عاقبة موسيليني السياسية لا تعنينا في هذا المقال؛ لأن لها مجالًا غير هذا المجال، وإنما تعنينا هذه العاقبة هنا من حيث تتصل بالفلسفة الاجتماعية ومذاهب التربية القومية؛ لأنها من هذه الناحية قد شغلت أناسًا لعلهم مخلصون في نياتهم وتفكيرهم، ولعلهم لا يخدمون غرضًا من الأغراض الموقوتة بما اعتقدوه ونزعوا إليه، ترسمًا لخطوات موسيليني، ثم خطوات التابعين له في مضمار السلطان والاستبداد.

***

بعد قيام النظم الفاشية في إيطاليا كثر القائلون بفائدة هذه النظم للأمم التي أصابها الانحلال على التخصيص، وجنح بهم إلى هذا القول أن الفاشية ظهرت في زمن خِيفَتْ فيه أخطار الشيوعية أشد خوف، فجعلها بعض الباحثين الاجتماعيين «جبيرة» لعظام الأمم المهيضة التي يُخشَى أن تُصَاب في حياتها القومية، فتنقلب من الإيمان بالوطن إلى الإيمان بالشيوعية.

وكان هذا وهمًا من الأوهام؛ لأن النظام وحده لا يخلق القوة — وطنية كانت أو غير وطنية — والنظام وحده لا يجبر كسر الانحلال إذا كانت له أسبابه المتغلغلة في تكوين الأمة.

فالسجناء أكثر الناس نظامًا في معيشتهم المفروضة عليهم؛ لأنهم ينهضون من النوم في موعد، ويأكلون الوجبات الثلاث في موعد، ويخرجون إلى الرياضة في موعد، ويذهبون إلى النوم في موعد، ويتناولون من طعام واحد ويلبسون من نسج واحد وزي واحد، ويزاولون عملًا واحدًا في مكان واحد، ولا يأتون بحركة من الحركات العامة إلا على نظام مفروض لا اختلال فيه.

فلا يطمع أحد في بلوغ النظام بين جماعة الناس مبلغًا أدق وأوفى من مبلغه بين جماعات السجناء في العالم بأسره.

ومع هذا، لا يتخذهم أحد من الباحثين ولا غير الباحثين قدوة في أخلاق اجتماعية ولا أخلاق فردية، ولعلهم على نقيض ذلك مثل فيما يحذره الباحثون وغير الباحثين من مساوئ الأخلاق؛ لأن النظام وحده لا يغني في تقويم فرد ولا في إصلاح جماعة، ولا بد مع النظام من عقيدة صالحة لإحياء القوى الإنسانية.

فهل كانت للفاشية هذه العقيدة الصالحة؟

كلا!

والاكتفاء بالنتيجة هنا أقرب وأجدى من متابعة الأقوال الفاشية والعقائد الفاشية والتعليقات الفاشية التي ملأوا بها المجلدات الضخام على غير طائل.

فالنتيجة أن الفاشية لم تكن قط جبيرة لخلق مهيض، ولم نعلم جبانًا واحدًا كيف يصبح من الشجعان وذوي البسالة والمفاداة.

فبعد تربية طويلة تبتدئ من الخامسة إلى العشرين لم يزل الجبناء الأولون على جبنهم القديم يفرون من الميدان بعد الصدمة الأولى، وقد يفرون منه قبل اللقاء.

فالحركة الفاشية مفلسة في العقيدة التي تجبر كسر النفوس، أو تبتعثها من جديد في حياة جديدة، وهي لا تُزوِّد أصحابها بشجاعة أدبية أو شجاعة عسكرية، ولا تبث فيهم الإيمان الذي يغلبون به الجبن ويأنفون من عار الفرار؛ لأنها عقيدة تليق بالحيوان ولا تليق بالإنسان، أو لأنها عقيدة ترجع بالإنسان إلى الوراء، وتلغي ما عمل لنفسه أو عملته له الطبيعةُ عشرات الألوف من السنين.

فهي عقيدة قائمة على تقديس السلطة الفردية، وتقديس القوة المادية التي تشبه القوة الحيوانية، وكلاهما شوط تجاوزه الإنسان منذ أجيال، ولم يتجاوزه عبثًا ليعود إليه بعد هذا الطواف الطويل.

بل نحن نؤمن أن تقديس السلطة الفردية لم يُوجَد قط في أبعد العصور الهمجية فضلًا عن عصور الحضارة والنور؛ لأن السلطة لم تقم قط على إرادة فرد من الأفراد باعتباره فردًا من الأفراد، وإنما كانت تقوم على إرادته؛ لأنه يمثل إرادة الأرباب التي تؤمن بها الشعوب، وكان الكهان هم الذين يترجمون الإرادة الإلهية، فتصبح هي إرادة الشعب من هذا الطريق.

فالسلطة الفردية — حتى في أبعد الصور الهمجية — لم تكن خلوًّا من الاعتراف للأفراد بحُريَّة اختيارهم لمن يحكمونهم، وهي — أي السلطة الفردية — خليقة من أجل ذلك أن تَفْشَل في خَلْق العقيدة الصالحة بها بين أهل الحضارة من أبناء الزمن الحديث.

***

أما الإيمان بالقوة المادية — قوة السيف والنار — فهو شوط تجاوزه الناس كذلك منذ عهد بعيد، تجاوزوه منذ عرفوا كلمة الحق أو عرفوا كلمة العدل بين الأقوياء والضعفاء.

وقل ما شئت في «الحق»، إنه كلمة من الكلمات.

وقل ما شئت في «العدل»، إنه لفظ من الألفاظ.

فمهما يقل القائلون في ذلك، فالواقع الذي لا شك فيه أن الناس عرفوا كلمة «الحق» بعد أن جهلوها.

فلماذا كانت هذه المعرفة؟ وكيف جاءت إلى الألسنة أو إلى الضمائر؟ ولماذا لم تظل كما كانت مجهولة لا يفهم الناس منها هذا المعنى الذي يفهمونه الآن؟

أعن حاجة عرفوها أم عن غير حاجة إليها؟

إن كانوا قد عرفوها عن حاجة إليها فالويل لمن ينكرها ويقف في طريقها، وغير عجيب إذن أن تحق الخيبة على الفاشيين؛ لأنهم يعارضون التيار الذي يندفع إليه الإنسان بوحي من طبائع الأشياء.

أما أن الناس قد اخترعوا كلمة الحق وتشبثوا بها لغير حاجة إليها، ولا لأنها تُمثِّل شيئًا قائمًا في الحياة الإنسانية، فهذا عجب لا يصدقه عقل عاقل. ولنا حين يزعمه الزاعمون أن نسأل: ما بال أنصار القوة المادية يكتبون ما يكتبون، ويصنعون ما يصنعون، وينفقون الملايين فوق الملايين ليثبتوا أنهم على الحق وأن خصومهم هم المبطلون؟!

إن وهمًا من الأوهام التي لا حاجة إليها لن يستحق كل هذا العناء ولا بعض هذا العناء.

ولقد كانت القوة المادية أقدم شيء عُرِف في هذه الدنيا، وكانت بين أيدي الناس يستطيعون أن يعبدوها كما يشاءون، وأن يؤمنوا بها كما يحبون، فلو كان في الإيمان بها غنى عن غيرها لما تركها الناس ليتحولوا إلى كلمة جوفاء أو إلى خيال ليس له قوام.

إن الذي يدين بها بعد أن عرف كلمة الحق لا يفهم معنى ما يقول.

والفاشيون لا يفهمون معنى ما يقولون، بل لا يفهمون معنى ما يصنعون، سواء رجعت من قبل إلى الرأي والبرهان أو رجعت الآن إلى الواقع والعيان.

إنهم يقفون في وجه التيار.

ومن وقف في وجه التيار أضاع الحق وأضاع القوة المادية معه؛ إذ ليس في الأرض قوة مادية تقاوم التيار الذي تندفع به طبائع الأشياء.

***

ومن مبادئ السخف التي يُبشِّر بها «الفلاسفة» الفاشيون أن الإخاء العالمي خرافة لا يُرجَى لها تحقيق، وأن الحقيقة التي قامت ولن تزال قائمة في كل زمان هي سيادة شعب على سائر الشعوب.

والعجب أن سيادة شعب على سائر الشعوب هي الخرافة التي لم تُصدَّق قط في زمن مضى، ولن تُصدَّق يومًا في زمن مقبل، والناس لا يملكهم واحد مهما علا في مُلْكِه واستطال، كما قلنا في أعقاب الحرب الماضية متخذين العِبْرة منها ومن حوادث التاريخ التي تقدَّمَتْها. وإن العِبْرة بهذا كله أن تتخذ من حوادث الحرب الحاضرة والحوادث التي تليها، ولمَّا تزل في عالم الغيب.

فالعالَم لم يحكمه المصريون كله، والرومان لم يغلبوا قرطاجنة حتى تصدى لهم من الشرق مَنْ ينازعهم، ثم تصدى بعضهم لبعض فانقسموا على أنفسهم، وهكذا حدث لمن بعدهم حينما ظهرت في العالم قوة تنذره بالسيادة عليه.

فالسيادة العالمية هي المذهب الذي شاخ ولم يثبت له وجود.

والإخاء العالمي — أو على الأقل تمرد العالم على الخضوع لحكم واحد — هو المذهب الصادق الذي سبقت به البشائر، وآذن في هذا العصر بمولد مرقوب.

نعم؛ إن الإخاء العالمي كلمة قديمة، ولكن الوحدة العالمية لم تصبح حقيقة من الحقائق الملموسة قبل هذا الجيل.

ففي هذا الجيل الذي نحن فيه تقاربت أجزاء العالم حتى تسنَّى لمن في الشرق الأقصى أن يسمع مَنْ في أقصى المغرب بإدارة لولب.

وفي هذا الجيل تمَّ السَّفَر من أطراف العالم إلى أطرافه في أقصر من الوقت الذي كان أبناء القطر الواحد يسافرون فيه من إقليم إلى إقليم.

وفي هذا الجيل أوشك الناس أن يتعاملوا بعملة مشتركة، وأن يعتمدوا على سوق واحدة أو أسواق كأنها اجتمعت في سوق.

وفي هذا الجيل أصبح الخطر من العدوان على أمة خطرًا على الأمم كافة، يتبينه الغافلون عنه بعد فترة تُحسَب بالشهور وقد تُحسَب بالأيام.

فالوحدة العالمية الآن مولود مرقوب يستقبل الحياة ليدرج من الطفولة إلى الفتوة.

والذي شاخ وعفا عليه الزمان هو سيادة شعب على سائر الشعوب، أو هو استسلام العالم لحكم واحد متفق عليه، كائنًا ما كان الحاكمون.

والفاشيون هم أصحاب أقدم كلام قِيلَ ووجب أن يتبدَّل؛ لأنه قد شاخ وهجره الناس والتفتوا إلى غيره، وأوشكوا أن يحققوا ما التفتوا إليه؛ ولذلك فشلوا ويفشلون.

وهذه هي عِبْرة الخاتمة التي خُتِمَتْ بها دعوة موسيليني ثم خُتِم بها حكمه، وإنها لتساوي في حساب الإنسانية ثمنها المجموع من الدماء والأرواح، وإذا هي حرصت عليها وفرغت من التجربة فيها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.