كان في الأدب الإنجليزي قمتان رفيعتان، هما الشاعر ييتس والكاتب برناردشو: كلاهما أيرلندي، وكلاهما اشتغل بالمسرح والرواية التمثيلية، وكلاهما أحرز جائزة نوبل في الآداب.

أطال الله عمر الكاتب، فقد طُويت أيام الشاعر في الأسبوع الماضي، وأصبح برناردشو في أفق الأدب الإنجليزي الأيرلندي فردًا بغير قرين.

ومن دلائل الغنى ولا ريب في العبقرية الأيرلندية أن تجمع في عصر واحد بين أديبين كبيرين يختلفان كاختلاف ييتس وبرناردشو في المزاج والأسلوب والموضوع والسيرة، كأنهما من قارتين بعيدتين، لا من أمة واحدة وعصر واحد.

على أنهما مع هذا أيرلنديان لا يخفى في كل منهما نصيبه من تراث وطنه.

فكان نصيب ييتس من قومه الأحلام والنزعة الصوفية.

وكان نصيب برناردشو المزاح وسرعة البادرة.

وقد نشأ ييتس حفيًّا بميراث قومه الروحي؛ لأنه طُبع على حنين الشاعرية.

ونشأ برناردشو عالميًّا لأنه جنح إلى الاشتراكية التي لا تتقيد بالوطنية، وإنما جنح إليها لأنها تمرُّد على السيطرة الإنجليزية لا لأنه نسي بلاده وقومه وأضمر العقوق للقضية الأيرلندية.

وقد أخذ ييتس ملكة العطف والتعمير، وأخذ برناردشو نزعة النضال والتقويض.

ييتس يتكلم بالرموز والأطياف.

وبرناردشو يتكلم بالوقائع والمحسوسات.

وكلاهما «أيرلندي من الأيرلنديين» كما يقولون؛ لأن عبقرية الأمة تتَّسع لهذين الأفقين، وتنبعث من هذين الينبوعين.

***

وقد كانت السليقة الفنية في ييتس وراثة من الوالد ومن مكان الولادة.

إذ كان أبوه فنَّانًا ممتازًا وعضوًا في مجمع الزخارف الملكية، وأوشك هو أن ينشأ على صناعة أبيه فتعلَّم الرسم في صباه، ولكنه عدل عنه إلى الشعر والكتابة الأدبية.

أما مولده فقد كان على مقربة من دبلين بين الجبال والبحيرات والمروج، حيث يتعلم الشعر من لم يُطبع عليه، وينمو ريش الخيال لمن خُلق بغير جناح.

والأيرلنديون من أهل الجنوب يغلب عليهم المذهب الكاثوليكي، ولكن ييتس ولد في أسرة بروتستانتية وتعلَّم في العاصمة الإنجليزية، فاقتربت المسافة بينه وبين الإنجليز، وانكسرت حدة الخصومة في نفسه وفي نفوسهم … وإن كان أحرص حريص على إحياء تراث قومه وتجديد الثقافة الأيرلندية بين أبناء جيله، فهو الذي سعى في تأليف الجماعة الأدبية الأيرلندية، وهو الذي سعى في إقامة المسرح الأيرلندي، وهو الذي نقَّب عن الأغاني القلتية القديمة فأعاد نشرها، وقد قضى بقية أيامه مديرًا للمسرح الوطني، وجاءت الحكومة الوطنية فاختارته عضوًا في مجلس الشيوخ من الأعضاء المعيَّنين.

ويُحسب ييتس عند بعض النقاد من الشعراء الرمزيين؛ لأن مجازاته تشبه مجازاتهم وموضوعاته قريبة من موضوعاتهم، ويؤكد هذا الحسبان أنه عاشرهم في باريس، ولقي زعيمهم «ملارميه»، وقال في بعض كتاباته أنه يَلمح في كلامهم شيئًا جديدًا لا يلمحه في كلام غيرهم، ولكن الحقيقة أن هذه «المجازات» التي تُخيل إلى قارئها أنها عوارض الطريقة الرمزية إن هي إلا طبيعة الذهن الأيرلندي الذي يرسم المعاني بريشة «ضبابية» لا تثبت فيها الأنوار والظلال، ولا تتميز فيها المعالم والأشكال، وفيما عدا ذلك لا مشابهة على الإطلاق بين ييتس وجماعة الرمزيين؛ إذ الفرق بعيد بين الشاعر الذي لا يتعمَّد الإشراق والتفسير في معانيه وبين الشاعر الذي يتعمَّد الإخفاء والتعمية ويكتب بالصور والإشارات بدلًا من الحروف الأبجدية المصطلح عليها.

ولتقريب هذا الفرق من باب التمثيل والتشبيه نقول إن ييتس يكتب بالحروف الأبجدية، ولكنها حروف غير واضحة ولا مشبعة بالمداد، وإن الشعراء الرمزيين يكتبون بالعلامات الهيروغليفية التي يأتي غموضها من طبيعة تركيبها لا من نُصُولها أو قلة المداد فيها. فلو أنهم ملئوها بالمداد وتناولوها بالتضخيم والتكبير لما انكشف عنها ما طُبعت عليه من غموض والْتِواء.

وأجمل ما وُصفت به معاني هذا الشاعر أنها «كأطياف الأحلام التي ينفثها الأرباب المهومون على مرآة الدنيا ثم يسوونها بمسحة من يد الحب وآهة من الرحمة.»

فذلك هو معدن كلامه، وذلك هو وصفه الصحيح، وهذه بعض أمثلة تنقل إلى القارئ العربي قبسًا بعيدًا من تلك الأطياف والأحلام.

***

قال في أبيات عن «الموت»:

لا الرهبة ولا الرجاء يصحبان الحيوان في ساعة موته

أما الإنسان فإنه ليتلقَّى آخرة الحياة

وهو يخاف غاية الخوف ويرجو غاية الرجاء

يموت مرات وينبعث من الموت مرات.

والعظيم في كبريائه يستقبل الأيدي الممدودة إليه بالقتل ولا يدري لِمَ هذا الإشفاق من وقفة الأنفاس

لقد عرف الموت في صميمه

إن الإنسان من بين سائر الأحياء لهو الذي وهب الموت الحياة.

***

وقال في عظمة ملقاة على الشاطئ:

غنَّت عظمة على الشاطئ فأهابت بالموت الغشوم

أيها الموت الغشوم أعد إليَّ أشياء ثلاثة:

طفلًا وادعًا قد وجد كل ما تتمناه الطفولة

من شبع أو غبطة أو راحة

على صدري الزاخر بغناه:

ذلك هتاف عظمة بيضتها الأمواج وجففتها الرياح!

الأماني العزيزة التي تعرفها المرأة

بها تغني العظمة على شاطئها

قالت العظمة: «ذاك … ورجلًا يوم أن كان جسدي حيًّا كانت ضمة منه تعطيه كل ما في الحياة من سرر.»

… عظمة بيَّضتها الأمواج وجففتها الرياح!

أما ثالثة الأماني فأعد إليَّ أيها الموت الغشوم ذلك الصباح الذي لقيت فيه وجهًا لوجه

رجلي المختار

وأرسلت جسدي يتمطَّى ويتثاءب

وقد كان …

ذلك غناء عظمة بيضتها الأمواج وجففتها الرياح.

***

وقال في الغزل:

على جانب المروج التقينا

عبرت المروج بقدمين من بياض الثلوج

وأوحت إلي: أن خذ الحبَّ سهلًا كما تنمو الأوراق على الغصون

فأبى لي الحمق والصبا أن أطيع

على جانب النهر التقينا

وأوحت إلى: أن خذ الحياة سهلة كما ينمو العشب على الأسوار

فأبى لي الحمق والصبا أن أطيع

وأراني اليوم ولي عينان شرقتان.

***

وقال وفيه إشارة إلى مذهبه في قداسة اللهو البريء:

إذا عزفت على الربابة في دوني

رقص الناس كما ترقص الأمواج

وابن عمي قسيس في كلفارنت

وأخي قسيس في «مهاربوي»

ومررت بابن عمي وأخي

يقرآن في كتب الصلاة

وأقرأ في كتاب الأغاني

كتاب شريته من سوق الريف

وسينتهي الزمان ونُفضِي إلى يوم القيامة

ونذهب إلى القديس بطرس حيث يجلس على عرشه عند باب السماء

وسيبتسم للأرواح الثلاثة الشامخة

ولكنه سيدعوني أولًا إلى الدخول

ذلك أن الخيِّرين في الدنيا هم المرحون

إلا في السوء والأذى

والمرحون يحبون الربابة

والمرحون يحبون الرقص والغناء

وسيراني الناس يومذاك

وسينادون مقبلين: ذلك هو منشد دوني!

ويرقصون كما ترقص الأمواج

***

ومن غزله بعنوان سرابيل السماء:

لو كانت لدي سرابيل السماء الموشاة

تزينها أشعة الذهب والفضة

في ألوان من الزرقة والظلام والظلال

بين ليل ونهار ونصف ليل أو نهار

لنشرت تلك السرابيل تحت مواطئ قدميك

لكنني أنا الفقير لا أملك غير نسيج الأحلام

فإليك السرابيل مبسوطة تحت قدميك

ترفقي فأنت على أحلامي تخطرين.

***

أثره الأخير

هذه نماذج من شعره لا نقول إنها تمثِّله كلَّ التمثيل، ولكنا نقول إنها أقرب موضوعاته إلى قراء العربية، وله فيما عدا ذلك أناشيد خفية الجرس كالأصداء التي تستعيدها الذاكرة ولا تُمسِكها الآذان، يستطيبها أناس من قرائه الغربيين وليس بينها وبين الشعر العربي نسب أو قرابة.

وقد مات الرجل في الثالثة والسبعين، وقضى معظم حياته في خدمة الأدب والثقافة وخدمة الأمة الأيرلندية من طريق الأدب والثقافة.

وكان آخر آثاره مجموعة من المختارات الشعرية التي نظمت بين سنة ١٨٩٢ وسنة ١٩٣٥ … تمت بها مجموعات أكسفورد من مختارات الشعر الإنجليزي من القرن السادس عشر إلى العهد الحاضر.

وقد جرى في الاختيار على مذهب أنكره بعض نقاد الإنجليز، وهو فيما يَرى مصيبٌ فيه كلَّ الصواب.

ذلك أنه استثنى أشعار الحرب جميعًا؛ لأن «الألم السلبي» كما قال موضوع لا يصلح للشعر وليس من الشاعرية في شيء.

ومن رأيه أن الحرب «إذا كانت ضرورية في عصرنا أو بلادنا فخير لنا أن ننسى أوجاعها كما ننسى أوجاع الحمى ونذكر فترات الراحة في هدأة من الليل ساعة تهبط الحرارة …»

وقد كتب الناقد روبرت ليند يومئذ يقول إن آلام أوديب الملك كانت موضوعًا صالحًا للفاجعة الإغريقية، وإن الآلام التي وصفها بعض شعراء الجنود المقاتلين من هذا القبيل.

وعندنا أن الآلام التي قصدها ييتس واستثناها من الموضوعات الشعرية هي الآلام الحيوانية التي لا علاقة لها بالمشيئة والعاطفة ولا فرق فيها بين شعور الإنسان وشعور الحيوان.

فصدمة في الركبة تؤلم، ولكنها تُعرض على الطبيب ولا تُعرض على الشاعر والقارئ، ولا يتسع لها مكان من الشعر إلا إذا اقترنت بعاطفة في نفس إنسانية أو كان لها مدلول يترجم في لغة الخوالج والمعاني.

وهذا الذي عناه الشاعر واستثناه، وأصاب الرأي فيما نراه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.