زعموا أن المقاومة في مصر للسلطان الأجنبي قد أصابها الضعف، ومشى فيها الفتور، ودب إليها نوع من الخمود حال بينها وبين أن تنتج في تحقيق الآمال القومية ما كان يُنتظر منها، فلم تتقدم مصر في سبيل استقلالها كثيرًا منذ كانت الحركة الوطنية سنة ١٩١٩، بل ما زالت الامتيازات قائمة لا تستطيع مصر أن تلغيها إلا أن تتولى إنجلترا حماية المصالح الأجنبية وإلغاء الامتيازات بنفسها؛ لأن مصر أعجز من أن تثبت لأوروبا وللإنجليز، وأقصر باعًا من أن تقدم على إلغاء الامتيازات بنفسها كما فعل الفرس والترك …!

وقد أخذ بعض أصدقائنا يعلل ضعف المقاومة هذا ويرده إلى مصادره، ويبحث عن الذين يحتملون تبعته، فاهتدى إلى العلة الصحيحة لهذا الضعف، ووضع يده على الداء الذي كان يجب أن يستأصل منذ ظهرت أعراضه، والذي أصبح استئصاله الآن ضرورة وطنية لا مندوحة عنها، إذا كان قادة الرأي في هذا البلد — كما نعتقد — لا يزالون يؤمنون بأن الاستقلال حق لمصر، وبأن من الواجب عليهم أن ينتهوا بها إليه.

وهذا الداء الذي انتهى إليه صديقنا، ووضع يده عليه، هو تشعب الأحزاب في غير داعٍ إلى تشعب الأحزاب؛ فالمصريون جميعًا يطلبون الاستقلال، ويسعون إليه، ويلحون فيه، ويتمنون لو أتيحت لهم الفرص التي تمكنهم من تحقيقه، بل من التضحية الكبرى في سبيل تحقيق الشك، يوم نهضوا سنة ١٩١٩ يطالبون بالاستقلال، ويثورون بالحماية حتى ألغوها.

المصريون جميعًا إذن يطالبون بالاستقلال ويلحون فيه، لا تختلف أحزابهم في ذلك، ولم ينشأ من أسباب الخلاف ما يدعو إلى أن تتشعب الأحزاب وتفترق، وإنما هي كما يقول صديقنا: الأهواء والأمزجة والمنافع تنشئ الأحزاب، وتنقل الأشخاص فيما بينها. وليس في ذلك شك ولا ريب؛ فالحكم وحده هو الذي أنشأ الأحزاب في مصر بعد أن كانت كلمة المصريين مجتمعة على المطالبة بالاستقلال، والإلحاح فيه، والتضحية في سبيله.

وتستطيع أن تتبع تاريخ الأحزاب التي أنشئت في مصر بعد أن تألف الوفد للمطالبة بالاستقلال، وأيدته الأمة المصرية كلها، لم يشذ منها شاذٌّ، ولم يخرج عليها خارج، فسترى أن الأمل في الوصول إلى الحكم، والسيطرة على الأمور، وتحقيق المنافع لبعض الجماعات وبعض الأفراد هو الذي ألف هذه الأحزاب واحدًا إثر واحد، وهو الذي جعل في مصر هيئات سياسية مختلفة تحترب فيما بينها وتقتتل، ويسيئ بعضها إلى بعض، ويغرى بعضها ببعض، ويكيد بعضها لبعض، وهي كلها تسعى إلى تحقيق غرض واحد هو الاستقلال.

وهذه الأحزاب وإن تشعبت ليست كثيرة، وليس تاريخها بعيدًا يحتاج إلى الجهد والتعب في درسه وتحقيقه، فأنت تستطيع أن تحصي ما نشأ منها بعد الحركة الوطنية، وأن تستقصي الأسباب التي دعت إلى نشوئه، وتستقصي كذلك الأسباب التي دعت إلى تطوره، وتستقصي كذلك الأسباب التي دفعته حينًا إلى الشمال حتى اتصل بالوفد وكاد يندمج فيه، ودفعته حينًا إلى اليمين حتى انفصل عن الوفد ونصب له الحرب.

تستطيع أن تستقصي هذا كله، فلن تحتاج إلى مشقة ولا إلى جهد لتنتهي بهذا الاستقصاء إلى شيءٍ واحدٍ، هو أن الطموح إلى الحكم قد أنشأ الأحزاب، وأن الطموح إلى الحكم قد ترجح بالأحزاب، فمال بها إلى اليمين مرة، وإلى الشمال مرة أخرى. وما دام الأمر كذلك، فلا بد للأشخاص أن يتنقلوا بين الأحزاب؛ منهم من تغريه المنفعة فيميل من شمال إلى يمين، ومنهم من يضيق صدره بالمداورات والمناورات، وتقديم المنافع الخاصة على المنافع العامة، واتخاذ الشعب وسيلة إلى الحكم حين يجب أن يتخذ الحكم وسيلة إلى تحرير الشعب، فيميل من يمين إلى شمال …

نعم سبب واحد أنشأ الأحزاب هو الحكم، وسبب واحد دعا إلى تطور الأحزاب هو الحكم، وسبب واحد رغَّب في الائتلاف ورغب عن الائتلاف هو الحكم، فما أجدر الأحزاب التي نشأت بعد الحركة الوطنية الكبرى أن تعاود تاريخها القديم الحديث في وقت واحد فتذكره؛ فإن الذكرى تنفع أحيانًا! وما أجدر الأحزاب التي نشأت بعد الحركة الوطنية الكبرى أن تعود إلى الفكرة الصالحة التي يجب أن تقوم عليها الأحزاب! وهي أن الحكم وسيلة لا غاية، وأن سعادة الشعب غاية لا وسيلة، وأن جهود الأفراد والجماعات يجب أن تخلص لتحرير الشعب إن كان مستذلًّا، وتعليم الشعب إن كان جاهلًا، وإغناء الشعب إن كان فقيرًا. وإن من الإثم أن يتخذ خداع الشعب وتضليله وسيلة إلى الاستمتاع بالحكم، والاستئثار بالثروة والجاه والسلطان.

لقد لاحظ صديقنا الذي استكشف هذا الداء، ووضع يده عليه، أن الإنجليز اضطروا أن يقمعوا الحركة الوطنية بقوتهم الإنجليزية، بعد أن نشأ الوفد، وقبل أن تنشأ الأحزاب. فلما نشأت الأحزاب استغنى الإنجليز عن قوتهم، واستعانوا بالمصريين على إذلال المصريين، ووجدوا أحزابًا تصل إلى الحكم من طريق الإنجليز، حتى إذا اطمأنت في المناصب سخَّرت جنود الدولة وأموال الدولة لإضعاف المقاومة المصرية، والتمكين لسلطان الإنجليز. وهذا — مع الأسف الشديد — حق لا شك فيه.

ولكن استكشاف الحق شيء والانتفاع بهذا الاستكشاف شيء آخر! وإذا كان من الخير أن تعرف الداء، فإن من الواجب أن تحسمه وتشفى منه المريض، وأي حسم لهذا الداء الذي استكشفه صديقنا ووضع يده عليه أحسن من أن تعود وحدة الأمة إلى ما كانت عليه قبل نشأة الأحزاب، ومن أن تجتمع كلمة الأمة كما كانت مجتمعة قبل نشأة الأحزاب، ومن أن تنحل هذه الأحزاب ويعود أفرادها إلى العمل للشعب، ومع الشعب، لا فضل لأحد منهم على صاحبه إلا بالكفاية، وصدق الجهاد، وحسن البلاء في سبيل الاستقلال …

هذا هو الدواء، بعد أن استكشف الداء، ولكن الانتفاع بهذا الدواء — مع أنه واجب وطني — لا سبيل إليه فيما يظهر؛ لأن الانجليز ما زالوا يُلوِّحون بالحكم، ولأن نفوسًا ما زالت تهفو إلى الحكم، وما دام الإنجليز يلوحون، وما دامت النفوس تهفو وتصبو فقد يكون انحلال الأحزاب مستحيلًا؛ بل قد يكون ائتلاف الأحزاب على ما يحقق المنفعة الوطنية الخالصة عسيرًا، وإذن فلا بد من أن تمتحن الأمة في أبنائها، كما تمتحن في حياتها كلها، ولا بد من أن تنهض الأمة بجهادين؛ فتجاهد الإنجليز من جهة، وتجاهد أصدقاء الإنجليز بين أبنائها من جهة أخرى!

ولا بد من أن تصبر للإنجليز حتى يعجزهم صبرها، ولا بد من أن تحتمل المحنة في أبنائها، حتى ينقطع أمل هؤلاء الأبناء في الحكم، أو تردهم ضمائرهم الحية إلى الصفوف. وإذا كان هناك واجب يحسن أن تنهض به الشعوب في شجاعة وكرامة لتصل إلى الحياة الكريمة المستقلة؛ فهو ألا تخدع هذه الشعوب نفسها عن نفسها، ولا تتعمد الجهل بمواطن الضعف فيها، وإذن فمن الواجب على الشعب المصري إن كان يريد أن يعيش حرًّا كريمًا، أن يعترف أمام نفسه بأن فيه موطنًا للضعف، هي هذه الأحزاب التي نشأت بعد الحركة الوطنية، والتي تيامن حينًا وتياسر حينًا آخر، وتأبى أن تسير في طريق مستقيمة؛ لأن الطريق المستقيمة طويلة شاقة، ولا توصل إلى الحكم إلا بعد جهد ثقيل، وعناءٍ شديد.

لتكن تبعة ذلك بعد هذا على من تكون؛ لتكن على المصريين، لتكن على الإنجليز، لتكن على فريق من المصريين دون فريق، فإن الذي يعنى من هذا كله هو أن تعرف الأمة موضع الضعف فيها، فتَجِدَّ في حقها، وتشتد في المحافظة على وحدتها، وتوسع صدرها للذين يريدون أن يعودوا إلى هذه الوحدة، وتتنكر في رحمة وإشفاق للذين يأبون إلا أن يتخلفوا عن الصفوف!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.