نكتب اليوم في هذا الموضوع؛ لنوضح مسألتين دينيتين جهلهما عامة المسلمين، وغلا فيهما فريق من أولئك الأدعياء للدين الواغلين فيه؛ خداعًا لهم وتضليلًا حتى كادوا يفتتنون الناس في دينهم، وحتى كاد جهل أولئك وغلو هؤلاء يوردانهم من الدين آجنًا ويسقيانهم من صفوه رنقًا، ويشرفان بهم على أن يشركوا بالله عز وجل من لا يملك لهم من النفع والضر ولا من الخير والشر قليلًا ولا كثيرًا.

هاتان المسألتان هما: ما هو منصب النبي ﷺ؟ وما الذي يجب أن يعصم من الخطأ فيه؟ فلقد زعم أولئك الغلاة المفسدون أن النبي ﷺ يجب أن يحيط علمه بكل شيء، وأن تؤدي إلينا رسالته كل شيء، وأن يعصم من الخطأ في كل شيء؛ فيتلو علينا الكتاب والحكمة ويدرس لنا اللغة والفلسفة ويعلمنا الصناعة والتجارة والزراعة وكل ما تمس إليه حاجة الإنسان في أولاه وأخراه، وهو بكل ذلك عالم وفيه مبرز لا يسري إليه الخطأ والظن، ولا يبلغ منه الشك والوهم. تعاليت اللهم وتقدست أسماؤك وجلت عظمتك عن الند والشريك من أمثال هذه المقالة الفاحشة التي يذيعها في العامة صفاق الوجوه وغلف القلوب في تقديس الأشخاص ورفعهم إلى منزلة الإله!

مُني الاجتماع الإنساني برذيلتين قبيحتين هما مصدر الشرور والآثام؛ إحداهما: رذيلة الإشراك بالله، والثانية: رذيلة الاستبداد في الملك؛ فإنك مهما أضنيت نفسك في البحث والتنقيب لم تجد علة لامتياز فرد من الناس بالألوهية أو الملك الاستبدادي إلا ما ينتحله له أولئك الغلاة الجاحدون من الصفات والألقاب التي هي بالله عز وجل أحق منها بمن أصله الماء والطين.

فنحن إذا شرحنا اليوم هاتين المسألتين وبينَّا العقيدة الإسلامية فيهما ودعونا المسلمين إلى الاستمساك بأسبابها القوية وعراها المتينة؛ فإنما ندعوهم إلى ما ندبهم إليه محمد ﷺ من الإيمان بأن لا سلطان إلا لله وحده، وأن لا شريك للأمة بعد الله في حقوقها.

قضت إرادة الله عز وجل أن يخلق الإنسان مجتمعًا مدنيًّا بالطبع مستعدًّا للرقي والسيادة على هذا العالم وما فيه، وأن يسلك هذه الحياة الدنيا طريقًا إلى حياة أخرى فيها الكمال التام والسعادة الدائمة، وقد علم سبحانه أن هذه الحياة طريق مظلمة قاتمة، فوهب الإنسان العقل وهو قبس من نوره — عز اسمه — ليهديه قصد السبيل ويرشده إلى الصراط المستقيم، يتعرف به مصالحه ويتبين به منافعه في هذه الحياة الدنيا؛ حتى يستقيم فيها أمره وتنتظم أحواله. وعلم أيضًا أن هذا المخلوق الضعيف لا ينال ذلك إلا بتمجيده والإذعان له والاهتداء بهديه. وأن هذا العقل أقصر من أن يكفل له تعرف المصالح الأخروية والمنافع الدينية على أكمل وجه وأحسنه فوهبه عقلًا آخر هو الرسل الذين والاهم الله عز وجل في الأمم وتابع بينهم في أجيال البشر.

هذا شيء لا يشك فيه ذو ملة، ولا يمتري فيه صاحب دين، ومنه نعلم علم اليقين أن عمل الرسل صلوات الله عليهم إنما هو هداية الناس في دينهم وتمهيد الأمور في حياتهم العامة؛ لينتهوا منها آمنين إلى الدار الأخرى، لكيلا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وقد علم سبحانه أن هذا لا يكون إلا إذا كان المبلغون عنه بحيث يستطيعون أن يُفهموا الناس دعوته ويشرحوا لهم رسالته ويقيموا عليهم حجته فاختار من كل أمة رسوله إليها.

بذلك مضت سنة الله في الأولين، حتى جاء محمد ﷺ؛ ليتمم للناس دينه ويكمل لهم شريعته، فأدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وأوضح الحجة، وأقام الدليل، ثم اختار له الله ما عنده فمضى إلى دار النعيم.

فإذا كان هذا هو عمل الرسل وتلك هي حكمة الله في إرسالهم، فلا شك أن العقل يجزم بأنه تجب لهم العصمة من الخطأ والكذب فيما يبلغونه عن الله سبحانه وتعالى حتى تكون دعوتهم حقًّا لا يشوبه باطل ويقينًا لا مجال للشك فيه.

بهذا يجزم العقل ولا يزيد عليه شيئًا؛ فأنت ترى أن عصمتهم محدودة عقلًا بحدود الوحي، وأن العقل لا يوجب لهم العصمة في غير ذلك، فهو لا يوجب عليهم أن يكونوا أطباء أو فلكيين أو رياضيين؛ لأنهم لم يبعثوا ليكونوا كذلك، وإنما بُعثوا ليكونوا مبشرين ومنذرين لمن آمن بالله أو كفر به، فأما في غير ذلك فليس بينهم وبين غيرهم من الناس فرق قليل ولا كثير.

فأما العلوم والحرف وغيرها من أمور الدنيا؛ فإنما السبيل إليها سعي العقل وكده؛ لأن الله عز وجل لم يهبنا العقل عبثًا ولم يخلقه لنا من غير حكمة، ولو كان من عمل الرسل أن يرشدونا إلى كل ما نحتاج إليه في هذه الحياة ما كان للعقل فائدة ولا تثبت في خلقه حكمة. والله عز وجل مبرأ من العبث في أفعاله، وليس ذلك انتحالًا منَّا أو اختلاقًا، بل هو ما ذهب إليه أئمة المسلمين وجمهورهم؛ فإنهم لم يقرروا العصمة للأنبياء إلا من تعمد الكذب فيما دلَّت المعجزة على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله، وقد أجازوا عليهم الكذب سهوًا، وإن خالف في ذلك بعضهم وقرروا لهم العصمة من الكبيرة والكفر بعد الوحي، وإن خالف في ذلك الخوارج. على أن أهل السنة لم يعصموهم من الكبيرة إلا سمعًا، وأما عقلًا فقد أجازوها، ولهم في كل ذلك قبل الوحي خلاف كثير فمن شاء فليرجع إليه في كتب الكلام. وإذا كان مبلغ ما أوجبه العقل واتفق عليه أئمة المسلمين هو عصمة الأنبياء من تعمد الكذب فيما دلت المعجزة على أنهم صادقون فيه ومن الكفر والكبيرة بعد الوحي، وإذا كان العقل لا يهدي إلى أكثر من ذلك، فمن أين ننتحل للأنبياء أن يحيطوا بكل شيء علمًا؟! وليس هذا كل ما نقوله في هذا الموضوع، بل كثير من أئمة المسلمين في الكلام وأصول الفقه قد جوزوا على النبي ﷺ أن يجتهد في الأحكام قبل نزول الوحي، وأن يخطئ في اجتهاده، قالوا: وقد وقع ذلك بالفعل ودل عليه كثير من آيات الكتاب الكريم، كقوله عز وجل: ()، وأصل ذلك أنه ﷺ استشار صاحبيه أبا بكر وعمر في أسرى بدر؛ فأشار أبو بكر بأخذ الفدية؛ لأنهم العشيرة الأقربون، وأشار عمر بقتلهم، ومال النبي ﷺ إلى قول أبي بكر؛ فعاتبه الله في ذلك بالآية.

هذا حديث رواه مسلم وقصة ذكرها المؤرخون بلفظ أطول من هذا. نقول: ولو كان النبي ﷺ معصومًا عن الخطأ في كل شيء ناطقًا بالصواب والحق في كل شيء، ما جاز له أن يجتهد ولا أن يستشير؛ لأنه لا يخفى عليه الحق وليس فوق رأيه رأي ولا وقع منه الخطأ. لكن كل ذلك قد كان، وإذا لم يكفِ هذا لإقناع المعاندين المكابرين؛ فإن في قوله عز وجل: () ما يقطع ألسنة المبطلين ويحطم أقلام المضلين؛ فقد علم الله أن النبي ﷺ بشر يخطئ ويصيب، وأن العصمة التامة له وحده، وأن رأي الجماعة إذا لم ينزل الوحي أقرب من رأيه ﷺ إلى الحق، فأمره بالشورى، وعرف النبي من نفسه ذلك فائتمر، وكثيرًا ما كان يشاور أصحابه في المسائل الخاصة والعامة ويمضي برأيهم إلا أن ينزل وحي. وفي «صحيح البخاري» أنه ﷺ استشار عليًّا وأسامة بن زيد في أمر الإفك وعمل برأي أسامة حتى نزل الوحي فجلد القاذفين. وفي «صحيح البخاري» أيضًا أنه ﷺ استشار أصحابه في الخروج إلى أحد فأشاروا عليه به، فلما لبس لأمته واستعد للخروج أشاروا عليه بالمقام، فأبى ائتمارًا بقوله عز وجل: ()، وقال لأصحابه: «لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله.» وقد عقد البخاري بابًا في «صحيحه» لما سُئل عنه ﷺ قبل الوحي فسكت أو قال: «لا أدري.» وقد روى في سكوته أحاديث كثيرة، منها حديث ابن مسعود: بينما أنا أمشي مع النبي ﷺ في خرب المدينة، وهو يتوكأ على عسيب معه فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنه. فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت. فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت فلما انجلى عنه قال: ().

وصح على غير شرط البخاري أحاديث تدل على أن النبي ﷺ سُئل فقال: لا أدري. منها أن رجلًا سأله: أي البقاع أحسن؟ فقال: «لا أدري» (راجع «شرح البخاري» لابن حجر، والقسطلاني). ومن قرأ أخبار المغازي في كتب الحديث والسير عرف أن النبي ﷺ كثيرًا ما كان يشاور أصحابه في أمور الحرب ويعمل برأيهم، وفي قصة بدر من ذلك ما ينقع الغلة. وقد صح في غير واحد من كتب السنة قوله ﷺ: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، وقوله: «ما كان من أمر دينكم فإليَّ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم.»

وقد عرف أصحاب النبي ﷺ منه ميله إلى المشورة؛ فكانوا يسألونه إذا همَّ بشيء: أوحي هو أم رأي؟ فإذا كان الرأي أشاروا عليه فاستمع لهم (راجع قصة بدر).

كل هذه أدلة ظاهرة لا يشوبها الشك ولا ينال منها الظن عند أي إنسان إلا إذا كفر بالله وجحد كتابه، وكلها يدل على أن النبي ﷺ لم يكن معصومًا عن الخطأ إلا فيما يُبلِّغ عن الله عز وجل، وأنه ﷺ علم ذلك فوكل إلى الناس أمور دنياهم، وأن الله عز وجل علم ذلك فأمره بالمشاورة. ولعل لقائل أن يقول: إن هذا يضع من قدر النبي ويغض منه! فنقول: كلا، وإنما الغلو في تقديسه وتمجيده والزيادة في ذلك على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله هو الذي يحط قدره؛ لأنه كذب عليه وافتراء على الله، وأي شيء أحط لقدر الإنسان من مدحه بما ليس فيه، وقد قال الله عز وجل()، فلم يجعل للنبي على الناس فضلًا إلا بالوحي والرسالة، وحسبك بذلك نعمة ليس فوقها مطمع لإنسان.

والآن وقد أطلنا في القول في غير ملل، وبلغنا ما نريده من إثبات ما ادعيناه، يجب أن نقف عند هذا الحد، وإنا لنرجو أن يكون في هذا القول هداية للضالين وإرشاد للجاهلين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.