إذا كنت معارضًا للوزارة فقدمت إليها السؤال عن بعض الأعمال، فمن حق البلاغة عليك أن تكون واضحًا صريحًا، وأن تكون مستقصيًا دقيقًا، وأن تضطر الوزارة إلى أن تجيب في غير عوج ولا التواء، وفي غير مداورة ولا مراوغة، أو إلى أن تخرج فتؤثر الصمت، ويكون صمتها اعترافًا وإقرارًا، ويسجل الناس لك أنك كنت سائلًا بليغًا محرجًا.

وإذا أرادت الوزارة أن تجيب على سؤال من هذه الأسئلة المحرجة البليغة، فمن حق البلاغة عليها أن تكون واضحة صريحة، وأن تكون دقيقة مستقيمة، وأن يكون جوابها على قدر السؤال، لا يتجاوزه عرضًا ولا طولًا، وأن يكون جوابها قويًّا في غير عنف، هينًا في غير ضعف، يقيم عليك الحجة، ويضطرك إلى السكوت، فيسجل الناس للوزارة أنها كانت بليغة قد أحرجت سائلها إحراجًا، وأفحمته إفحامًا، واضطرته إلى الانقطاع والتسليم.

وقد ثارت في هذه الأيام خصومة بيانية بين الوزارة ومعارضيها، على اختلاف أنواعهم، فأنت تعلم أن المعارضين أشكال وألوان؛ فمنهم المعارضون المعارضون، الذين لا يعرفون إلا المعارضة، ولا يرضون غير المعارضة؛ لأنهم يخاصمون الوزارة القائمة، خصومة أساسية لا سبيل معها إلى تعاون أو وفاق، ومنهم المعارضون الذين كانوا صديقًا أمس، فانقلبوا عدوًّا اليوم، ولعلهم أن يعودوا صديقًا غدًا إن أشرقت شمس غد على الوزارة وهي قائمة في مناصب الحكم.

ومنهم المعارضون بين بين، أولئك الذين يُظْهِرون المعارضة، ويخفون التأييد، ويلقون الأمة بوجه، والوزارة بوجه آخر.

وبين هؤلاء المعارضين، على اختلاف أشكالهم وألوانهم، وبين الوزارة ثارت في هذه الأيام خصومة عنيفة معقدة في البلاغة والبيان، فألقى المعارضون على الوزارة وابلًا من الأسئلة الواضحة الصريحة القوية المحرجة، وقرأ الناس هذه الأسئلة فسجلوا لها البلاغة تسجيلًا، وأجابت الوزارة على هذه الأسئلة كلها إجابات واضحة صريحة مستقيمة غير ملتوية، أفحمتهم إفحامًا، وأحرجتهم إحراجًا، فسجل الناس للوزارة أنها أبلغ من خصومها، وأملك منهم لأعنة البيان، وأقدر منهم على تصريف الكلام.

وقد تصطنع البلاغة وتريد أن تحرجني، كما كان يريد المعارضون أن يحرجوا الوزارة، فتلقي عليَّ سؤالًا واضحًا صريحًا، دقيقًا مستقيمًا: أين هذه الأجوبة المفحمة التي ألقتها الوزارة إلى الناس؟ ولكنك تستطيع يا سيدي أن تثق بأنك لن تصل من إحراجي إلى بعض ما تريد، فأنت بين اثنتين: إما أن تكون قارئًا للصحف، وإما أن تكون معرضًا عن هذه الصحف، فإن تكن الثانية فليس بينك وبيني حوار، ولست أقبل منك سؤالًا، ولست ألقي إليك جوابًا، بل أنا واثق بأنك لم تسألني؛ لأنك لا تقرأ الصحف، فلست تعرف من هذه الخصومة بين الوزارة والمعارضين شيئًا، وإن تكن الأولى فحدثني عن أسئلة المعارضين للوزارة؛ أحدثك عن أجوبة الوزارة لهؤلاء المعارضين.

سأل سائل: هل ضارب صدقي باشا في القطن؟ فقال قائل: نعم، وقال قائل: بل ضارب مرتين، وقال قائل: بل ضارب ثلاث مرات، وقال قائل: ضاربت مثله الوزارة القائمة، وألح السائلون على الوزارة أن تبين جلية الأمر في هذا كله.

فأجابتهم الوزارة أمس بجوابين لا بجوابٍ واحد في بلاغين رسميين، لا في بلاغٍ واحدٍ، أجابتهم الوزارة بأن الجهاد قد نشرت كلامًا عن بعض الطير التي ترسلها المعاهد العلمية، وتضع في أرجلها بطاقات معدنية إلى بعض الأقطار لدرسها وتعرف أحوالها. وطلبت الجهاد إلى الذين تقع عليهم أو تقع لهم هذه الطير أن يكتبوا إلى المعاهد التي أرسلتها، أو أن يكتبوا إلى الجهاد لتكتب عنهم إلى المعاهد التي أرسلتها.

ووزارة الزراعة تعلن أن حديقة الحيوانات في الجيزة هي المختصة بهذه الأبحاث العلمية، فينبغي أن ترسل إليها الطير، وأن يكتب إليها الناس لتتوسط بينهم وبين المعاهد العلمية التي أرسلت الطير. فهذا جواب.

وأحسبك لا تشك ولا ترتاب، ولا تجادل ولا تمتر في أنه محرج حقًّا، مفحم حقًّا، ملزم للحجة حقًّا، تسأل عن القطن والمضاربة فيه أكانت مرة؟ أكانت مرتين؟ أكانت ثلاث مرات؟ أكانت من صدقي باشا وحده؟ أكانت من وزير المالية الجديد أيضًا؟ فيقال لك في ابتسامة رشيقة أنيقة: ما أنت وذاك؟ ما عنايتك بما لا علم لك به، ولا شأن لك فيه؟ ما إضاعتك الوقت على نفسك وعلى الوزارة فيما لا ينبغي أن تخوض فيه. نشرت الجهاد أن بعض المعاهد العلمية ترسل الطير إلى بعض الأقطار، وتضع في أرجلها بطاقات معدنية، إلى آخر الحديث.

وليس الجواب الثاني بأقل بلاغة من الجواب الأول؛ فقد نشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا عند بحيرة المنزلة، ووزارة الزراعة تكذب هذا الخبر، وتعلن أنها اتصلت بمديرية الدقهلية، فعرفت منها أن هذا الفهد لم يكن إلا قطًّا بريًّا، وأنه قد صِيد منذ أكثر من عام.

وسأل سائلٌ عن وزير الزراعة نفسه: أقذف وزير الزراعة السابق أم لم يقذفه؟ فقال قائل: بل قذفه ونشر هذا القذف في الصحف، وامتلأت به أفواه الناس، وهمَّ بعض الناس بالإصلاح بين القاذف والمقذوف، فأبى القاذف ورضي المقذوف، وألحَّ الناس على الوزارة يسألونها أن تبين لهم جلية الأمر، فأجابتهم الوزارة أمس بهذين الجوابين المقنعين: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا.

وسأل سائل عن قصة الكورنيش، وما ضاع فيها من المال، وما احتملت الإسكندرية فيها من نفقات؟ وعمن أضاع هذا المال؟ ومن حمل المدينة هذه النفقات؟ فأجابته الوزارة أمس: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا.

وسأل سائلٌ عن المديرين الذين كانوا يسخرون النواب؟ وسأل سائلٌ آخر عن وزير الداخلية: أكان يغري النواب؟ وسأل سائلٌ آخر عن وزير الزراعة: هل أدَّى الضرائب؟ وسأل سائلٌ رابعٌ عن وزير الزراعة: ماذا صنع بما كان قد حجز في سبيل الضرائب؟ فأجابتهم الوزارة جميعًا أمس بهذين الجوابين البليغين: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا.

وزعمت الصحف أن بين وزير المالية ووكيلها خلافًا عنيفًا، وأن بين مستشار المالية ووزيرها خلافًا عنيفًا، وأن وزير المالية قد ينقل إلى وزارة الخارجية، وأن الإنجليز قد دخلوا في الأمر، وأن الإنجليز قد دخلوا بين فريقي حزب الشعب، وأن وزير المالية يأبى أن يُنقل، وأن خصوم الوزير يلحون في نقله؟ فأجابت الوزارة على هذا كله بهذين الجوابين البليغين: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا.

وقد أصبحنا اليوم فإذا الصحف تنبئنا بأن الإنجليز قد أرسلوا مذكرة إلى رئيس الوزراء يسألون عن مجلس الوزراء: أمتضامن هو مع وزير المالية فيما صرح به من أنه لن يدفع إلا وَرِقًا، ومن أنه لن يُفاوِض؛ لأن من المفاوضة أخذًا وعطاءً، وليس عنده ما يعطيه؟ وكنا ننتظر أن ترد الوزارة على الإنجليز، كما ردت على المصريين بهذين الجوابين البليغين: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا.

ولكن الصحف أنبأتنا بأن رئيس الوزراء قد رد على دار المندوب السامي، فلم يذكر المعاهد التي ترسل الطير، ولم يذكر الشاب الذي صاد فهدًا، وإنما تخفف من وزير المالية وألقاه من وراء ظهره، وأعلن إلى الإنجليز أن مجلس الوزراء لا يشاركه في الرأي، ولا يؤيده فيما قال. ومعنى هذا أن الإنجليز من هذا العنصر الممتاز الذي لا ينبغي أن تتحدث إليه الوزارات فيما نشرت الجهاد عن المعاهد التي ترسل الطير، وما نشرت مجلة الهلال المصورة عن الشاب الذي صاد فهدًا.

فإذا سألنا نحن رئيس الوزراء: أحق هذه الأنباء؟ وإذا سألنا رئيس الوزراء: كيف يجحد مجلس الوزراء عضوًا من أعضائه ثم يبقيه ولا يقيله، ولا يكلفه أن يستقيل؟ فستجيبنا الوزارة من غير شكٍّ ولا ريبٍ: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا؛ فإذا هو قط.

هذه البلاغة خليقةٌ بالتفكير والتقدير؛ لأنها لا تفحم الخصوم فحسب، وإنما تملأ قلوبهم عظةً واعتبارًا، وتذكرهم بأن التواضع فضيلة، وأن الكبرياء رذيلة، وأن المصريين لم يخلقوا للسياسة وأحاديثها، ولا للإدارة ومراقبتها، ولا للمال وتدبيره، فهم حين يسمون إلى هذه الأشياء كلها يتكبرون، ويتجاوزون حدودهم، ويعدون أطوارهم، ويستحقون أن تؤدبهم الوزارة فتحسن تأديبهم، وأن تردهم الوزارة إلى ما ينبغي أن يسألوا عنه، ويتحدثوا فيه، وهو ما نشرته الجهاد من أن بعض المعاهد ترسل الطير، وما نشرته المجلة المصورة من أن شابًّا صاد فهدًا، وما استكشفته وزارة الزراعة من أن هذا الفهد لم يكن إلا قطًّا.

وهذه البلاغة تذكر المصريين بتلك القصة التي سمعوها جميعًا من أمهاتهم وجدَّاتهم، حين كانوا أطفالًا يلعبون، وتستخفهم الأحاديث، وهي قصة هذا الشاب الذي دخل مدينة فرأى رءوسًا إنسانية معلقة على قصر الملك تبلغ التسعة والتسعين، فسأل بائع الفاكهة عن هذه الرءوس، فأجابه: إن العنب يباع رطل بدرهم، وإن التفاح يباع بدرهمين، وسأل بائع الخضر عن هذه الرءوس، فأنبأه بثمن الكراث، والبصل، والثوم، والباذنجان.

وما زال يلم بالناس يسألهم عن الرءوس، وكلهم يتحدثون إليه في غير الرءوس، حتى هداه الله إلى حلاق يُؤثر الحق، فقصَّ عليه قصة الرءوس كما هي، ويظهر أن هذا الحلاق لم يوجد في مصر بعدُ، فسيسأل الناس عن كل ما يعنيهم من أمر السياسة والإدارة والمال، فلا يسمعون إلا حديث المعاهد التي ترسل الطير، وحديث الشاب الذي صاد فهدًا فظهر أنه قط.

والذين ذهبوا إلى باريس، واختلفوا إلى بعض ملاعب الهزل، سيذكرون من غير شك حين يقرءون هذين الجوابين البليغين على أسئلة الناس تلك الأغنية الطريفة الظريفة التي ظهرت منذ أعوام، فلم يبق باريسي، بل لم يبق فرنسي إلا حفظها وغناها، حتى أصبحت الآن عبارة من العبارات الشائعة العامة، التي يجاب بها الرجل حين يسأل عما لا يعنيه، فيقال له: أتراني سألتك عن جدتك هل تركب الدراجة؟

فليس لقصة المصريين مع الوزارة فيما يظهر إلا هذا الجواب، وليس حديث المعاهد التي ترسل الطير، وحديث الشاب الذي صاد فهدًا فإذا هو قط إلا صورة طبق الأصل لأغنية الفرنسيين تلك: أتراني سألتك عن جدتك هل تركب الدراجة؟ وأظرف من هذا كله، وأوقع في القلوب، وأشد إثارةً للإعجاب، وأدعى إلى الفتنة وسحر العقول، أن يلهم الله وزارة الزراعة هذين الجوابين، فتُجلى الغمرة عن الوزارة كلها، وتكشف الغمة عن نفسها، وعن رئيس الوزراء، وعن وزير المالية، بل عن الإنجليز، بل عن كل من سيُلقى عليه السؤال في شأنٍ من الشئون فيأبى أن يجيب، فسيقول أولئك جميعًا كلما سُئلوا عما لا يحبون الخوض فيه: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا، واستكشفت وزارة الزراعة أن هذا الفهد لم يكن إلا قطًّا.

ألستَ توافقني، أيها القارئ العزيز، على أن الوزارة قد وُفِّقت إلى الجواب البليغ المقنع المحرج على كل ما وجه الناس، وما سيوجهون إليها من سؤال؟ أما أنا فأؤكد لك أني لو كنت مكان رئيس الوزراء لاعتزلت الرياسة، ولاقترحتُ أن تُسند إلى المنزلاوي بك؛ فهو أهلها، وهو أحق بها، وأقدر على احتمال أعبائها، وحسبك أن مصر منذ عرفت الوزارات لم تظفر بهذا الوزير اللبق الفصيح البليغ، الذي يسأل عن معضلات السياسة ومشكلات الإدارة ومخزيات المال فيجيب: نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا، واستكشفت وزارة الزراعة أن هذا الفهد لم يكن إلا قطًّا.

أيها المصريون، دونكم حديث للمعاهد التي ترسل الطير، وحديث الشاب الذي صاد فهدًا، فأشغلوا بهما أنفسكم عن الشئون العامة، وليشغل بهما أدباؤكم وشعراؤكم ومغنوكم، وليكن هذان الحديثان فكاهة فصل الشتاء. نشرت الجهاد أن بعض المعاهد ترسل الطير، ونشرت مجلة الهلال المصورة أن شابًّا صاد فهدًا، واستكشفت وزارة الزراعة أن الفهد لم يكن إلا قطًّا، واستكشفت وزارة الزراعة أيضًا أن هذين الحديثين هما خير ما يُردُّ به على المعارضين!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.