لماذا لا تنضبط الأمور؟ لماذا لا ينضبط المرور؟ لماذا لا نختار الأصلح لتولِّي المسئولية؟ لماذا لا يستمر نجاح المؤسسات الناجحة؟ وهذه وغيرها أسئلة تدور في أذهان معظم الناس. وهي ليست مشاكلنا وحدنا، بل إنها تساؤلات تُطرح في جميع المجتمعات، وفي جميع الأوقات. فهل هي مؤامرة كونية ضد التنظيم والانضباط، وضد استمرار الاستقرار والنجاح؟

طرأ هذا الموضوع على ذهني أثناء حديثي مع أحد الأصدقاء حول عدم كفاءة بعض كبار المسئولين، وكيف أن وجودهم في مناصبهم يضر البلد ضررًا كبيرًا. ومن خلال الحديث ذكرت له أن عدم كفاءة بعض كبار الموظفين في العديد من المؤسسات إنما هو شيء طبيعي ومعروف في معظم المجتمعات، وأنه حتى في المجتمعات التي تعتمد الكفاءة كأساس للترقِّي، فإنها تنتهي عادةً بتقليد المناصب العليا في هذه المؤسسات للأقل كفاءة، وفقًا «لمبدأ بيتر» Peter Principle. وعندما سألني عن المقصود بهذا المبدأ، ذكرت له أن هذا المبدأ يُنسب إلى لورانس بيتر الذي أصدر مع زميل له كتابًا بهذا العنوان في ١٩٦٨. ومقتضى هذا المبدأ هو أن الموظف «يستمر في الترقِّي إلى أن يستقر عند مستوى عدم كفاءته». فهو يُرقَّى من درجة إلى درجة أعلى وفقًا لكفاءته حتى يصل إلى أحد المناصب العليا، والتي قد لا تؤهله كفاءته لها، وهنا يستمر في هذا المنصب ولا يُرقَّى بعد ذلك؛ فقد يبدأ الموظف حياته الوظيفية موظفًا صغيرًا في إحدى الإدارات، ويُبدي من مظاهر الكفاءة ما يؤدي إلى ترقيته إلى درجة أعلى في الإدارة التي يعمل بها، وقد يستمر بعد ذلك في إبراز مزيد من الجهد — وربما من الخيال — يؤهله إلى الارتقاء ليصل مديرًا لهذه الإدارة مثلًا. ويستمر حماسه وتتأكد كفاءته؛ فيُعيَّن مديرًا عامًّا للهيئة أو المؤسسة التي يعمل بها؛ وهنا تظهر عيوبه في الإدارة. فهو قد يكون فنيًّا ممتازًا ولكنه إداري سيئ، كأن تكون علاقته مع مرءوسيه متوترة، أو قدرته على الحكم على الأفراد متسرعة وربما متحيزة؛ فهو كُفء من الناحية الفنية ولكن تنقصه القدرات الإدارية. ومع ظهور هذه العيوب فإنه لا يرتفع أكثر في سلم الترقِّي، ولكنه أيضًا لا يُفصل من عمله لتاريخه الوظيفي المشرف؛ وبذلك يبقى في وظيفته والتي أثبت أنه غير كُفء لها؛ هذا هو مبدأ بيتر. فنحن هنا بصدد أوضاع تعتمد مبدأ الكفاءة للترقِّي، ولكنها تنتهي عمليًّا إلى إبقاء الموظف في الموقع الذي ثبتت عدم كفاءته فيه.

وهكذا نجد أن عدم الكفاءة في المسئولين هي خطر عام، ليس لأنه ينقصهم الخبرة دائمًا، وإنما لأنهم وُضعوا في مناصب أكبر مما يقدرون عليه؛ فهم أصحاب معرفة وخبرة، ولكن هذه الخبرة والمعرفة — وهي تصلح لمستوًى أدنى للمسئولية — لا تكفي لمستوًى أعلى وحيث يستمرون في شغل هذه المناصب. هذا بالنسبة للمجتمعات التي تعتمد الكفاءة أساسًا للترقِّي. فماذا إذا أضفنا إلى ذلك أن معظم المؤسسات والهيئات في الكثير من دولنا لا تستند إلى الكفاءة في الترقية، وإنما تأخذ في الاعتبار متطلبات المحسوبية والمجاملة والصداقات بل والعداوات؛ وبذلك تصبح المحصلة النهائية مزيدًا من عدم الكفاءة. وهكذا يبدو أنه كما لو كانت الظروف تتآمر ضد حُسن الإدارة وانضباطها، حتى في الأحوال التي تكون فيها الكفاءة هي أساس الترقِّي.

ولكن المشكلة — فيما يبدو — أكثر عمقًا. «فالحياة» نفسها، وكذا «النظم الاجتماعية» هي — في معنًى من المعاني — ظواهر «مخالفة للطبيعة». وعندما نقول «مخالفة للطبيعة» فإننا نقصد القول بأن الاتجاه الأساسي للطبيعة هو «الفوضى». ومع ذلك فإنه استثناء وخروج على هذا الاتجاه العام للفوضى، يمكن قيام «نظم» و«هياكل» منضبطة؛ فالطبيعة تكره — بشكل عام — التنظيمات والانضباط وتفضِّل الفوضى، وإن كان حكمها ليس مطلقًا. كيف؟

لعل أهم قوانين الطبيعة هو ما يُعرف باسم: «القانون الثاني للديناميكا الحرارية» (Thermo Dynamics)، ومقتضى هذا القانون هو أن القوانين الطبيعية تدفع الأمور نحو «الفوضى» أو انعدام «النظام» (Disorder)، بمعنى محاربة أي تنظيم أو ترتيب للعناصر؛ فهي تدفع عناصر أي «تنظيم» إلى الشيوع والانتشار الإحصائي في توزيع عشوائي. فمعنى «الفوضى» هو أن كل شيء يصبح مثل أي شيء آخر، فلا أشكال ولا كيانات للعناصر، وإنما مجموعة هائمة متشابهة. ومع ذلك فمن الممكن ظهور «تكوينات» مركبة وسط هذه الفوضى الشاملة، وحمايتها ببذل طاقة إضافية؛ ومن هنا فإن «الحياة» نفسها باعتبارها تنظيمًا أو تركيبًا عضويًّا لمختلف العناصر في شكل هياكل عضوية حية إنما هي أمر مؤقت يتم على خلاف أو استثناء من «الطبيعة»؛ وتحتاج بالتالي إلى تغذية وطاقة مستمرة لحماية هذه «الحياة» وحفظها من التحلل والزوال.

وبالمثل على المستوى الاجتماعي، فإن كل «التنظيمات الاجتماعية»، بدءًا من «الأسرة» إلى «الدولة»، إلى «الشركة» أو «النقابة» أو غيرها من التنظيمات الاجتماعية، إنما هي تركيبات وتنظيمات وضبط للأفراد المكوِّنين لها؛ وبالتالي خروج على حالة «الفوضى» التي تتطلبها الطبيعة؛ ومن هنا تحتاج هذه التنظيمات دائمًا إلى طاقة إضافية ورعاية مستمرة لحمايتها من التحلل والزوال. «فالدولة» كنظام لا تستمر دون قوة تحميها، سواءٌ أكانت قوة مادية من جيش وبوليس، أو قوة معنوية (قوانين). وهكذا فبقاء «التنظيمات الاجتماعية» واستمرارها ليس أمرًا «طبيعيًّا»، بل إنه يتطلب جهدًا واستثمارًا ورقابة مستمرة لحمايتها من التحلل. فلا يكفي أن يكون «نظام التعليم» سليمًا منذ قرن من الزمان حتى يستمر بعد ذلك. فأنجَحُ المؤسسات لا تستمر في النجاح بقوى الدفع الذاتي وحدها، وإنما يتطلب الأمر استمرار الجهد والمراعاة حتى لا تذبل وتموت. وقُل مثل ذلك بالنسبة للنظم السياسية، فإنها ليست معطاة طبيعة تستمر إلى الأبد، بل لا بد من موالاتها بالرعاية والتحصين حتى لا تفقد حيويتها وتتحلل وتزول.

ولذلك لم يكن غريبًا أن نرى حضارات هائلة استمرت قرونًا ثم لم تلبث أن تحللت وتدهورت، وأصبحت أثرًا بعد عين. «فالحضارات» هي مجموعة من النظم الاجتماعية، والتي تحتاج إلى طاقة وجهود مستمرة لضمان استمرارها وحيويتها. ومع ضعف ما يُبذل من جهود جديدة واستثمارات مستمرة لحمايتها، فإنها تبدأ في التدهور والتراجع وقد تزول كليًّا. وهذا ليس بغريب، فالقانون الثاني للديناميكا الحرارية يضمن لها هذا المصير. «الحياة» استثناء، وهي «استثناء مؤقت». وكذا الحال مع «النظم الاجتماعية»، فدون اهتمام بالرعاية والصيانة واستثمار الطاقات الجديدة فيها لصيانتها وتقويتها؛ فإن مصيرها يكون إلى التدهور، وربما الزوال.

وهكذا نجد أن المكتسبات الحضارية ليست معطاة مستمرة أو أبدية، وإنما هي نبتٌ يحتاج إلى رعاية وصيانة مستمرة، ودون ذلك فإنها مثل كل شيء يذبل ويموت. ومن هنا فائدة الأصوات التي ترتفع بين الحين والآخر بالنقد والتحذير لحماية المؤسسات الاجتماعية والعمل على استمرارها وتطويرها. فهذه الأصوات هي الوحيدة التي تضمن استمرار وجود هذه المكتسبات، وربما المساعدة على تحسينها وازدهارها. وعلى العكس، فإن السكوت والاطمئنان إلى أن «كل شيء على ما يرام»، وأنه «ليس في الإمكان أفضل مما كان»، إنما هو بداية الطريق إلى التحلل والتراجع. وحتى في الصناعة، فقد أثبتت التجربة أن الاطمئنان إلى أن «كل شيء على ما يرام» وأنه ليست هناك حاجة إلى التجديد والابتكار، كانت دائمًا هي بداية النهاية. ألم تكن جنرال موتورز هي قمة الصناعة الأمريكية، فإذا بها شاخت وفقدت فضل السبق، وها هي تحتاج اليوم إلى دعم الحكومة الأمريكية لتبقى في الحلبة. التحذير والتنبيه ضد المخاطر الحقيقية — وأيضًا المحتملة — هو الطريق الوحيد لحماية المؤسسات القائمة والمساعدة على تطويرها ونموها.

وما دمنا في صدد التعرض «للقوانين» الطبيعية والاجتماعية التي تهدد التنظيمات القائمة، فلا بأس من التذكير بقانون آخر على صلة بالموضوع، والمعروف ﺑ «قانون ميرفي»، ومقتضاه أنه «إذا كان من الممكن أن تسوء الأحوال، فإنها سوف تسوء». وليس المقصود بذلك هو أن كل الاحتمالات السيئة سوف تتحقق بالضرورة، وإنما الغرض من هذا القانون هو التنبيه إلى أن وسيلة منع هذه الاحتمالات السيئة يكون بالاستعداد لحالة تحقُّقها. فهذا القانون ليس قانونًا للاحتمالات بالقول بأن كل الاحتمالات السيئة سوف تتحقق، وإنما هو قانون للسلوك الرشيد بأن نأخذ حذرنا ونتصرف إزاء الاحتمالات السيئة كما لو كانت سوف تتحقق؛ وبذلك فقط نضمن عدم تحققها، أو التخفيف من نتائجها إذا تحققت.

وهكذا يتضح أنه من الضروري اليقظة التامة والمتابعة المستمرة لنظمنا ومؤسساتنا. فترْك الأمور لنفسها لا يضمن اختيار الكفاءات لتولِّي المسئولية، بل لعله يؤدي إلى العكس، كما أن نجاح أي مؤسسات في الماضي ليس ضمانًا لاستمرار هذا النجاح في المستقبل. الدفع الذاتي وحده لا يكفي. هناك حاجة إلى اليقظة الدائمة والدعم المستمر للتنظيمات الاجتماعية، فالأمور تتجه بطبيعتها نحو التحلل. وقدر الإنسان هو أن يعمل لبقائه على الحياة، وأن يعمل أكثر لتحسين أحواله. (). إذا كان استمرار الحياة البشرية والارتقاء بها يتطلب تزويدها بالطاقة (غذاء) والعمل بشكل مستمر، فإن التنظيمات الاجتماعية بدورها لا تستمر ولا ترتقي دون مراعاة ورقابة واستثمار. وكما أن «الحياة» ليست منحة مجانية، بل تحتاج إلى العمل لبقائها وارتقائها، فكذا الحال بالنسبة إلى كل مكتسبات المجتمع.

قوانين الطبيعة وشبح الفوضى بالمرصاد لكل من يركن إلى الكسل. هناك مؤامرة «طبيعية» تدفع إلى الفوضى وعدم النظام، ويقظةُ الإنسان وجهوده وحدها كفيلة بإفساد هذه المؤامرة. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.