ذهبت يوم الجمعة الماضي إلى تياترو برنتانيا، وشهدت جوق أبيض يمثل رواية قلب المرأة، وهي فيما يقال رواية حديثة من وضع الكاتب المصري الأستاذ لطفي جمعة.

شاهدتها بعد أن مضت علي أشهر لم أشهد فيها التمثيل لا زاهدًا في التمثيل؛ ولكن لأنه ليس في متناول يدنا سكان الريف أن نرى التمثيل إلا إذا نحن حضرنا إليه في القاهرة.

وإني أذكر أن بعض أصحابي كان قد حدثني بشأن هذه الرواية، وأذكر أيضًا أن شبه ضجة صحافية كادت تقوم حولها؛ لذلك قد كنت في أشد الشوق لمشاهدتها؛ أملًا أن أجد فيها تحليلًا يجمع بين الفلسفة والأخلاق تحليلًا دقيقًا يرى فيه مُشاهِد التمثيل عِلمًا وعِبرة؛ فكرة تعرض، ونفسًا تحلل، وفضيلة تقام، ورذيلة تخذل، كما أنني كنت مشوقًا أيضًا لأرى التمثيل حبًّا في التمثيل.

ولا أنكر أن من بين الممثلين والممثلات من يستحق العطف، ولكن الرواية في ذاتها لم تسمح لأحد منهم أن ينال الإعجاب، فهي لا بطل لها يستدعي حبه، بل هي تحليل مجرد لقلب بغيٍّ ونفس سافلة، ووضع ذلك لينال من نفس السامع، وليصل إلى قلبه، وأما ما حول ذلك من نتائج عمل هذه البغي ففاتر باهت لا يخرج عن خطابة أو خطابتين يلقيهما زوج البغيِّ كترين كراستوف، وتكرار للحط من قدر المرأة، ورميها بأقبح الصفات، وإنزالها إلى أحط الدركات، وإظهار للرذيلة في مظهر جميل جذاب، واحتقار للفضيلة وللنظام فلا يستحقان الذكر، ثم تتنصل الرواية بعد ذلك من تهمة مناصرة الفساد، يجتمع آخر الأمر — بطريقة ظاهر فيها التصنع — جماعة من لعبت بهم البغي من الرجال، وكلهم حولها ضعاف لا يستطيعون أكثر من النظر إليها بعين الحقد، فلا تحتمل هي اجتماعهم على ضعفه فتتناول السم وتموت، فيحمد زوجها القدر أن ماتت مع أنه كان من زمن ينوي قتلها! وبكلمة أخرى يقول: بركة يا جامع! ويتسلل إخوانه سكوتًا، ويقول عاشقها الذي كرهته آخر حياتها: من أراد منكم القطار فليلحقه، أما أنا فباقٍ هنا حتى الصباح. وبهذه الكلمة تنتهي الرواية.

من النظريات الحديثة في الفن أن لا يعنى الكاتب أو النقاش أو المصور بنتائج ما يكتب ما دام في ذلك إعلاء لشأن الفن، وربما كانت هذه النظرية هي المذهب الذي اتخذه مؤلف قلب المرأة، فلم يكن من غرضه إلا مجرد تحليل قلب نسائي تحليلًا سيكولوجيًّا بحتًا يظهر فيه للرجال مبلغ خبث النساء ومكرهن، ويظهره على ما هو في الواقع المحسوس حتى يكون المسرح قطعة حقيقية مما يدور في الحياة، فإن كان ذلك فليسمح لنا المؤلف أن نخالفه في رأيه؛ ليست الحياة على ما صوَّر في روايته، ليس كل ما في الحياة دار عاهرة تلعب بقلوب الرجال، ويتهافت عليها الرجال وهم عن كل ما سواها عَمُونَ، وليس النساء هم من وصف في روايته، اللهم إلا عند أهل الأجيال السابقة الذين جعلوا المرأة مخلوقًا لا روح له، وعند طبقة الفاسدين من المُثرين الذين يعتقدون جسم المرأة، أيًّا يكون، متاعًا يُباع ويُشترى.

إن في الحياة جمالًا وفضائلَ تستحق أن يتناولها القلم القدير، أما تناول ما في الحياة من خبيث ورجس، فذلك اختيار الغراب للجيفة وإن كان نظيف ما يمكنه أن يطعم قريبًا منه وفي متناوله.

وأما إن كان مؤلف «قلب المرأة» ممن يرون الحياة المتعارفة لا تستحق الوصف، فكل الناس بها عليم، وإن كان الكاتب يحب أن يبحث عن شيء غريب يهديه لقرائه ولسامعيه؛ فإن في الحياة من الغرائب ما بلغ في غرابته قمة الجمال والحسن. وخير أن يهدي الله لهذه الأمة التي لا تزال في أول تطلعها للحياة الجميلة محاسن ما في الحياة من طيبة نفس، وطهارة حب، وسمو فضيلة، فإذا تخلل هذا النوع من الأدب نفسها، وبلغت من تفهمه حتى أصبح مبتذلًا عندها؛ كان على الكتَّاب أن يفتشوا في السجون وفي المستشفيات، وفي الملاهي وفي دور الفُجر والعهر عن غرائب الأخلاق وعجائب الطباع يطلعون عليها القراء يفيدون منها المعرفة، ويتخذونها درعًا إذا مسَّ ما عرفوه من فضيلة وطُهر أي سُوء.

أما التقدم لهم بهذا النوع المريض الذي لم تصل إليه أوروبا إلا بعد أن قطعت مراحلَ وقرونًا في الأدب الصحيح المعافى، فإيقاف للطفل تحت رذاذ المطر ووسط أوحال الطريق، قد يُسرُّ الطفل مما يبعثه المطر إلى نفسه من الانتعاش، ولكن لا يلبث حين يريد أن يتخطى وسط الأوحال أن يسقط إلى أم رأسه، ويبقى مرتكسًا ثم من يدري إذا وجد من ينقذه.

كل هذا نقوله من غير أن نتعرض لقيمة الرواية الفنية. إن الأكثر من رواياتنا التي تمثل على المسارح لا يستحق ذكرًا، فإذا أراد الناقد أن يجعل للجهة الفنية في كل رواية موضعًا من نقده لم يك به إلا أن يطلب إقفال التياترات أو إلا قليلًا، ولكن ما لا قبل لنا باحتماله هو أن تُضحى الفضيلة، وأن تُنصر المبادئ المفسدة، ويصفق لها شبيبة كتابنا أحرى الناس بأن يقوموا على أخلاقهم، فلا يقدموا لهم إلا أدبًا طيبًا معافًى.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.