستطاليس في المنطق، فطبيعته الاجتماعية تضطره إلى أن يتصل بغيره من الأفراد والجماعات ويشاركهم فيما يفكِّرون ويشعرون ويستحدثون، وطبيعته المفكِّرة تضطره إلى أن يبحث ويستقصي ويتعرَّف حقائق الأشياء، فالترجمة إذًا أداة من أدوات الحياة الاجتماعية، وهي أداة من أدوات الحياة العقلية، وبمقدار حظ الشعوب من الحياة الاجتماعية والعقلية وحاجتها إلى تكميل هذين النوعين من الحياة، يكون حرصها على الترجمة.

كانت الحياة الاجتماعية والعقلية عند الرومان والعرب ضعيفة محتاجة إلى شيء كثير لتكمل وتقوى، فنقل الرومان عن اليونان، ونقل العرب عن اليونان والفرس، ولم يحتج اليونان إلى أن ينقلوا عن الرومان، ولا عن العرب شيئًا، ولم ينقل الفرس عن العرب إلا بعد أن تمَّ لهؤلاء التفوق العقلي والاجتماعي، وآية ذلك تجدها في التاريخ الحديث نفسه حين استكشف الأوروبيون علومَ القدماء وآدابهم وفنونهم، فأحَسُّوا حاجتهم الاجتماعية والعقلية إلى نقلها، فأسرعوا إليها فترجموها ودرسوها، فكانت النهضة الحديثة.

ومع أن الحياة الحديثة تخالِف الحياة القديمة وحياة القرون الوسطى بظهور المطبعة وكثرة المواصلات، فما زال الأمر كما كان لم يتغيِّر إلا تغيُّرًا إضافيًّا، فالحاجة الاجتماعية والعقلية هي التي تدعو إلى الترجمة الآن، كما كانت تدعو إليها في العصور القديمة وفي القرون الوسطى.

لا تستطيع أمة أن تعيش وحدها، فهي مضطرة إذًا إلى أن تتصل بغيرها من الأمم وتترجم عنها، وبمقدار شعور الأمة لهذه الحاجة الاجتماعية يكون حظها من الترجمة عن الأمم الأخرى، ومن هنا لا يكتفي الإنجليز والفرنسيون والألمان بأن يترجم بعضهم عن بعض، ولكنهم يترجمون عن العرب والفرس والترك والروس والصينيين، ومن هنا أيضًا كان حظ الغرب من الترجمة أكثر من حظ الشرق؛ لأن شعور الغرب في هذه الأيام بحاجته الاجتماعية أشد من شعور الشرق بهذه الحاجة.

ولا تستطيع أمة، بل لا يستطيع فرد أن يستقلَّ بحياة عقلية منفصلة، بل هو مضطر إذا أراد البحث والتفكير والإنتاج العقلي إلى أن يعرف ما أنتج غيره فيما هو بسبيله من أنواع العلم والفن، فهو إذًا مضطر إلى أن يقرأ ما كتَبَ غيره في لغته القومية أو في اللغات الأجنبية الأخرى، والترجمة هي الأداة لهذا الاتصال العقلي كما هي الأداة للاتصال الاجتماعي، وهي أداة ناقصة دائمًا، فلن يجد الأفراد الذين يحرصون على تحقيق هذه الصلة العقلية والاجتماعية بين الأمم من التراجم ما يرضي هذه الحاجة؛ لذلك يتعلَّمون اللغات الأجنبية، وهل هناك معنى لتعلُّم اللغة الأجنبية إلا أنَّ مَن يتعلَّم لغة أجنبية إنما يترجم لنفسه ما لم يترجمه له المترجمون؟! وكما أن الشعور بالحاجة الاجتماعية مقياس لحظ الأمم من الترجمة، فالشعور بالحاجة العقلية مقياس للترجمة أيضًا. ومن هنا كان الغرب أكثر ترجمةً من الشرق، ولست أشكُّ في أن الألمان أشد شعورًا بالحاجة الاجتماعية والعقلية الآن من الإنجليز والفرنسيين، ومن هنا كان حظهم من الترجمة إلى الألمانية أعظم من حظ الإنجليز والفرنسيين من الترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية.

على أن المسألة التي تستحق العناية ليست هي تعليل الترجمة وبيان ما يدعو إليها — فالترجمة ظاهرة اجتماعية قديمة باقية — وإنما هي مقدار ما تستطيع الترجمة أن تحقِّقه من هذه الفكرة القيمة التي يسمو إليها أصحاب الأخلاق وعشَّاق المُثُل العليا، والتي جعلها الأستاذ العقاد عنوانًا لفصله، وهي: تعارف الشعوب. نعم وهي الوسائل التي يمكن أن تُتَّخَذ لتكون الترجمة سبيلًا واضحة مأمونة تلتقي فيها الشعوب المختلفة، فتأتلف ويحب بعضها بعضًا، ويعطف بعضها على بعض، ويتحقَّق بينها التعاون الصحيح في جميع فروع الحياة.

كما أحب أن أقرأ في هذا رأيَ الأستاذ العقاد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.