أتصفح ما يصلني تباعًا من أعداد مجلة «رسالة العلم»، وأعترف بأني أقف أمام بعض موضوعاتها موقفي من جدول اللوغاريتمات، وليس يرجع ذلك إلى أن دراستي الثانوية والعليا ومعلوماتي العامة لا تمكنني من متابعة هذه البحوث العلمية الدقيقة، بل يرجع كذلك إلى أن الأساتذة الأجلاء كتَّاب هذه البحوث يستعملون ألفاظًا علمية لعلهم اصطلحوا على بعضها، ولم يصطلحوا عليها كلها، وأن هذه الألفاظ المشتقة من اللاتينية أحيانًا ومن العربية القديمة أحيانًا أخرى تبدو أمامي ألغازًا لا سبيل إلى حلها إلا أن يتتلمذ الإنسان من جديد، وليس هذا شأن من كان في مثل سني، ومن احتشد ذهنه بمعلومات تختلف طبيعتها كل الاختلاف عن هذه البحوث فلم يبق فيه مكان لاستذكارها ومعرفة حدودها.

ولا بأس بأن يكون ذلك شأن الجيل الذي أنا منه؛ فقد أدى هذا الجيل رسالة حياته وأصبح من هذه الناحية مطمئن الضمير، وآن لمن شاء من أبنائه أن يستريح، لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لمن هم اليوم في العشرين والثلاثين والأربعين من عمرهم، هؤلاء بحاجة إلى هضم البحوث العلمية؛ لأن العالم يسير اليوم على هدى هذه البحوث، والأمة صاحبة السبق فيها هي التي تسبق غيرها من الأمم في مضمار القوة والحضارة.

أما والأمر كذلك فلا بد من تطويع ألفاظ العلم؛ ليفهمها أوساط المتعلِّمين، أو ليفهمها على الأقل الحاصلون على إجازاتهم الجامعية العليا، وإن اختلفت دراساتهم.

ولا سبيل إلى تطويع ألفاظ العلم إلا أن يتولى المشتغلون بالعلم أنفسهم هذه المهمة، وأن يبذلوا في ذلك من الجهود ما لا بد منه خدمة للعلم وللغة وللوطن.

أنا أعلم أن المجمع اللغوي المصري يبذل في هذه السبيل جهدًا محمودًا، وأنه يستعين بالأساتذة العلماء من أعضائه ومن الخبراء الذين يندبهم لهذا الغرض، لكني لا أحسب جهد المجمع كفيلًا بأن يؤدي إلى الغاية المقصودة منه، قد يؤدي هذا الجهد حين تمامه إلى ما يريده المجمع من وضع معجم كبير لألفاظ اللغة العربية التي يرى المجمع أنها تفي بحاجات العصر، وقد يرى المجمع يومئذ أنه أتم المهمة التي نيطت به أو ناط هو بها نفسه، لكني في ريب من اطمئنان العلماء والأساتذة إلى هذه الألفاظ يوم نشرها، وأحسب الكثيرين منهم يوجهون إليها يومئذ نقدًا أشد النقد، ثم لا يأخذون بها فيما يكتبون وما يدرِّسون، وعند ذلك تزداد المشكلة تعقيدًا، وتزداد الأفكار تبلبلًا، ويقول من شاء: إن اللغة العربية غير قادرة على أن تؤدي أغراض العلم.

ولو أن الأساتذة العلماء اضطلعوا بالمهمة، وعملوا على أن يتصل الجمهور بهذه الألفاظ عن طريق ما يكتبونه تبسيطًا للعلم، وما يلتمسون لذلك إليه من مختلف الوسائل، مستعينين بالأدباء وبالصحف والمجلات لهذا الغرض، لعاونوا المجمع في جهده، ولنقلوا العلم إلى الجمهور ونقلوا الجمهور إلى العلم، ولأصبحت اللغة العلمية بعض ما نال، بدل أن تكون نوعًا من اللوغاريتمات التي أقف أنا ويقف غيري أمامها حائرين.

إن مهمة المعاجم أن تثبت الألفاظ التي يقرها التداول، وليست مهمتها أن تبتكر ألفاظًا جديدة، وإنما يكون ابتكار الألفاظ الجديدة من عمل العلماء، والكتاب، ورجال الفن كلٌّ في ميدانه، فإذا أقر التداول ما ابتكروه أثبتته المعاجم بدورها، هذا هو النظام الطبيعي، وهو النظام المأخوذ به في كل الدول وفي كل المجامع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.