لم أعجب قط لشيء عجبي لأن المصريين لم يَملُّوا المفاوضات، ولم تضِق به صدورهم منذ ابتكره لنا الإنجليز حين ألغوا حمايتهم تلك إلى الآن على كثرة ما سمعنا هذا الحديث حتى حفظناه عن ظهر قلب، وعلى كثرة ما جربناه فلم نجنِ منه إلا فُرقة واختلافًا، وإلا بغضًا وحقدًا وفسادًا. مع أن التجربة هي خير ما ينهى الرجل الرشيد عن بذل الجهد العقيم ومحاولة ما لا طائل منه ولا غناء فيه.

إني لأقرأ أحاديث الإنجليز في هذه الأيام عن المفاوضات التي أخذنا فيها منذ حين، فما أشك في أني أقرأ نفس الأحاديث التي كانوا يكتبونها أو يقولونها منذ ثلث قرن، حين كان عدلي رحمه الله يدير المفاوضات، والتي قالوها بعد ذلك وكرروها كلما فاوضهم مفاوض للمصريين في لندرة أو في القاهرة. فأعجب كيف لا نسأم نحن وكيف لا يسأمون هم هذا الحديث المعاد، وقد أفهم ألا يضيق الإنجليز بهذا اللغو من الحديث؛ لأنه يتيح لهم المطاولة ويمد لهم أسباب البقاء في مصر. فهم لا يكرهون شيئًا كما يكرهون الجلاء، وهم من أجل ذلك يداورون ويناورون ويقبضون ويبسطون ولا يستقيمون إلا ريثما يلتوون. فأما نحن فلا نحب شيئًا كما نحب الجلاء.

فما بالنا لا نتعجله، ولا نتعجله بالفعل دون القول، فقد قلنا حتى كلَّت حلوقنا وألسنتنا، وكتبنا حتى ملَّت أقلامنا، وفكرنا حتى ضاقت عقولنا بالتفكير، وآن لنا أن نسدل الأستار دون هذه القصة السخيفة التي لا تريد أن تنقضي، وأن نتصرف عن لهو الحديث إلى جد العمل، وأن نُتيح للشيوخ الذين أفنوا شبابهم ينتظرون الجلاء، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر؛ أن يرى الأحياء منهم وطنهم حرًّا ولو ساعة من نهار قبل أن يدركهم الموت؛ لينبئوا بهذه الحرية من تقطعت بهم أسباب الحياة دون أن يروها، وأن نتيح للشباب أن ينفقوا جهودهم فيما يحتاج إليه وطنهم من الإصلاح على اختلاف ألوانه، لا في هذا الانتظار الممل الذي يُميت القلب ويفل الحد ويرد إلى اليأس المرهق للنفوس، وأن نتيح للأطفال الذين لم يدرجوا بعد أن ينشأوا أحرارًا وألا يعرفوا وطنهم إلا حرًّا قد طهرت أرضه من الاحتلال الأجنبي وعرف العالم له حقه في الكرامة والعزة والاستقلال.

لقد بلغ الإنجليز بحديث المفاوضات هذا ما أرادوا من تفريقنا أحزابًا وشيعًا يمكر بعضها تدمير بعض، فقد آن لنا فيما أظن أن نُعرِّف الإنجليز من أنفسنا ما لم يعرفوا، وأن نُبيِّن لهم في وضوح لا يحتمل شكًّا ولا لبسًا أن حديث المفاوضات لن يُفرق من صفوفنا ما اجتمع، ولن يردنا الآن كما كان يردنا من قبل شيعًا وأحزابًا، ولن يلقى منا الآن إلا شعبًا مجتمِع الكلمة مؤتلف القلوب متفق الأهواء، يشد أزر الذين يتكلمون بلسانه ويريد ألا يطول هذا الكلام وأن ينتهي في أقصر وقت ممكن، إما إلى خير لن ينتفع به المصريون وحدهم، بل سينتفع من العالم الديمقراطي كله، وإما إلى شر لن يؤذي المصريين وحدهم، ولكنه سيؤذي الإنجليز معهم وسيضطرب له هذا الجزء الخطير من أجزاء الأرض.

قد آن لنا — فيما أظن — أن نُشعر الذين يتحدثون بلساننا إلى الإنجليز بأننا من ورائهم على خير ما يحبون أن نكون، قد ضقنا بالمطاولة كما ضاقوا بها، وسئمنا الانتظار كما سئموه، وأصبحنا لا نريد إلا شيئًا واحدًا وهو أن نفرغ من سخف الكلام لننصرف إلى جد العمل، إما في تحقيق ما نحتاج إليه من إصلاح، وإما في تحقيق الجلاء الذي لا بد من أن يتحقق مهما يكلفنا من هول ومهما يفرض علينا من خطوب. إن مصر لم تثُر ثورتها هذه القائمة على الطغيان الداخلي وحده، وإنما ثارت على الطغيان الخارجي أيضًا. بل إن ثورتها على الطغيان الداخلي لم تكن إلا وسيلة إلى الثورة الكبرى التي تجعل مصر للمصريين حقًّا وصدقًا، والتي تُشعر المصريين جميعًا بأنهم قد أصبحوا في وطنهم أحرارًا؛ بأوسع ما يمكن أن تدل عليه هذه الكلمة من المعاني.

لقد أعلن الإنجليز منذ أعوام أنهم قد أزمعوا أن يجلوا جيوشهم عن مصر، ثم مضت الأعوام ولم يتكشف إعلانهم هذا عن شيء.

فاوضهم صدقي رحمه الله فلم يصل إلى شيء، ثم فاوضتهم حكومة الوفد فلم تصل إلى شيء، ثم هم يتحدثون الآن باستعدادهم للجلاء فليصدقوا مرة واحدة فيما يبدءون ويعيدون منذ سبعين عامًا، أو لنبين لهم نحن آخر الأمر أننا قد تجاوزنا طور الذين ينخدعون بالأقوال والأحاديث.

وما لنا نتحدث إلى الإنجليز، وإنما الحق علينا أن نتحدث إلى أنفسنا، وأن نتحدث إليها حديث الجد الصارم الحر، الذي لا يرضى للشعب الحر إلا إحدى منزلتين اثنتين لا ثالث لهما؛ منزلة الحياة العزيزة الكريمة، أو منزلة الجهاد العنيف الذي يجشم أصحابه الهول وقد ينتهي بكثير منهم إلى الاستشهاد.

إن مصر تتلقى اليوم أولئك الشهداء الذين صرعهم البغي الخارجي والغدر الداخلي، فيجب أن يكون لقاؤهم درسًا يبلغ أعماق الضمائر والقلوب، ويعلم الشعب — إن كان لم يعلم بعد — أن الحرية لا تلائمها الحياة الهينة الوادعة، إنما تُكتسب بأقصى غاية الجود وهو بذل النفوس لها ثمنًا، ثم يحافظ عليها بالعمل المتصل في سبيل القوة والعزة والقدرة على إباء الضيم ورد العدو المغير، ويعلم الشعب — إن كان لم يعلم بعد — أن الراحة والدعة والترف وخفض العيش والتقلب في ألوان النعيم؛ كل هذه أشياء لا ينبغي أن تطلبها الشعوب إلا بعد أن تحقق الاستقلال الكامل الصحيح الذي يظلها بظله وتبيح للناس أن يستمتعوا بها وهم آمنون.

آمنون من أن يغير عليهم من ينغصها عليهم، وآمنون من أن ينغصوها على أنفسهم بلوم الضمير وتأنيبه؛ لأنهم لم يأخذوها بحقها ولم يكتسبوها اكتسابًا ولم يصلوا إليها من طريقها الطبيعي، وهي طريق القوة على اكتسابها والقدرة على صيانتها من عبث العابثين.

يجب ألا نلقى هؤلاء الشهداء بهذه الرحمة الفارغة التي لا تُغني عنهم شيئًا لأنهم لا يحتاجون إليها، ولا تُغني عنا شيئًا لأنها رحمة عقيم تجري بها أطراف الألسنة وتنهل لها دموع كاذبة، ثم لا تلبث أن تنصرف عنا كأنها لم تلم بنا ولا نلبث نحن أن ننصرف عنها إلى ما يشغلنا من باطل الحياة.

إنما الرحمة الصحيحة التي ينبغي أن نلقى بها هؤلاء الشهداء، هي هذه التي تفيض من القلوب وتصدر عن أعماق الضمير، وهي رحمة عاملة فيها العزم المصمم على ألا تتكرر مأساة هؤلاء الشهداء مرة أخرى، وعلى أن تستكمل مصر أسباب قوتها المادية والمعنوية فلا تؤخذ على غِرة ولا يطمع فيها الطامع ولا يغدر بعض بنيها ببعض حين يجد الجد وتلم الملمات.

بهذه الرحمة الصادقة الجادة المصممة يجب أن نلقى شهداءنا وأن يكون لقاؤنا لهم عهدًا نعطيه على أنفسنا، لا بالصياح الذين يملأ الجو ويصم الآذان، ولكن بالصمت الحازم الصارم المقسِم على أن نرعى لهم حقهم وعلى أن نكون كرامًا. وأول مظهر لهذه الكرامة أن نرفض الاحتلال الأجنبي ونأباه، ونُشهد الله على نصر الذين يدعوننا إلى تخليص الوطن من شره وآثامه.

كذلك أحب أن يكون لقاء الشهداء، ويجب أن يلقاهم كل مصري سواء شهد بشخصه هذا الحفل الذي يُقام للقائهم أم لم يشهده.

فرُب ذكرى كانت أنفع وأجدى من السعي إلى الحفل ومن شهوده بالأجسام لا بالقلوب، يجب أن نلقى هؤلاء الشهداء جميعًا بقلوبنا وقد آمنا بالواجب الذي تفرضه علينا كرامتنا وكرامة الأجيال التي ستتلقى عنا هذا الوطن تراثًا حرًّا كريمًا.

وليكن هذا اليوم الذي نتلقى فيه هؤلاء الشهداء يوم العهد الذي نعطيه للثورة وقائدها، على أن نؤيدهم ما وجدنا إلى تأييدهم سبيلًا، نشدَّ أزرهم وهم يفاوضون، ونستجيب لدعائهم إن لم تنتهِ المفاوضات إلى ما نريد ويريدون. وليكن هذا اليوم يوم القسم الذي نقسمه فيما بيننا وبين الله على أننا لن نُخدع مرة أخرى كما خُدعنا من قبل بهذا الحديث المُعاد: حديث المفاوضات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.