هذا ما يقال عن منشأ الدرام في القرون الوسطى. أما الكوميدي فمن العبث البحث عن منشئها، ولقد حاول بعض الكتاب إثبات أنها نشأت في الكنيسة كالدرام، ولكن التاريخ لا ينص على ذلك، كما أننا لا نعرف شيئًا عن حال الكوميدي في القرن الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر، ولهذا نبدأ بالكتابة عنها في القرن الخامس عشر فنقول: إن أقدم كوميدي ينص عليها تاريخ الآداب في فرنسا هي رواية «لوجودي لا فولييه»، وتتلوها رواية «لوجودي روبان وماريون»، والاثنتان من تأليف آدم دي لاهال. أما الأولى فقد كتبها مؤلفها في الثلاثين من عمره، وهي عبارة عن محاورات انتقادية هزلية نظمها المؤلف مصورًا فيها حوادثه الشخصية وأخلاق أسرته وأخواته، وما دفعه إلى ذلك غير عزيمته على السفر إلى باريس طالبًا من والده شيئًا من المال يستعين به، فرفض والده طلبه، فعمد المؤلف إلى نقد البخلاء في روايته مصورًا والده في صورة شنيعة من صور البخل والتقتير. أما روايته الثانية «لوجودي روبان وماريون» فهي من نوع الأبراكوميك، وتبتدئ بمنظر ريفي تقف فيه راعية فقيرة تنشد أناشيد غرامها لحبيبها روبان، فيفد عليها فارس يسألها أن تسير معه إلى حيث يريد، فترفض طلبه وتفلت منه وتلحق بأهلها وذويها، ويعقب ذلك مشاهد هزلية عن أخلاق سكان الضياع، وتنتهي الرواية برقص يشترك فيه جميع الممثلين والممثلات.

الجماعات الكوميدية: ثم تكونت في باريس جماعات لإحياء الكوميدي نخص بالذكر منها جماعة «الباسوش»، وهي كلمة معناها «القصر»، ويقصد بها القصر الملوكي، ولقد أطلق عليها فيليب الجميل اسم «مملكة الباسوش»، ومنحها الكثير من الامتيازات، وعين لها رئيسًا سماه «الملك»، ووضع لها قانونًا يسير عليه جميع أفراد الجماعة، وكانت تقوم بتمثيل الكوميدي في حفلات أعياد الملك.

وجماعة «ليزانفان سان سوسي»: التي قام بتأليفها جماعة من الكتاب لم يعمدوا فيما سبق إلى حرفة غير حرفة الكسل، ولقد اعترف بها رسميًّا أيضًا، وكان أعضاؤها يرتدون ثياب مضحكي الملوك، ورواياتها ذات مواضيع انتقادية عن السياسة والأخلاق. ثم تكون في الأقاليم جماعات أخرى كجماعة «الميرفل» في ديجون، وجماعة «كونار دز» في روان لتمثيل روايات كوميدية غير التي كانت تقوم جماعات باريس بتمثيلها.

(١) أنواع الروايات التي كانت تمثلها هذه الجماعات

تنقسم الروايات التي كانت تمثلها هذه الجماعات إلى ثلاثة أقسام: «الفرس La farce»، و«الموراليتيه La moralité»، و«السوتي La sotie».

الفرس

الفرس نوع من الروايات لا يتوخى فيه المؤلف غير إضحاك جمهوره، فإن ساقته الصدفة لأن يضع في روايته بعض العظات والعبر كان ذلك عن غير عمد.

وخير ما كتب في هذا النوع رواية «فرس للمحامي باتلان La Farce de L’avocat Battolin» التي طبقت شهرتها الخافقين، ولهذا نفرد لها بابًا لنشرحها للقراء: ألفت هذه الرواية في منتصف القرن الخامس عشر، وكثرت الأقاويل عن مؤلفها، فالبعض ينسبها للوريس، والبعض يظن أنها من تأليف فيلون، وآخرون ينسبونها لبير بلانشيه، ولقد نجحت نجاحًا عظيمًا حدا بمؤلفها لأن يتمها في روايتين كتبهما فيما بعد، وهما رواية «باتلان الجديد» ورواية «وصية باتلان».

موضوع الرواية: لم يجد المحامي باتلان من القضايا ما يكفل له القيام بأوده، وعنفته زوجته كثيرًا، فعمد إلى حيلة يستجلب بها المال إرضاءً لزوجته، ووعدها بشراء قطعة من الجوخ، وخرج من داره قاصدًا حانوت غليوم جوسوم، وجلس معه ساعة من الزمن يجاذبه فيها الحديث إلى أن سنحت له الفرصة، فسرق قطعة من الجوخ خبأها تحت ردائه، وعاد إلى منزله ظافرًا. ولكن التاجر وافاه بعد قليل، فقابلته زوجة المحامي وقالت له وهي باكية العين: إن زوجها مريض منذ شهرين. فقال لها التاجر وهو يحرق الأرم: «لقد قابلته صباح اليوم.» فأمسكت بيده وقادته إلى سرير المريض، فلما رآه المحامي هلل به وصاح: «أهلًا بطبيبي الماهر، تعال، اقترب مني.» ولبث يحادثه عن مرضه وهو يشكو ويتألم، ولكن حيلته لم تجد نفعًا، وأصر التاجر على أخذ قطعة الجوخ، فلما رأى المحامي منه ذلك وافته حشرجة الموت، وظل يصرخ تارة ويئن طورًا إلى أن اعتقد التاجر بصحة مرضه واعتذر إلى ربة الدار، وعاد إلى منزله خائبًا. ومرت الأيام على هذا الحادث، وطرد التاجر راعي أغنامه «بانلييه»، فذهب الراعي للمحامي باتلان، وشكا له حاله قائلًا: إن سيده طرده لأنه يذبح الأغنام خوفًا عليها من مرض الجدري. فطيب المحامي خاطره، وهب للدفاع عنه، وأقام الراعي قضية على سيده، وذهب الجميع للمحكمة بعد أن أوصى باتلان الراعي أن يتظاهر بالبله، وألا يفوه في الجلسة إلا بألفاظ ليس لها معنى، فلما وقفوا جميعًا بين يدي القاضي عرف التاجر خصمه المحامي الذي سرق منه قطعة الجوخ، فشكا أمره للقاضي، وخلط بين قضية الأغنام وقضية الجوخ، وكان ذلك سببًا في تبرئة الراعي، فخرج باتلان من المحكمة وهو يرقص فرحًا، وذهب إلى الراعي ليطلب منه أتعاب القضية، فما كان من الراعي إلا أن تظاهر بالبله ونطق بألفاظ ليس لها معنى كما أوصاه المحامي، وضاعت الأتعاب، ولم يحق المكر السيئ إلا بأهله.

ولم يقصد المؤلف بتأليف هذه الرواية غير إضحاك جمهوره، وكفاه فخرًا أن الجمهور لم يسأم سماع روايته من مبدئها لنهايتها، أما ما نراه فيها من العظات فقد أتى بها المؤلف عفوًا عن غير عمد.

الموراليتيه

ليست الموراليتيه غير رواية هزلية يتعمد المؤلف أن يدس فيها العظات والعبر، وأن يكثر من الاستعارات إلى أن يسأم الجمهور رؤية روايته، فترى على المسرح أشخاصًا وهميين كشخص الإيمان والحسنة والتوبة والكفر والسيئة والشهوة، وقد بقي في أيدي الإفرنسيين من هذا النوع خمسون رواية نخص بالذكر منها رواية «الرجل الطيب والرجل الرديء»، ترى في بدء هذه الرواية شخص الرجل الطيب يسير مع الرجل الرديء في طريق واحد، ثم يفترقان بعد قليل، فيعلق الرجل الطيب بشخص الرزانة فيقوده لشخص الإيمان، ثم لشخص الندم، ثم لشخص الاعتراف، ثم لشخص التوبة، وهلم جرًّا، إلى أن تحمله أشخاص الملائكة وتصعد به للسماء. أما الرجل الرديء فتراه قد علق بشخص الثورة، فيقوده إلى حانة من الحانات يرى فيها شخص الجنون وشخص السيئة، وهناك يعاقر بنت الحان ويقامر، ثم يقوم لدار الشيطان لتناول العشاء، فيأتي له الشيطان بأطباق يندلع منها لهيب النار يضعها على خوان أسود، وتزداد النار اشتعالًا، ثم ينقلب الخوان ويموت الرجل الرديء.

ونخص بالذكر أيضًا رواية الأعمى والمقعد، وقد مثلت عام ١٤٩٦ في بلدة سر.

السوتي

السوتي رواية هزلية يتعمد المؤلف فيها نقد المسائل الاجتماعية والسياسية، وهي من عمل جماعة «ليزانفان سان سوسي Les enfants sans Souci» (التي سبق ذكرها في مقالنا الماضي). وقد أبيح للمؤلفين انتقاد كل طبقة من طبقات الأمة وتحليل مساوئها تحليلًا وافيًا، وصرحت لهم الحكومة بذلك بإيعاز من لويس الثاني عشر؛ لما كان بينه وبين البابا جول الثاني من الخلاف، فتهافت المؤلفون على تأليف هذا النوع، وكان يوعز لهم الملك بأن ينتقدوا البابا انتقادًا مرًّا، وتلك جراءة كبرى لا تصدر إلا عن الملوك. وخير روايات هذا النوع رواية «ليموند، أبوس، ليه سو Le monde, abus, Ies sots» ورواية «لاسوتي دي برنس La sotie du prince».

هذا ما نقوله في الكوميدي في القرون الوسطى، وما كانت الكوميدي في ذلك العهد إلا توطئة لما أنتجته قرائح نوابغ الكتاب والشعراء في العصور التالية، وسنتكلم في مقالنا الآتي عن التراجيدي والكوميدي في القرن السادس عشر، وفيه تكونت الكوميدي والتراجيدي، وبه ننتهي من الكلام عن منشأ فن التمثيل في فرنسا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.