يجب أن يتنبَّه لها الغافلون، ويفيق الذاهلون، ويستيقظ النائمون، وأن يأخذ المصريون حذرهم؛ فإن الكارثة تسعى إليهم، أو يسعون إليها، وقد أصبح الأمد بينهم وبينها قصيرًا، حتى إن صوتها المنكر ليبلغ الآذان، وحتى إن شبحها القبيح المخيف ليؤذي العيون، وحتى إن ريحها الخانق ليفسد الجو، وحتى إن حركتها لتوجب على كل مصري أن يتأهب لردها، ويتهيأ لصدها، ويستيقن أن الغفلة قد أصبحت جناية، وأن التنبيه قد أصبح فرضًا، وأن النوم قد أصبح إثمًا، وأن اليقظة قد أصبحت واجبًا محتومًا.

يجب أن ينتبَّه المصريون؛ فإن المحنة التي امتحنهم بها صدقي باشا ثلاثة أعوام، بل أكثر من ثلاثة أعوام قد أخذت تتكشف عن نتائجها المنكرة، وتتمخض عن آثارها السُّود، وإذا لم يتنبَّه المصريون الآن، ولم يفرقوا، فقد يتنبهون حين لا ينفع التنبه وقد يندمون حين لا ينفع الندم، وقد يحتملون من الجهد والمشقة ما يستطيعون اتقاءه منذ الآن.

إن المحنة التي امتحنهم بها صدقي باشا أكثر من ثلاثة أعوام قد انتهت إلى ما لم يكن منه بد، فأفسدت الإدارة حتى اتُّهِم الموظفون في ذممهم وضمائرهم، وحتى أصبحت أمانتهم موضع الشك ونزاهتهم موضع البحث، وحتى أخذ المصري المخلص يستحي لنفسه ولوطنه من هذه المخزيات التي يتقاذف بها زعماء الحكم في هذه الأيام. هذا يثير فضيحة الكورنيش وهذا يثير فضيحة القطن، وهذا يدافع عن نفسه فيتهم وزيرًا قائمًا، وهذا الوزير القائم يدافع عن نفسه فيتهم رئيس الوزارة المستقيلة، وهذا الوزير القائم يقذف وزيرًا سابقًا، وهذا الوزير السابق يذعن ويستخذي، ويلزم الصمت ويؤثر الهرب ويلوذ بالسكوت، وهذا النائب يتهم المديرين بأنهم يحاولون تسخير النواب لما تحب الوزارة، وهذا النائب الآخر يتهم وزير الداخلية بأنه يرغب في تسخير النواب لما تريد الوزارة، وهذه الصحيفة تتهم وزيرًا بالامتناع عن دفع الضرائب وتتهم وزيرًا آخر بمواطأته على ذلك ورفع الحجز عنه على غير ما يقضي به القانون، وهذا النائب يسأل وزير المالية عن هذه القصة فلا يجيب، وهذه الصحيفة تتهم موظفًا كبيرًا بأنه يستخدم أدوات الحكومة لإصلاح ملكه الخاص، وهذه الصحيفة تتهم وزير المعارف بمخالفة القانون، جهرة في أمور الجامعة، وبكتابة مذكرة إلى مجلس الوزراء لا تلائم الحق. والوزارة مضطربة مرتبكة لا تدري ماذا تصنع، ولا تعرف ماذا تقول.

أفسدت محنة صدقي باشا إذن الإدارة حتى ظهر الفساد من كل وجه وشاعت كلمة السوء في كل مكان، وساء ظن الناس بحكامهم، وذهبت ثقة الناس لسلطان الدولة، ونتج عن هذا كله فساد منكر في الأخلاق، فكثر الدس والكيد، وفشت السعاية والوشاية، وعم النفاق والكذب، وأصبح المصري يلقى المصري فلا يتحدث إليه إلا عن هذه المخزيات، وأصبح الموظف يلقى الموظف، فلا يجادله إلا في هذه المنكرات، وأصبح الناس لا يأمن بعضهم بعضًا، ولا يطمئن بعضهم إلى بعض، وأصبح الرجل إذا تحدَّث إلى الرجل، لا يأمن أن يكون ساعيًا به وجاسوسًا عليه. وانتهى أمر المصريين إلى حياة فاسدة مُسمَّمة، لا يثمر فيها الجهد الصالح، ولا يُغْنِي فيها الميل إلى الخير، وإنما هي شياطين زرق العيون، سُود الوجوه، كاشرات عن أنياب حداد، باسطات أيديًا آثمة ظالمة، تدفع الناس دفعًا إلى الشر لا هوادة فيه، ولا راحة منه، فهم ينحدرون وينحدرون، وهم يوشكون أن ينتهوا إلى الحضيض.

أفسدت محنة صدقي باشا أمور الإدارة وأمور الأخلاق، وأفسدت أمور السياسة أيضًا فشُغِل الناس عن غدهم بيومهم، وشُغِل الناس عن مسائهم بصباحهم، وشُغِل الناس عن الاستقلال بالتماس القوت، وساء ظن الأجنبي بهؤلاء الناس الذين فسدت أمورهم كلها، واضطربت أمورهم كلها، وشغلتهم صغائر الأمور عن عظائمها، وألهاهم طلب المنافع العاجلة عن التفكير في الآمال القومية.

ومتى فكر الإنجليز في أن يفاوضوا قومًا وصلت أمورهم من الفساد إلى هذه الحال؟!

أفسدَتْ محنةُ صدقي باشا أمورَ الإدارة، والأخلاق، والسياسة. فأما أمور الاقتصاد فقُلْ في فسادها ما شئت، فلن يستطيع أحد أن يجادلك أو ينازعك، وإن أبى وزير المالية إلا أن يزعم للإجيبشين غازيت أن أمور الاقتصاد بخير، وإن أبى وزير المالية إلا أن يعلن إلى الإجيبشين غازيت، أنه لن يساعد المدينين، ولن يكف عنهم أيدي المصارف حتى يؤدوا بعض ما عليهم.

كل شيء قد فسد وانتهى من الفساد إلى طور مزعج مخيف، ولم يكن بد بعد هذا من أن يظهر الإنجليز من وراء الستار، ومن أن يخرج الإنجليز من حيادهم المزيف الموهوم، وكل شيء يدل الآن على أنهم يريدون أن يفعلوا أو يوشكون أن يفعلوا أو هم قد بدءوا يفعلون.

هذه أنباء تُذاع في صحف اليوم يمر بها الناس سراعًا، ومن حقهم أن يقفوا عندها فيطيلوا الوقوف يقرؤها الناس متعجلين، ومن حقهم أن يقرءوها في تمهل وأناة يهز الناس لها رءوسهم، ويرفع الناس لها أكتافهم، من حقهم أن يتدبروها فيُمْعِنوا التدبر، ويفكروا فيها فيطيلوا التفكير، ويقدِّروا عواقبها، ويتقوا هذه العواقب فإنها الكوارث المنكرة لا أكثر ولا أقل.

هذا رئيس الوزراء يذهب أمس للقاء المندوب السامي فيقضي معه ساعتين في الصباح، وهذا رئيس حزب الشعب يذهب أمس للقاء المندوب السامي فيقضي معه ساعةً في المساء، أفنستطيع أن نفهم هذه المصادفة الغريبة، ونُؤَوِّل هذه المفاجأة المدهشة؟! رجلان يختلفان أشد الاختلاف ويختصمان أشد الاختصام، أيهما يظفر بالكثرة في حزب الشعب، ثم يتقاذف أنصارهما بأشنع التهم، وأقبح الفضائح، ثم يسعى الساعون بينهما في الصلح، فلا يزداد الأمر بينهما إلا فسادًا، ثم تُذاع أنباء التحقيق، ويتحدث الناس عما قد يكشف عنه التحقيق، ثم تذيع الصحف في أثناء هذا كله أن أحدهما لقي المندوب السامي في الصباح وأن الآخر لقيه في المساء!

أكانت مصادفة هذه الزيارة التي كانت في المساء، بعد تلك الزيارة التي كانت في الصباح، أم هو المندوب السامي قد أصبح حكمًا بين الرجلين المختصمين؟! ومن الذي جعله حكمًا؟! أهما المختصمان؟! فيا له من نكر ليس بعده نكر! أم هو المندوب السامي نفسه قد حرج من الحياد، وفرض نفسه فرضًا، أو تطوع بالسعي ليمحو الخلاف، ويضع مكانه الوفاق؟!

والأمر لم يقف عند هذا الحد، فهذه الأهرام لا تتحرج من أن تنبئنا بأن رئيس الوزراء تحدَّث إلى المندوب السامي صباح أمس في تعديل الوزارة وفي نقل وزير المالية إلى وزارة الخارجية، ونقل نفسه إلى وزارة المالية.

ماذا؟! أين نحن وفي أي زمن نعيش؟! أبلغ الأمر بنا أن تُعرَض الأمور في الصحف على هذا النحو؟! أحقٌّ أن رئيس الوزراء تحدَّثَ إلى المندوب السامي في نقل وزير من وزارة إلى وزارة؟! فإن كان هذا حقًّا، فهل بدأ رئيس الوزراء هذا الحديث ليعرض الأمر على المندوب السامي؟ أم هل بدأ المندوب السامي هذا الحديث ليفرض الأمر على رئيس الوزراء، أو ليوحي بالأمر إلى رئيس الوزراء؟ وكيف جال في الصحف أن رئيس الوزراء تحدَّث في شيء كهذا إلى المندوب السامي؟ أقبل الحرب نحن أم بعد الحرب؟ أفي أيام الاحتلال نحن أم في أيام الاستقلال؟ يجب أن يقول رئيس الوزارة في هذا شيئًا، بل شيئًا صريحًا واضحًا يزيل اللبس ويمحو الغموض ويحفظ الكرامة، فقد يظهر أن الكرامة المصرية تؤذيها مثل هذه الأنباء إن لم تكن حقًّا، فكيف بها إذا كانت حقًّا؟!

وتزعم الأهرام أن الأمر قد تحرج بين وزير المالية وبين رجال وزارته من المصريين والأجانب حتى انقطع التعاون بينهم وبينه، وحتى لم يبقَ بد من نقل الوزير. ماذا؟! أين نحن؟! من الذي يُنقَل إذا وقع الخلاف بينه وبين الوزير؟ أهو الموظف المسئول أمام الوزير أم هو الوزير المسئول أمام البرلمان؟! ومن الذي يقضي فيما يقع بين الوزير وموظفيه من خلاف، أهو مجلس الوزراء أم هو المندوب السامي؟!

هل يسمع المصريون؟! هل يفهم المصريون؟! هل يرى المصريون إلى أين انتهت أمور الحكم فيهم؟!

والأمر لا يقف عند هذا الحد، فهذه السياسة تنبئنا صباح اليوم بأن وكيل المالية، صاحب السعادة أحمد عبد الوهاب باشا قد لقي المستشار المالي أمس، وقضى معه وقتًا طويلًا. ثم تنبئنا بعد ذلك مباشرة بأن وكيل المالية لم يستقِل، ولم يفكر في الاستقالة، رغم ما بينه وبين وزير المالية من خلاف، ولم يستقِل وكيل المالية! والتعديل الذي تحدث فيه رئيس الوزراء إلى المندوب السامي أمس وسيعرضه على جلالة الملك غدًا — فيما تقول الأهرام — سيريحه من التفكير، ويرد الأمر إليه في وزارة المالية كما كان من قبل.

ووزير المالية نفسه يتحدث إلى الإجيبشين غازيت لا إلى غيرها من الصحف العربية، فيقول إنه قد نبَّه الموظفين في وزارة المالية إلى أن على رأسهم وزيرًا، وهل كان الموظفون قد نسوا أن لهم وزيرًا؟ ومن الذي أنساهم أن لهم وزيرًا؟

وهل أحسن الوزير أم هل أساء حين نبَّه الموظفين إلى أنه موجود؟ وهل قَبِلَ الوزير أم هل لم يَقْبَلْ ما يُقال من أنَّه سيُنقَل إلى وزارة الخارجية نقلًا؟ وهل هذه الخاتمة هي الثورة المالية الخطيرة التي تحدثت بها الصحف عن وزير المالية في الداخل والخارج، قبل أن يرقى إلى منصب الحكم؟ وهل يُراد أن نفهم من كل هذه الأحداث أن الإنجليز قد اقتنعوا، أو قد أقنعوا أنفسهم بأن المصريين لا ينبغي أن يتركوا لأنفسهم، ولا أن يفلتوا من السيطرة الإنجليزية الدقيقة على الصغير والكبير من أمورهم؟ وهل يرضى المصريون أن تعود الصلة بينهم وبين الإنجليز إلى ما كانت عليه قبل إعلان الاستقلال؟

يجب أن يتنبه المصريون؛ فإن الكارثة تسعى إليهم، أو هم يسعون إليها، وإن جهودهم وضحاياهم توشك أن تضيع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.