ولكنه لا يبعث في القلب رحمة، ولا يثير فيه إشفاقًا، كما أنه لا يبعث في النفوس غبطة، ولا يحيي فيها ابتهاجًا. إنما هو بؤسٌ كئيب مظلم، شديد الظلمة، أسود قاتم السواد، يرسم على الوجوه ابتسامة خير منها العبوس. وأين هذا القلب المصري الذي يرحم هذا الرجل الذي أتيح له السلطان أكثر من ثلاثة أعوام، فقسا وتجبر، وطغى وتكبر، ولم يرحم أحدًا من المصريين، بل لم تعرف رحمة المصريين إلى قلبه سبيلًا؟

وأين هذا القلب المصري الذي يستطيع أن يشفق على هذا الرجل الذي أتيحت له أسباب القوة فلم يوجهها إلى خير، ولم يستعن بها على معروف، وأتيحت له أسباب النفع فلم ينفع بها إلا نفسه، وإلا طائفة من الصنائع عرفوا كيف يحفظون له العهد، ويقيمون له على الود، ويعترفون له بالجميل؟ فلم تكد تلم به المحنة حتى تولى عنه أكثرهم وهم معرضون، وأقبل عليه أقلُّهم بقلوب مدخولة، ونفوس ملتوية، وهم فاتر لم يكد يبلوه ويمتحنه حتى عرف أنه لا خير فيه.

وأين هذه النفس المصرية التي تستطيع أن تغتبط ببؤس هذا الرجل الذي كان يستطيع أن يحسن فآثر السوء، وكان يستطيع أن ينفع فآثر الضر، وكان يستطيع أن يقف من أمته موقف الخادم المخلص الأمين، فلم يزد على أن يقف منها موقف الخصم العنيد، ينتقص من حقوقها، وينتهك من حرماتها، ويضيع من مصالحها؟

وأين هذه النفس المصرية التي تستطيع أن تبتهج بسقوط هذا المصري الذي كان خليقًا أن يكون جنديًّا صادقًا مُقدِمًا جادًّا في نصر مصر، والذود عنها، وتمهيد الطريق لها، وإزالة العقبات من هذه الطريق، فلم يزد على أن أخرها أعوامًا، وبث أمامها عِقابًا، وحمَّلها من الشر أثقالًا، وأذاقها من العذاب ألوانًا، واضطرها إلى أن تود لو لم يكن من أبنائها، ولو لم تعرفه حياتها العامة، ولو لم تفرضه عليها الظروف فرضًا؟

نعم، لا يوجد هذا القلب المصري الذي يرحم هذا الرجل أو يشفق عليه، ولا توجد هذه النفس المصرية التي تغتبط بسقوطه، وتبتهج لما أصابه من الخذلان؛ فقد كان أقسى على أمته من أن يستحق الرحمة من أمته، وهو الآن أهون على أمته من أن يستحق عنايتها لما يصيبه من شر، ويلم به من مكروه.

إنما هو رجل غريب وإن أقام في وطنه، وحيد وإن عاش بين أهله وبين أصحابه؛ لأنه اختار لنفسه مذهبًا في الحياة فرق بين قلبه وقلب الوطن، وباعد بين نفسه وبين مواطنيه، فهم يجهلونه إلا حين يذكرون أو يرون ما قدم إليهم من شر، وما جنى عليهم من سوء، وهم ينكرونه إلا حين يريدون أن يعتبروا بعاقبة الطغاة إذا أسرفوا في الطغيان، وآخرة الظالمين إذا أغرقوا في الظلم والبغي والعدوان.

لقد كان طويلًا هذا الاحتضار السياسي الذي اضطر إليه هذا الرجل إلى أن أدركه موته السياسي أمس. كان طويلًا ثقيلًا شاقًّا قاسيًا، فانظر إليه منذ هوى عن منصب الحكم كيف يصارع الموت السياسي مصارعة عنيفة حادة مضطربة، فيها النهوض والسقوط، وفيها الإقدام والإحجام، وفيها النشاط والفتور.

انظر إليه كيف يهم بالمقاومة ثم يستسلم للضعف، ثم يستأنف المقاومة، ثم يستخذي وينحدر، ثم ينشط للحرب، ثم يلجأ إلى السلم، ثم يجمع قواه وما بقي له من ذكاء وكفاية ومهارة ليلقي خطبته الأخيرة في الغريب، ثم يدركه الخور ويأخذه الانحلال. وما زالت فيه بقية من قوة، وفضل من نشاط، فينزل عما كان يطمع فيه من رياسة مجلس النواب، وينهزم أمام خصمه المسالم الدكتور رفعت باشا، وأمام عدوه؛ الرجل الطيب عبد الفتاح يحيى باشا، ثم يجري فيه الضعف صاعدًا من قدميه إلى رأسه، أو هابطًا من رأسه إلى قدميه، وإذا هو يجود بنفسه أمس في كتابين يرفع أحدهما إلى خصمه رئيس مجلس النواب، ويرفع ثانيهما إلى عدوه رئيس الوزراء.

ثم ينظر الناس فإذا الجذوة قد خبت، وإذا السراج قد انطفأ، وإذا ذلك النشاط العنيف، وتلك القوة الهائلة، وتلك الحيلة الواسعة، وتلك الجرأة التي لا حد لها، كل ذلك قد تفرق في أقطار الفضاء، وأصبح هباءً يسعى به الهواء، ولم يبق من حياته السياسية إلا الحديث، وأي حديث؟ حديث لا يُرضي أحدًا، ولا يسر أحدًا، حديث يتمنى الدهر لو أصابه الصمم فلا يسمعه، حديث تتمنى الأيام لو أصابها النسيان فمُحِيَ من ذاكرتها محوًا، حديث تستخذي مصر لأنه يتصل بأحد أبنائها.

نعم لم يبق من الحياة السياسية لهذا الرجل إلا هذا الحديث المنكر الذي يود كل إنسان وكل شيء لو ذهب مع الهواء، كما ذهبت قوة صاحبه وبأسه، ولكن اللَّه يأبى على الدهر إلا أن يسمعه، وعلى الأيام إلا أن تَعِيَه، وعلى المصريين إلا أن يحفظوه ويتناقلوه. تتوارثه أجيالهم ليكون عبرة وموعظة ونكالًا للذين تغريهم المنافع، وتستهويهم الشهوات، وتدفعهم الأهواء والأطماع إلى أن يبغوا طريقهم في الحياة السياسية عوجًا، ويتخذوا حقوق الشعب هزؤًا، وأمانة الشعب وحرمات الشعب ألوانًا من لهو الحديث.

نعم، على أن هذه الحياة السياسية إن تركت للمصريين هذه العظة، فقد تركت لهذا الرجل نفسه تراثًا، يود بجدع الأنف وصلم الأذن لو ألقي بينه وبينه أصفق الحجب، وأكثف الأستار. انظر إليه وقد اندحر عن ميدان الخصومة، وانزوى في داره في القاهرة، أو في دار من هذه الدور الكثيرة التي تنبث في أرضه الواسعة، وأملاكه العريضة، وخلا إلى نفسه. انظر إليه كئيبًا كاسف البال، مروع النفس، مفزع القلب، حائر الطرف، لا يطمئن إلى شيء ولا إلى إنسان، ولا يطمئن إليه شيء ولا إنسان.

إن أدار طرفه في غرفة من هذه الغرف التي ينزوي فيها رأى هذه الأشباح الهائلة المخيفة، تحيط به وتضطرب من حوله ولها أنين حزين يمزق أشد القلوب صلابة، ويفطر أشد الأكباد غلظًا. أشباح هؤلاء الذين سُفكت دماؤهم، وأُزهقت نفوسهم أثناء هذه الأعوام السود التي قضاها في مصر مستأثرًا بالسلطان.

انظر إليه: إنَّ هذه الأشباح لتروعه وتفزعه فيغمض عينيه، ويحول نظره إلى أعماق نفسه، يريد أن ينظر فيها. فيا لها من هوة ليس لها قرار تضطرب فيها أشباح الحزن والحسرة، وصور اليأس والندم، وأشكال الجزع والهلع، فيفزع من نفسه، ويفزع مما حوله، ويخرج من غرفه هائمًا، يلتمس الراحة والأمن في الأرض العريضة والفضاء الواسع، ولكنه لا يخلص من خوف إلا إلى خوف، ولا يفلت من حزن إلا إلى حزن، ولا يبرأ من بأس إلا ليتردى في بأس آخر، تتبعه هذه الأشباح أين ذهب، وتدور حوله هذه الصور أين استقر، وتملأ قلبه هذه الأشكال إذا استيقظ، وتعبث بنفسه هذه الخيالات إذا نام!

يرى مواطنيه فلا ينظر إليهم إلا حذرًا، ويراه مواطنوه فلا ينظرون إليه إلا شذرًا. انظر إليه وقد خرج من الميدان خزيان لا يستطيع حتى أن يستمتع بما يستمتع به المنهزم العزيز من الشمم والإباء. انظر إليه قد هان على أنصاره فلم يحفل به منهم أحد. انظر إليه قد هان على خصومه، فلم يأبه له منهم أحد. انظر إليه قد استقال أمس من حزب الشعب وهو منشئ حزب الشعب، ومن مجلس النواب، وهو عميد مجلس النواب، وإذا الشعبيون والنواب والشيوخ يجتمعون إلى مائدة من الموائد في فندق من الفنادق، فيأكلون ويشربون ويخطبون ويتفرقون، لم يذكر أحد منهم هذا الرجل، ولم يشر أحد منهم إلى هذا الرجل، وليس بينهم أحد إلا ولهذا الرجل عليه فضل، وليس بينهم أحد إلا ولهذا الرجل عنده يد ومعروف.

ولكنه قد قدم إليهم الفضل وصنع عندهم المعروف ثمنًا لما كان يطلب إليهم من المعونة والتأييد. اشترى منهم فباعوا له، ثم انقضت الصفقة فتفرق المشترون والبائعون، وأنكر كل واحد منهم صاحبه، وألقى الستار على ما كان بينهم من صلات.

انظر إليه يلزم داره فلا يسعى إليه الأنصار ولا يخافه الخصوم. انظر إليه يطوف في أرجاء مصر فلا يَخفُّ للقائه أحد، ولا يخاف تطوافه أحد. ليس هو الذي تسلح له القُطر، وليس هو الذي تحفر أمامه الخنادق، وتقام له المتاريس، وليس هو الذي ترصد له الشرطة والجند، وليس هو الذي يختطفه وزير الداخلية اختطافًا في قطار سريع. إنما هو رجل يسير ضئيل هين لا يرجى ولا يخاف، لا أمل فيه ولا يأس منه، رجل بهذا المعنى المادي لهذه الكلمة لا أكثر ولا أقل.

أليس غريبًا أن يرى المصريون جميعًا هذه المأساة، ويشهدوا جميعًا هذه العبر، ثم لا يزال بينهم من تطمح نفوسهم إلى أن يرقوا إلى هذا الصرح العالي، صرح الطغيان ليتردوا منه كما هوى منه طاغية الأمس؟ بلى، هذا غريب، ولكن الإنسان ضعيف، وما زال ضعفه يكلفه الأعاجيب.

أرأيت أنا لم نكن مخطئين حين قدرنا أن توبة صدقي باشا إلى رئيس الوزراء لن تغني عنه شيئًا، وأن خصومه لن يرضوا منه إلا أن يقطع الأسباب بينه وبين السياسة، فيدع الحزب ويدع البرلمان، ويفرغ لصحته وراحته، ولكن ما عسى أن تكون هذه القوة الهائلة التي أخرجت هذا الرجل من السياسة بعد أن كان متعلقًا بها، حريصًا عليها، برغم الأحداث والخطوب، وبرغم المرض الطويل والعناء الثقيل؟

ليست هي قوة رئيس الوزراء، فرئيس الوزراء رجل طيب لا يقدر على مثل هذا، ولا يطمح إلى مثل هذا. إنما هي قوة الظروف هذه التي حفظت لصدقي باشا من الشر ما يُخِيفُه ويُزعِجه ويَضطرُّه إلى أن يؤثر الفراغ وإلقاء السلاح، ويقنع من هذه المغامرة الطويلة بالخروج منها سالمًا بجلده، كثير المال، موفور الثراء، يستطيع أن يحيا حياة المترفين، ورئيس الوزراء من غير شك أذكى وأمهر وأعرف بحقائق الأشياء من أن يفاخر أو يكاثر أو يتمدح بما أصاب خصمه من الهزيمة؛ فرئيس الوزراء لم يرمِ صدقي باشا حين رمى، ولكن الله هو الذي رمى وسهام الله مصيبة دائمًا لا تخطئ الرمية، ولا تجور عن قصد السبيل.

وإذا كان لنا أن نتمنى لرئيس الوزراء هذا الرجل الطيب شيئًا، فإنَّا نتمنى أن يربأ بنفسه، وأن تربأ به الظروف عن مثل ما دفع صدقي باشا إليه، وإن رئيس الوزراء ليعلم حق العلم كيف يتنكب هذه الطريق التي سلكها صدقي باشا، فانتهت به إلى هذا البؤس الكئيب. وهل لرئيس الوزراء سبيل إلى تنكب هذه الطريق إلا أن يستقيل فيريح ويستريح؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.