حيرة عظيمة جدًّا لأنَّ أَبْطَالها عِظَامٌ جدًّا، وحسْبُك أَنَّهُم خمسة تملأ أسماؤهم القلوب إكبارًا وإجلالًا، ومهابة وإعظامًا، فهم رئيس وزرائنا الرجل الطيب، ووزير حقانيتنا، ورئيس محكمة الاستئناف المُخْتَلطة، والمُستشار القَضائي والمندوب السامي. وإذا وصلت الحيرة إلى هؤلاء جميعًا، فلسنا نَدْرِي أي الناس لا تصل إليه الحيرة؟! ولسنا ندري أي الناس يستطيع أن يهدأ أو يطمئن؟! على أنَّ من حُسْنِ الحَظِّ كما يقُولون أن هؤلاء العظماء الخمسة ليسوا جميعًا حائرين، ولعلَّ الحائرين منهم لا يتجاوزون شخصين اثنين؛ هُما: رئيس وزرائنا الرجل الطيب، ووزير حقانيتنا الرَّجل العظيم. ذلك أنَّ رئيس محكمة الاستئناف المُختلطة ليسَ حَائِرًا، ولا مُترددًا، إِنَّما هو اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ — أو اتَّخَذَتْ له الكثرة في الجمعية العُمومية — موقفًا صريحًا حازمًا صارمًا، لا تصل الحيرة إلى صاحبه. فهو يرى ويُعْلِنُ ما تراه الجمعية العمومية، أو ما تراه كثرتها من القُضَاة الأجانب من أنَّ ما يطلبه القُضَاة المِصْرِيِّون أَمْرٌ لَا سَبِيلَ إليه، ومِنْ أَنَّ قرار الجمعية نهائي، لا سبيل إلى مناقشته ولا إلى الجدال فيه. فإذا لم يكن بد من أن يظفر القضاة المصريون برياسة الدوائر، فلا بُدَّ من تغيير اللائِحة، وتغيير اللائحة أَمْرٌ موقوف على مفاوضة الدول ذوات الامتياز، وإذن فلا ينبغي للقُضَاة المصريين أن يرأسوا دوائر القضاة إلا إذا أذنت بذلك الدول الأجنبية، وتستطيع أن تطمئن إلى أنه لا يُمكن رئيس مَحكمة الاستئناف المُختلطة أن يكون أكثر صراحة وصرامة وحزمًا، وأبعد عن الحيرة والتردد مما هو الآن.

وأكبَرُ الظَّنِّ أنَّ المُستشار القضائي والمندوب السامي ليسا حائرين أيضًا، وما ينبغي لهما أن يعرفا الحيرة، أو يتعرضا لها، فهما أجنبيان، فقد نظنُّ أنَّ الإنجليز من الأجانب، وهما بحُكم التحفظات المَشْهُورة خليقان أن يُدافعا عن مصالح الأجانب، لا أن يُدافعا عن مصالح مصر. وإذن، فمَوقِفُهما يجبُ أَنْ يَكُون واضحًا جليًّا، وأخص ما يجب أن يتصف به هذا الموقف، هو العطف على وجهة النظر الأجنبية، وقد أخذت الصحف تُذِيع هذا، وتُنبئنا بأنَّ الإنجليز يرون أن نحل المسألة بمفاوضة الدول ذوات الامتياز. وإذن، فثلاثة من الخَمْسَة العُظماء ليسوا حائرين، ولا خوف عليهم من الحيرة. إنَّما الحَائِرَان حقًّا المُتَرَدِّدان حقًّا، هُمَا رئيس الوزراء ووزير الحقانية. ولعلَّ وزير الحقانية مصدر هذه الحيرة، فهو قد نظر إلى هذه القصة نظرة عدل وإنصاف، وهو قد رأى أن القُضَاة المِصريين لا يطلبون شططًا، ولا يَبْتَغُون غير الحق، وهو قد اقتنع بذلك، ولم يقتنع بذلك أمام ضميره وحده، ولكنه اقتنع بذلك أمام الناس، أعلن اقتناعه إلى الجمعية العمومية للمَحَاكم المُختلطة، كما أعلن اقتناعه إلى مجلس النواب.

وإذا أَعلن الوزير إلى الناس وإلى مجلس النواب خاصَّة أَنَّه مُقْتَنِعٌ بفِكْرَة، مُطمئن إلى مذهب من المذاهب فهو مُلزم أمام ضميره، وأمام الناس، وأَمَام مجلس النواب أن يُدافع عما اقتنع به، وأنْ يثبت على هذا الدِّفَاع، وأن يتكلف في سبيله كل شيء، حتى السقوط في ميدان الشَّرف. والسقوط في ميدان الشرف هنا معناه الاستقالة، إذا عجز الوزير عن أن يُؤدي واجبه كما هو مقتنع به، وكما يُطَالِبُه بأدائِهِ مَجلس النواب.

وهذا الموقف الذي وَقفه وزيرُ الحَقَّانية قد اضطر رئيس الوزراء الرجل الطيب إلى موقف ليس أقل منه حرجًا، فليس رئيس الوزراء بأقل إيثارًا للعدل والإنصاف والكرامة المصرية من زميله وزير الحقانية، ثم ليس رئيس الوزراء بالرَّجل الذي يفرط في قاعدة التضامن الوزاري، وما دَامَ قد ترك زميله يعمل ما عمل، ويقول ما قال، فهو إذن مُتضامن معه، وهو إذنْ مُصمم على أن القضاة المصريين يجب أن يظفروا بالحق في رياسة الدوائر، وهذه هي عقدة العقد المُعقدة تعقيدًا، كما كان يقول بعض المُمثلين في قصة جحا منذُ أعوام. فالوزارة المصرية مُصَمِّمة على أنَّ للقضاة المصريين الحق في أن يرأسوا دوائر القضاء، وقد أراد حسن الحظ — أو سوء الحظ — أنْ تُعلن هذا التصميم وتلتزم آثاره ونتائجه أمام الشعب، وأمام مجلس النواب. والجمعية العمومية للمحاكم المُختلطة تقف الموقف المناقض لموقف الوزارة المصرية في صراحة وصرامة وحزم. والغريبُ الذي يجعل الأمر حرجًا حقًّا، هو أَنَّ القُضَاة المِصْريين أنفسهم ليسوا حائرين ولا مُترددين، وإنما هم مُصِرُّون أشد الإصرار، مصممون أعظم التصميم على أن يظفروا بهذا الحق، وهم قد اتخذوا لأنفسهم موقفًا جماعيًّا لن يتزحزحوا عنه، وما ينبغي لهم أن يتزحزحوا عنه، والشعب المصري كله يُؤيدهم فيه، ولو أَحَسَّ منهم ترددًا لدفعهم إليه. وإذن، فكيف يكون المَخرج من هذا المأزق الذي لا مخرج منه، هذا هو مصدر الحيرة.

ونعود فنقولُ: إنَّ هذه الحيرة لا تستطيع أن تَصِلَ إلى القضاة المصريين، ولا إلى الشعب المصري، كما أَنَّها لا تُريد أن تصل إلى الكثرة الأجنبية في الجمعية العمومية للمحاكم المُختلطة، ولا إلى السلطة الإنجليزية. وإنما هي تستضعف الوزيرين المصريين فتصل إليهما؛ لأَنَّها تُصَوِّر لهما الموقف دقيقًا حرجًا، فَهُمَا إن جريا مع القُضَاة المصريين تعرضا لتعطيل القَضَاء كما يَقُول مكاتب التيمس، وحسبُك بتعطيل القضاء خطرًا تزلزل له الأرض، وتضطرب له السماء، وتسقط له بين ذلك الوزارات. وهُما إن جريا مع القُضاة الأجانب، لم يستطيعا إنفاذ الخطة ولا إكراه القضاة المصريين على الإذعان، ثم لم يأمنا أن يغضب لذلك الشعب المصري، وإن كان غضب الشعب المصري يسيرًا، وأن يغضب لذلك البرلمان، وإن كان البرلمان حليمًا، ولكن قد يغضب الحليم. من هُنا تكون الحيرة، ومن هنا يكُون الجهد العنيف في التماس الحلول المُؤَقَّتة. ونحبُّ أن نُلَاحِظَ أنَّ كلمة الحلول المؤقتة هذه لها معناها، فهي عبارة عَمَّا يسميه الناس تصبيرة، وهي توطئة إلى قبول وجهة النظر الأجنبية؛ أي إلى السعي في تغيير اللائحة، أي إلى السعي في المفاوضات. ومعنى ذلك إنْ كُنَّا نفهم اللغة العربية، أنَّ ما يُسمونه الحلول المؤقتة ليس معناه إلا التسليم بوجهة النظر الأجنبية، وهي أنَّ القُضاة المصريين لا يستطيعون أنْ يَظْفَرُوا بِحَقِّهم في رِياسَةِ الدَّوَائِر إلا إذا أذنت بذلك الدول الأجنبية ذوات الامتياز.

ونحن نصارح الوزيرين الخطيرين بأنَّ الخير كل الخير في أن تُسمى الأشياء بأسمائها، وفي أنْ يُقال للناس: إنَّ الوزارة المصرية قبلت، أو لم تقبل وجهة النَّظر الأَجنبية. فكل حلٍّ مؤقت معناه القبول والإذعان لوجهة النظر هذه، لنْ يخدع الناس عن ذلك لفظ مهما يكن حلوًا، ومهما يكن أنيقًا رشيقًا. على أن هذه الحلول المؤقتة التي اقترحت إلى الآن — في الصحف بالطبع — مُهينة كلها؛ لأَنَّها لا تقصد إلا إلى غرض واحد، هو أخذ القضاة المصريين بالصمت والصبر والاحتمال، حتى يأْذَنَ اللهُ بِحَلِّ الإشكال. فصحف تَنْشُر أنَّ قضية المعاشات قد تحول من المحاكم المُختلطة إلى التحكيم، فيزولُ الخلاف، ولا يحتاج القضاة المصريون إلى أن يتنحوا عن الجلوس للقضاء. ولكن محوَ الخلاف على هذا النحو لا يزيله، وإنما يبقيه ما دام الأمر سيظل كما كان، وما دام القضاة المصريون لا يعترف لهم بالحق في رياسة الدوائر.

وصحف أخرى تُذيع أن قاضيًا حديث العهد قد ينتدب للجلوس في الدائرة التي ثار حولها الخلاف، فلا يكون له إذن الحق في رياسة هذه الدائرة، ومعنى هذا أن القاضي صاحب الحق ينحى عن دائرته فيضاف شر إلى شر. ونحنُ واثقونَ بأنَّ هذا الحل لو أُخذ به لم يُؤدِّ إلى نتيجة؛ لأنَّ القاضي المِصري الحديث العهد الذي يقبلُ أنْ يجلس مكان زميله لم يوجد بعد، وما نَظُن أنَّه يوجد في يوم من الأيام.

وحل آخر تنشره الصحف؛ وهو أن يتولى رئيس محكمة مصر رياسة هذه الدائرة فيزول بذلك الخلاف. ولكن هذا الحل استثناء في نفسه، وهو متكلف لإزالة الإشكال، وما نَظُنُّ — بل نحن واثقون — أنَّ القُضَاة المصريين لا يرضون. على أنَّ الصُّحف نفسها تُذِيعُ أَنَّ رئيس محكمة مصر قد رفض هذا العرض إن كان قد عرض عليه.

وجملة القول: إنَّ المشكلة ما زالت حيث كانت قبل العيد، ولعلها قد ازدادت حرجًا، ولعل قُرب الموعد الذي تعقد فيه هذه الدائرة يُضاعف هذا الحرج، ولعلَّ الوقت قد آن لتظهر الوزارة المصرية أَنَّها وزارة حقًّا، وأنها تستطيع في بعض الظروف أن تقف موقف الحق والحزم، وألا تفرط في الكرامة، ولا تقصر في الدفاع عن العدل والقانون، مهما تكن القوى التي تواجهها.

ولعل الوزارة المصرية تستطيع أن تفكر في أنَّ من الكثير حقًّا أن يطلب رئيس محكمة النقض بين يدي صاحب الجلالة الملك أن تستقل مصر بشئون القضاء بين سكانها جميعًا، فلا تمضي أشهر على هذا الطلب حتى تحدث هذه الحادثة، وحتى يقضي الأجانب قَضَاء صارمًا صريحًا بأنَّ القضاة المصريين لا يستطيعون أن يرأسوا دوائر القضاء، إلا إذا أَذِنَ بذلك الأجانب المُمْتَازُون. هذا كثيرٌ، وأكثر منه أنْ تَقْبَله الوزارة المصرية، وأكثر من هذا وذاك أنْ يرضى الشعب، وأن يرضى البرلمان من الوزارة هوادة في ذلك أو تقصيرًا.

فلننتظر؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.