بين يدي الآن كتاب من كتب التاريخ سخف أفزع إليه في هذه الأيام من الحياة الخامدة الراكدة التي يحياها المثقفون في هذه الأعوام. والناس يفزعون من سخف الحياة وأثقالها إلى الرحلة في المكان حينًا، وفي الزمان أحيانًا: يسافرون إلى الأماكن البعيدة حين يدفعهم القيظ إلى عبور البحر، وإلى الأماكن القريبة حين يغريهم البرد بالتماس الدفء في أعلى الصعيد أو في أدناه، ويسافرون في الزمان إلى حيث تهيئهم ثقافتهم وحاجتهم وأغراضهم إلى أن يسافروا، فيبعدون حينًا، ويقربون حينًا آخر، ويتعمق بعضهم حياة القدماء، ويتعمق بعضهم حياة المعاصرين، ويتعمق بعضهم حياة القرون الوسطى، أو حياة العصر الحديث، ويتنزه بعضهم هذا كله متنقلًا في الأسبوع الواحد، وفي اليوم الواحد، بين العصور المتباعدة المتباينة، وما ترك أهلها من الآثار يلم بها كما تلم النحل بالزهر تستخرج رحيقها، فيصوغ من هذا الرحيق ثقافته وعلمه وأدبه، ويُكوِّن بفضل هذا الرحيق سيرته في حياته العاملة، وفيمن يتصل بهم من الناس.

والكتاب الذي أفزع إليه في هذه الأيام كتاب حديث، لكاتبة حديثة معاصرة، وصل إليَّ منذ أسبوع أو أكثر قليلًا من أسبوع، وهو تاريخ لكتاب أصدره الكاتب الفرنسي العظيم، أندريه جيد، في أواخر القرن الماضي عنوانه «أغذية الأرض»، وقد أثر هذا الكتاب في أجيال الشباب الفرنسيين والأوروبيين تأثيرًا عميقًا بعيد المدى يحمده بعض الناس، ويعيبه بعضهم الآخر؛ فهو كتاب قصد به أندريه جيد إلى أن يستكمل الإنسان، والأديب خاصة، حريته كأكمل ما تكون الحرية حين يستقبل حياته على هذه الأرض، فيبلو ما تقدم الحياة إليه، والحياة المادية خاصة، في حرية كاملة، لا يتحرج ولا يتحفظ ولا يتقيد بما ألِفَ الناس من الأوضاع، ولا بما توارثوا من السُّنن والتقاليد، ثم لا يكتفي بهذه الممارسة الصريحة الحرة للحياة، وإنما يعبر عن آثار هذه الممارسة في نفسه، إن كان أديبًا، تعبيرًا حرًّا صريحًا بريئًا من الرياء والنفاق، فيرسل نفسه على سجيتها في الاستمتاع بما تقدم الأرض من ثمرات، ويرسل فنه على سجيته في تصوير ما يجد لهذا الاستمتاع من لذة وألم، ومن سعادة وشقاء، فالكتاب دعوة صريحة إلى إرضاء الحس في غير تكلف ولا تزمت، ثم إلى إرضاء الفن في غير تحفظ ولا احتياط.

ظهر هذا الكتاب سنة ١٨٩٧، فلم يكد أحد يحفل به، أو يلتفت إليه، وتلقاه أصدقاء الكاتب بكثير جدًّا من التحفظ، فأشفق بعضهم على الكاتب من هذا الضلال الذي دفع إليه وأمعن فيه، وظن بعضهم بالكاتب التكلف والغرور، ومحاولة التجديد من غير طريقه، ولم يرض عن الكتاب إلا نفر قليلون من رفاق الكاتب لا يكادون يتجاوزون الخمسة، وكانوا كلهم شبانًا في سن الكاتب، لم يبلغوا الثلاثين أو لم يتجاوزوها، فأما جمهور القُرَّاء فلم يُلقِ إلى الكتاب بالًا، وآية ذلك أن النسخ التي بيعت أثناء الأعوام العشرة الأولى من سن هذا الكتاب لم تتجاوز خمسمائة، ولكن الكتاب يندفع فجاءة في رفق، ويقبل الناس عليه شيئًا ما، فتنفد الطبعة الأولى منه سنة خمس عشرة أو ست عشرة من هذا القرن، ويطلب الناس الكتاب فلا يجدون إليه سبيلًا، ويشعر الكاتب بهذا الإقبال الذي كان قد استيأس منه، فيجد في هذا الشعور بعض الرضى.

وكانت الطبعة الأولى لا تزيد نسخها على خمس عشرة مائة، احتاجت إلى عشرين عامًا ليتم استنفادها، وقد طبع الكتاب بعد ذلك وطبع، ثم ترجم إلى ما شاء الله أن يترجم إليه من لغات الغرب والشرق، وظهر أن الشرقيين أشد إيثارًا له من الغربيين، فقد ترجم في الصين والهند قبل أن يترجم في إنجلترا مثلًا. وظهور هذا الكتاب في أواخر القرن الماضي يعد الآن حدثًا من أحداث التاريخ الأدبي في الأدب الفرنسي؛ لأنه غيَّر عقلية أجيال من الشباب الفرنسيين، ومن الشباب الذين مارسوا الإنتاج الأدبي بنوع خاص.

ولست أكتب هذا الفصل لأتحدث عن هذا الكتاب الذي أصدره أندريه جيد، ولا لأتحدث عن الكتاب الذي ألفته السيدة إيفون دافيه في تاريخ كتاب أندريه جيد، وفزعت أنا إليه في هذه الأيام من سخف الحياة، وإنما أكتب هذا الفصل لأعرض على الأدباء والمثقفين مسألة أثارها كتاب أندريه جيد بين الأدباء الفرنسيين حين ظهر، وهي: إلى أي حد يستطيع الأديب أن يكون صريحًا فيما ينتج من الآثار؟ وليست القيود التي ثارت حولها الخصومة بين الكاتب وخصومه وأنصاره هي التي تأتي من القوانين، ورضى السلطان عن الإنتاج الأدبي أو سخطه عليه، ولا من العرف ورضى الرأي العام عن الإنتاج الأدبي أو سخطه عليه؛ فهذه القيود لا خطر لها عند الأديب الحر الذي لا يحفل بالرضى ولا بالسخط، ولا يبتغي بالأدب مثوبة، ولا يخاف عليه عقوبة، ولا يحفل بما يتعرض له من الكساد.

وإنما القيود التي ثارت حولها الخصومة هي التي تأتي من نفس الأديب حين يكتب ويستجيب لفنه في الوصف والغناء، وتصوير ما يجد من عاطفة، وما يثور في قلبه من شعور، فقد لاحظ الشاعر فرنسيس جام على صديقه أندريه جيد أن كتابه يصور متاعًا وابتهاجًا، ورضى واغتباطًا، ويمضي في تصويره لهذا كله إلى حدود بعيدة جدًّا، وفي الأرض من حوله آلام كثيرة، وشقاء متصل، وأفراد وجماعات من الناس لا يجدون ما يدفعون به الألم عن أنفسهم، ولا ما يتقون به الشقاء. هو يصف الجنات وما فيها من زهر وشجر وثمر، ويصف الأسفار وما فيها من تنوع المشاهد، واختلاف المناظر، وفنون المعرفة، وضروب المتاع، ويصف الترف وما فيه من نعيم، وفي الأرض قوم ليس لهم إلى شيء من هذا كله سبيل.

فمن الحق على الكاتب أن يفكر في هؤلاء، وأن يرفق بهم، ويعطف عليهم، ويأسو جراحهم، ويعينهم على احتمال ما هم فيه من بؤس، ويعزيهم عن بعض ما هم فيه من شقاء. وليس من كمال المروءة، ولا من رقة القلب، ولا من اعتدال المزاج، ولا من حُسن الذوق أن تتحدث إلى الجائع الذي يعذبه الجوع عما تنعم به حين تجلس إلى مائدتك من اختلاف الألوان، وجمال الأداة، ولا أن تتحدث إلى الضرير الذي لا يرى ضوء الشمس وجمال السماء والأرض، عن هذا الجمال فيما يكون من تنوعه واختلافه وبدائعه وأسراره؛ ذلك أحرى أن يضيف ألمًا إلى ألم، وحزنًا إلى حزن، وحسرة إلى حسرة، والكاتب والشاعر إنما شأنهما أن يُعزِّيا ويُواسيا ويُعينا ويردَّا إلى النفوس بعض ما هي في حاجة إليه من الأمن والغبطة والرضا.

فلينعم المترفون إذن، وليستمتع الموسرون بما أباح الله لهم من طيبات الحياة، ولكن ليقتصدوا وليصطنعوا الاعتدال والحياء حين يتحدثون عما هم فيه من ترف ونعيم واستمتاع. هم يؤثرون أنفسهم أو تؤثرهم ظروف الحياة بالترف والنعيم؛ فليؤثروا أنفسهم أيضًا بالتحدث عن الترف والنعيم.

كذلك كتب فرنسيس جام حين نقد هذا الكتاب، ولكن أندريه جيد رد عليه نقده هذا بأن الأدب يجب أن يمتاز من الغنى والفقر، ومن الرضى والسخط، ومن الترف والبؤس؛ ليستطيع أن يصف هذا كله في صراحة وحرية واستقلال وصدق، وليس حرمان الضرير الاستمتاع بجمال الطبيعة مانعًا أن يكون جمال الطبيعة حقيقة واقعة من حقِّها أن تُعرف، ومن حقها أن تكون موضوعًا للوصف والغناء، والسكوت عن جمال الطبيعة لا يعزي الضرير عما فقد من الإبصار، والسكوت عن وصف الزهر والشجر والثمر لا يعزي البائس المحروم عما يشقى به من البؤس والحرمان.

وليس صمت الأديب راضيًا أو مكرهًا بمُغنٍ عن البائسين والمحرومين شيئًا، ولعل حديث الأديب عن جمال الطبيعة ووصفه لفنون الترف أن يُعزِّيا من كتب عليهم الحرمان، وأن يثيرا في نفوسهم ألوانًا من الأحلام تخفف عنهم ثقل ما يجدون، وتمتعهم بجمال الأحلام إن حِيل بينهم وبين جمال اليقظة، كما أن وصف البؤس والشقاء والحرمان والعوز خليق أن يثير في قلوب الأقوياء رقة على الضعفاء، وفي نفوس الأغنياء رفقًا بالفقراء، وأن يبعث في قلوب أولئك وهؤلاء رغبة في التعاون والتعاطف والتضامن، ونزوعًا إلى الإصلاح، حتى يطعم الجائع، ويجد المحروم، ويقل حظ الشقي من الشقاء. وما ينبغي للناس أن يكونوا كالنعام يتقون الشر بتجنب الحديث عنه، والخوض فيه، ويتجنبون الألم بالإعراض عن وصف ما ملأ الله به الدنيا من النعيم الذي يستطيع أن يسع الناس جميعًا.

ويقول أندريه جيد، في الرد على صديقه: إنه اتفق مع زوجه على خطة يرى فيها الخير كل الخير، وهي أنه إن فقد البصر، وحيل بينه وبين جمال الطبيعة أن ترى هي ما وسعها أن تراه، وتحدق ما استطاعت أن تحدق، وتصف له دقائق ما ترى وما تستكشف، لا تخفي عنه منه شيئًا، ولا تلتوي عنه منه بالقليل أو الكثير، ذلك أنه يؤثر أن ينعم بظل الجمال، وإن كان هذا الظل شاحبًا ضئيلًا إن حيل بينه وبين الاستمتاع بالجمال كاملًا موفورًا.

هذه هي المسألة التي وقفت عندها وأنا أقرأ هذا الكتاب من كتب التاريخ الأدبي، أعرضها على الأدباء والمثقفين ليتدبروا ويتفكروا فيها، وواضح أن مذهب أندريه جيد في هذه المسألة بعينها هو المذهب الذي ألفه الناس منذ كان الأدب، وسيألفونها ما دام فيهم من ينتج الأدب، ولكنها مع ذلك خليقة أن تكون موضوعًا للتعمق والتدبر والتفكير. ومن يدري لعلها تتيح لنا قراءة كتاب ممتع، أو فصل قيِّم في هذا الموضوع. وهل يطمع الأدباء في خير من أن ينعموا بقراءة فصل، أو يستمتعوا بالنظر في كتاب؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.