في الصحف اليوم، أن أكثر من ستين سيدة تَجَمَّعْنَ أمام محل شيكوريل لتقديم التماس بتعديل قوانين الأحوال الشخصية فيما يتعلق بتعدد الزوجات، وبيت الطاعة، وحضانة الأطفال.

وتساءل فريق من قراء الخبر: هل يجوز تحديد الزوجات بقانون؟

ووَضْع السؤال على هذه الصيغة يبتعد بنا عن محور المسألة كلها، وهو حق المجتمع في منع الأضرار التي تصيبه بجملته، أو تصيب أفراده على حدة. فهل يحق ذلك للمجتمع؟ بل هل يكون المجتمع مجتمعًا سليمًا صالحًا لحماية نفسه وحماية أفراده إذا امتنع عليه أن يعالج شروره بوسيلة من وسائل التشريع؟

إن الشرائع الدينية والدنيوية جميعًا تبيح للمجتمع — ويصح أن نقول إنها توجب عليه — أن يحجر على الفرد في ملك يديه إذا ثبت له أنه يسيء التصرف فيه، فإذا جاز للمجتمع أن يحرم على صاحب المال أن ينفقه، فهو أحق بالحجر عليه فيما يتناول الأنفس والأعراض بالضرر، ولا تُؤمَن عواقبه على الأبناء والزوجات.

وقد يتهاون الشارع بأمر المال لأن المال إذا خرج من يد السفيه لم يفقده المجتمع ولم تقع خسارته عليه، بل لعله يذهب إلى مَنْ يحفظه ويُحْسِن تصريفه ونفع الناس به في المرافق المشتركة، ولكن التهاون بما يصيب الأنفس والأعراض خسارة محققة عليها وعلى الأمة في مجموعها، فلا نزاع في حق التشريع — أو في واجبه — أن يمنع كل ضرر يهدده بكل ما يستطيع.

ولكن هل يمتنع هذا الضرر بالتشريع؟ هذه هي المسألة التي تحتاج إلى النظر الطويل. فإن المجتمع الذي يرفض تعدد الزوجات لا حاجة به إلى منعه بالقانون.

أما المجتمع الذي يقبله على علاته ولا يأنف منه، فهو بحاجة إلى إصلاح كثير قبل أن يصل الأمر إلى إجراءات القانون والإدارة.

وعلى المرأة الرشيدة أن تعترف بالحقيقة حين تعترف بالحاجة إلى القوانين في هذه الأمور.

أفلا يخطر لها أنها في هذه الحالة كمن يصيح بالناس من حوله: الحقوني قبل أن أرضى بالزواج من صاحب زوجة أو زوجتين؟

إنها تعترف بأن المرأة هي التي تسيء استخدام حريتها؛ لأن الرجل لا يتزوج امرأة على الرغم منها، ولو كانت المرأة قد بلغت من الرشد أو من الاستقلال بالمعيشة أن تصون حريتها لما طلبت النجدة في مسألة تملكها ولا سلطان فيها لغيرها على إرادتها.

الحقوني يا ناس!

لا، الحقي نفسك يا هانم … الحقي نفسك يا آنسة … وثِقِي أن أحدًا من الناس لا يستطيع اللحاق بك على غير ما تريدين.

***

ﻫ – ٣

تتردد في هذه الأيام دعاية قوية عن دواء إعادة الشباب للعالمة الرومانية «أنا أصلان»؛ فأرجو أن تتكرموا بالإجابة على ما يأتي:

(١) ما هي فكرة هذا الدواء؟

(٢) أذكر أنني قرأت — وأنا صغير — حديثًا عن النبي ﷺ قال فيه: «كل داء له دواء إلا الهرم …» أليس القول إذن بأن هذا الدواء يعيد الشباب معارض لهذا الحديث؟

(٣) أريد رأي سيادتكم في إمكان نجاح مثل هذا الدواء …

سيد مصطفى، محاسب قانوني

حب التهليل والتهويل هو المسئول عن هذه الدعاوى التي تُنْسَب إلى «الجيروفيتال» Gerovital الذي اهتدت إلى تحضيره الدكتورة أنا أصلان ولم تنسب إليه معجزة من المعجزات تبرَّعَ بها لدوائها مَنْ لا يقنعون بدرجة من الغرابة دون درجة الإعجاز أو دون تحقيق المستحيل.

كادوا يقولون إن الجيروفيتال يُعِيد الميت إلى الحياة … ومن لم يبالغ هذه المبالغة فهو لا يرتضي هذا الدواء كرامة أقل من منع الهرم والعودة بالشيخ الفاني إلى ريعان صباه.

وهذا كثير على عالمة أن تدعيه لدواء يستخدمه الأطباء، فغاية ما في هذا الدواء من الفائدة المطلوبة أنه كما يدل عليه اسمه، يزود الشيخوخة بالحيوية والشعور بالنشاط والراحة، وليس هذا بشيء جديد في مستحضرات الطب ولا في البحوث العلمية منذ أواخر القرن الماضي وقبل ابتداء هذا القرن العشرين.

وعندنا في القاهرة بدأت هذه المحاولات على الأساس العلمي، وشرع الدكتور فورونوف Voronoff — وكانت له عيادة بجوار المدرسة التوفيقية — في تجربة علاجه لتنشيط الغدد الصماء وتلقيح المرضى بغدد جنسية منتزعة من القردة، فنجحت بعض النجاح ثم ظهرت لها أضرار كثيرة، وقيل إنها نجحت أكبر من هذا النجاح في علاج الحيوان.

واستحق الدكتور متشينكوف جائزة نوبل سنة ١٩٠٨؛ لأنه اهتدى إلى مَصْل يساعد الكريات البيضاء في الدم على إبادة الجراثيم، ويقاوم فعل الانحلال الذي يعرض لخلايا الجسم بعد سن الشباب، وقد كان هذا الطبيب يوصي بأكل «لبن الزبادي»؛ لأن طول العمر يكثر بين أمم البلقان حيث يدخل هذا الطعام في أكثر الوجبات.

وكل ما يُقال عن علاج الشيخوخة بعد ذلك، فهو قائم على مثل هذا الأساس العلمي، ولا يعدو أن يكون علاجًا للغدد الصماء أو تزويدًا للجسم بأصناف الفيتامينات، ولكنه يصلح في حالات ويقصر عن النفع بل يضر في حالات أخرى، وهي حالات «الحساسية» التي لا بد من تحقيقها والحيطة لها قبل العلاج.

ولا يزال الأطباء وعلماء الحياة وعلماء الحيوان يجهلون سر العمر وأسباب طُول الأجل وقِصَره في تركيب البنية الحيوانية، ولا يدَّعي أحد منهم أنه يفهم هذا السر بغير التخمين؛ لأنهم عاجزون حتى الآن عن تعليل ظواهره المختلفة في تكوين الإنسان والحيوان.

فلماذا يتم تكوين الأسد في بطن أمه أربعة أشهر، ولا يتم جنين الفيل قبل نحو السنتين؟ ولماذا يتم تكوين جنين الكلب والقط في شهرين، ويبقى جنين الخروف في بطن أمه خمسة شهور؟ ولماذا يبقى بعض الأشجار ثلاثة آلاف سنة، ولا يزيد عمر حيوان قط عن مائتي سنة؟ ولماذا تعمر السلحفاة ولا يعمر الحوت على نسبة جسده بالقياس إليها؟ بل لماذا يتكون جنين النوع الإنساني من ثماني وأربعين صبغية فقط، ولا يتكون جنين سمك القرش من أقل من مائتي صبغية؟

إن الذي يجهل أسباب هذه المفارقات في عمر الجنين وعمر الحيوان وعناصر تكوين الأحياء في بطون أمهاتها، لا يستطيع أن يدَّعي أنه وضع يده على سر العمر فضلًا عن سر الخلود، وغاية ما يجوز ادعاؤه للباحثين المعاصرين أنهم أعلم بنظام المعيشة ووسائل الوقاية وأساليب التغذية الموافقة للأجسام في مختلف الأعمار، وإذا ارتبط تحسين الصحة بطول العمر فالجديد في هذه القصة هو زيادة التحسين أو زيادة العلم بالنظم الصحية، وليس في ذلك غرابة تصل إلى حد الإعجاب وتُحْسَب من خوارق العادات، فإنها جميعًا من الممكنات التي يُرْجى أن تزداد إمكانًا مع تقديم العلم، وتقديم الفهم، والعناية بالمعيشة الصحية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.