ولا بأس بالرجوع إلى وزير المالية؛ لنستريح ويستريح الناس بحديثه عن هذه الأحاديث الأخرى الثقيلة المؤلمة؛ لا لأن حديث وزير المالية أخف منها وأقل منها إيلامًا للنفوس، بل لأن في الحديث عن وزير المالية مهما يكن ثقيلًا مؤلمًا شيئًا من الفكاهة خفيًّا غريبًا، لا سبيل إلى مقاومته ولا إلى إنكاره. ولعل مصدر هذه الفكاهة التي تنبث في كل حديث عن وزير المالية، سواء أراد الكاتب ذلك أم لم يرد، أن وزير المالية وعد الناس قبل أن يلي الحكم وبعد أن وليه وعودًا لم يسبق إلى مثلها ولا إلى بعضها وزير، ثم لم يُنفِّذ من هذه الوعود شيئًا، ولا بعض شيء؛ فاتخذه الناس راضين أو كارهين مثلًا أعلى للكلام الكثير الذي يملأ ما بين الأرض والسماء، والعمل القليل الذي لا يعدل كأسًا من الماء.

وهذه المقارنة نفسها يكفي أن تخطر لبال الكاتب؛ فإذا هو يضحك وإن لم يرد الضحك، ويكفي أن تخطر لبال القارئ؛ فإذا هو يضحك وإن كان عن الضحك في شغل. وكان وزير المالية مُعَارِضًا قبل أن يَلِيَ الحكم، بل كان المعارض الفذ في مجلس الشيوخ؛ فكان كله نقدًا للوزارة السابقة، ونعيًا عليها، وتشهيرًا بها، فلما ولي الحكم وسبقت منه الوعود كما سبقت منه المعارضة انتظر بعض الناس منه ما لم ينتظروا من وزير قبله، ثم ظفر الناس منه بما لم يظفروا به من وزير قبله بالصمت التام، والهدوء التام، والطاعة التامة للظروف، والمُضِي التام في أثر الوزير الذي سبقه إلى وزارة المالية، يتم ما بدأ، ويبدأ من الأمر ما لو أقام صدقي باشا لبدأه وأتمه.

وقد نشرنا يوم الجمعة كتابًا لبعض القراء، حدثنا فيه عن تصرف غريب بدأه صدقي باشا وأتمه صبري بك، وطلبنا إلى الوزارة أن تقول في هذا الكتاب شيئًا، وانتظرنا من الوزارة أن تُكذِّبَ هذا الكتاب، وصبرنا على الوزارة أيامًا، وأخذنا نسأل عن البلاغات الرسمية في كل يوم ما خطبها، وأين تكون، وما لها لا تصدر، ومتى تفيق من نومها العميق، ولكن الوزارة لم تقل شيئًا، وبلاغاتها الرسمية لم تُفِقْ من النوم.

ونظن أن من الحق أن نعتقد أن هذا الكتاب الذي نشرناه يوم الجمعة، ولم تنكره الوزارة ولا صحيفة من صحفها إلى يوم الثلاثاء، لم يتجاوز الصواب، ولم يورد غير الوقائع التي لا سبيل إلى إنكارها أو الشك فيها، وإذن فلنعد إلى هذه الوقائع، ولنقف عندها وقفة قصيرة؛ لنتبين ما فيها من الفكاهة، ولنتبين ما فيها من العِبْرة أيضًا، والفكاهة فيها أكثر من العبرة؛ فقد كثرت العِبَر في تصرف الوزارات في هذا العهد السعيد حتى شبعنا منها، وكادت تصيبنا تخم العبر والعظات.

أما الفكاهة فهي قليلة مهما تكثر، نادرة مهما يألفها الناس؛ لأنها تُسَلِّيهم عن الهم، وتعزيهم عما يلم بهم من المكروه، وما أكثر ما يلم بهم من المكروه! وأي الناس يزهد في العزاء؟ وأي الناس ينفر من التسلية؟!

زعموا أن مدير أسيوط السابق أراد أن يتخذ له مصدرًا من مصادر الثروة في القاهرة؛ فتخير قطعة من الأرض في حي ممتاز من أحياء العاصمة، هو حي الزمالك، وطلب إلى الوزارة أن تبيعه هذه القطعة من الأرض، وألا تسوي بينه وبين غيره من خلق الله الذين يبيعون للوزارة ويشترون منها، وكانت لمدير أسيوط على الوزارة دالة، وكانت له في نفس وزير المالية والداخلية ورئيس الوزراء حينئذ مكانة ممتازة؛ فأسرعت الوزارة إلى ما أراد المدير، وباعته هذه القطعة من الأرض، وصدر بذلك قرار وزير المالية في ديسمبر سنة ١٩٣١، وكانت القاعدة في هذا البيع أن يقوم على الممارسة، لا على المزاد.

وكانت القاعدة فيه أيضًا أن يكون ثمن المتر الواحد جنيهين ونصف جنيه، ثم كانت القاعدة ألا يدفع الثمن فورًا، وإنما يدفع منه جزءًا يسيرًا، ويؤدى الباقي على سبعة أقساط بغير فائدة؛ لأن الربا حرام، ثم كانت هناك قاعدة لم يكن بدٌّ من قبولها؛ لأن الناس جميعًا يقبلونها إذا اشتروا أرضًا من الحكومة في هذا الحي، وهي أن للبناء في هذا الحي شروطًا يجب أن تُحْتَرَمَ، وقد قبل المدير هذه الشروط، وأعطى على نفسه عهدًا باحترامها، ولكنه كما قلنا ممتاز من بقية الناس، فله أن يَعِدَ ويُخْلِفَ الوعد، وله أن يتعهد وينقض العهد، وقد فعل.

فأقام بناءه الضخم مخالفًا فيه شروط البناء، ناقضًا فيه ما أَخَذَ على نفسه من عهد، ولو أن الأمر وقف بينه وبين الوزارة لما علم منه الناس شيئًا، فالوزارة تحب كتمان السر، وتكره إذاعة الأنباء، ولا سيما إذا كانت من هذا النوع.

ولكن للمدير جارًا مشاكسًا معاكسًا تأذَّى من هذا البناء، فلجأ إلى القضاء، وخاصم الحكومة مع المدير؛ لأن المدير خالف القانون، ولأن الحكومة أعانته على هذه المخالفة، والشروط صريحة واضحة، والقضاء عدل حازم؛ فلم يكن بد من الحكم على المدير والوزارة، ولم يكن بد من أن يُفْتَضَح الأمر، وينكشف السر؛ وإذن فلا بد من اتقاء الفضيحة، وإخفاء الأمر على الناس، ولا بد إذن من الذكاء الخصب والحيلة الواسعة، وأين يكون الذكاء الخصب إذا لم يكن عند الوزارة وعلى رأسها صدقي باشا؟! وأين تكون الحيلة الواسعة إذا لم تكن عند الوزارة وعند وزير ماليتها الفقيه الفذ صبري بك؟!

هنالك ظهر اقتراح قبله المدير بالطبع وقبلته الوزارة، وأمضاه الوزير القائم في أكتوبر الماضي، وهو أن تُبَاع للمدير بالممارسة قطعة أخرى أو جزء من قطعة أخرى تمكنه من أن يوسع على نفسه وعلى جاره، ومن أن يظهر أنه لم يخالف الشروط ولم ينقض العهد، ولم يكن عقد الصفقة الأولى قد تم تحريره بعدُ؛ فأُجْرِي للصفقتين عقد واحد حُرِّرَ وسُجِّلَ، وتم فيه كل شيء في شهر نوفمبر الماضي.

واستراح المدير واستراحت الوزارة من بعض المخالفات، ولكن المدير لم يكن تجاوز الحدود وخالف الشروط في الأرض وحدها، وإنما تجاوز تلك وخالف هذه في الجو أيضًا، فقد كان يجب عليه ألا يرفع بناءه في السماء أكثر من خمسة عشر مترًا، ولكنه تجاوز هذا المقدار، ولم يكن بدٌّ من الهدم؛ ليعود إلى الارتفاع الذي يأذن به القانون، وليتجنب الوقوف بين يدي القضاء، وفي الهدم تشويه للبناء وإفساد له، وفيه ضياع للمال، وإنفاق لمال جديد، وفيه إذعان لا ينبغي لكبار الناس والممتازين منهم.

وإذن فلا بد من الذكاء وسعة الحيلة للخروج من هذا المأزق، هنالك ظهر الذكاء الخصب، والحيلة الواسعة مرة أخرى، واقترح على الوزارة إرضاء الخصم لينزل عن حقه، ويعدل عن الخصومة أمام القضاء. وإرضاء الخصم هذا يسير بشرط ألا يكلف المدير مشقة ولا مالًا، وويل للدولة إذا عجزت عن إرضاء الخصم ليطمئن المدير، وللدولة أرض في الزمالك تستطيع أن تبيعها إلى هذا الخصم بالممارسة أيضًا، وأن ترعاه في تقدير الثمن بعض الشيء.

وكذلك فعلت الدولة، فباعت للخصم قطعة لا بأس بها من الأرض بثمن معتدل لا يزيد عن جنيهين لكل متر، وأمضى وزير المالية القائم قرار هذه الصفقة في ١٩ ديسمبر الماضي، وكذلك رضي الخصم؛ فنزل عن قضيته، واطمأن المدير على أن بناءه الضخم سيظل شاهقًا شامخًا مصعدًا في السماء، واستراح ضمير وزير المالية؛ لأنه لم يأت إلا ما كان يوجبه الحق والعدل، ولم يُجِزْ إلا ما كانت تفرضه النزاهة في معاملة الناس، والتسوية بينهم، والقيام على أموال الدولة بالأمانة، وتعهد مصالحها بالرعاية، والارتفاع عن الإيثار والمحاباة.

واستراح ضمير الرجل الطيب؛ لأن وزير ماليته قد وَفَّى بذلك الوعد الذي تَقَّدَمَ به الرجل الطيب إلى الناس يوم ولي الحكم، فوزع العدل بين الناس بالقسط، واطمأنَّ الشعب المصري على أن حقوقه في أيدي قوم لا يضيعون الحقوق، وعلى أن أمواله في أيدي قوم لا يعبثون بالأموال، وعلى أنه يعيش في عهد أقل ما يُوْصَفُ به أنه عهد الصفاء والنقاء والوفاء، وأنه عهد النزاهة التي لا تشبهها نزاهة، والطهر الذي لا يشبهه طهر.

وعَلِمَ الشعب المصري أن الذين كانوا يعيبون صدقي باشا إنما كانوا يظلمونه ويَتَجَنُّون عليه، فلو أن صدقي باشا أخطأ أو أثم لما أقرت وزارة الرجل الطيب خطأه ولا إثمه، ولا أتمت وزارة الرجل الطيب ما كان قد بدأه من الأعمال. وآية ذلك أن الرجل الطيب قد اختار، أو قَبِلَ أن يختار له وزير مالية حازمًا، لا يمكن أن يُتَّهَمَ بالضعف أو الميل إلى محاباة صدقي باشا.

ولعل الرجل الطيب إنما اختاره أو قَبِل أن يُختار له؛ ليصلح ما أفسد صدقي باشا في وزارة المالية، فجاء صبري بك فلم يرَ في وزارة المالية فسادًا ولا شيئًا يشبه الفساد، ولو قد رأى شيئًا من ذلك لأصلحه، وما دام لم يصلح شيئًا فلم يكن هناك شيء، وما دام قد أتم ما بدأه صدقي باشا؛ فيجب أن يكون ما بدأه صدقي باشا ملائمًا كل الملاءمة للحق والعدل والمنفعة.

ولا تقل مثل ما قال صاحب الكتاب: إن مدير أسيوط السابق يتصل بالوزير القائم صلة قرابة؛ فالوزير القائم أرفع وأكبر وأنزه من أن يجعل للقرابة أثرًا حين يتصرف في شئون الدولة، أو يمس أموال الدولة، أو يبيع أملاك الدولة، ولكن قل: إن مدير أسيوط السابق رجل قد أحسن إلى الدولة في أسيوط أيام البداري والمطيعة وبني حسين، وما زال يُحْسِن إلى الدولة في الغربية؛ وويل لدولة لا تفرق بين المحسن والمسيء، ولا تكافئ المحسنين لتغري الناس بالإحسان.

إن الذين يلومون وزير المالية على ما فعل يدلُّون على أن نفوسهم قد فُطِرَت على العقوق، وكفر النعمة، وإنكار الجميل، ولكن يجب أن يعلموا أن الرجل الطيب وزملاءه لا يستطيعون أن يجاروهم في هذه الخصال، وأنهم أحرص على الأخلاق من أن يَضِنُّوا بالرعاية على محسن عظيم إلى مصر كمدير أسيوط.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.