لا أريد عنوان فصل من الفصول، وإنما أريد عنوان حزب من الأحزاب؛ فقد أبى صدقي باشا حين كان يصول ويجول أمس إلا أن يجعل لحزبه عنوانًا، وأبت الأقدار إلا أن يكون هذا العنوان صاحب السعادة علام باشا، فإذا علمت أن الصدقيين والعبفتيين إنما يختصمون في حزب الشعب: لأيهم يخلص؟ وعلى أيهم يقصر؟ وفي يد أيهم يكون؟ وإذا علمت أن عنوان حزب الشعب هذا هو علام باشا، فقد تبتسم كما ابتسم، وقد توافقني على أن القوم لا يختصمون في شيء عظيم.

على أن لكل قول ردًّا، ولكل هجمة دفعًا، وما نظن رئيس الوزراء يقبل من صديقه وخصمه هذه السمة التي وسم بها حزب الشعب حين جعل علام باشا له عنوانًا، وما نظن إلا أن رئيس الوزراء سيجادل في هذا أشد الجدال، ويناضل في هذا أشنع النضال، ويتخذ الحزب عنوانًا آخر غير علام باشا؛ هو المنزلاوي بك. وإذن فستكون الخصومة حول العنوان بعد أن كانت الخصومة حول الصميم، وسيدور الأمر بين القائدين المختصمين حول هذين الشخصين العظيمين القاذف والمقذوف، وسيختار الشعبيون بين هذين العنوانين: فأما أنصار السلم والهدوء، والذين يؤثرون العافية، ويديرون الخد الشمال إذا دوعب الخد اليمين؛ فسيؤثرون العنوان الذي آثره صدقي باشا. وأما أصحاب العزم الحر، والبأس المر، والشجاعة النادرة، والبراعة الباهرة، والقدرة التي لا تعرف العجز، والإقدام الذي لا يألف الإحجام؛ فسيؤثرون العنوان الذي يؤثره رئيس الوزراء، وسنرى أي الفريقين ينتصر، وأي الفريقين ينهزم، فإن موقعة الغريب أمس لم تنجل كما قدرنا عن فوز ظاهر وانتصار مبين.

ولا بد هنا من تصوير الحقائق كما هي؛ فإن من أصعب ما يروم المؤرخون وصف المواقع الحربية لكثرة ما فيها من الاختلاط والاضطراب، حتى زعم بعض المؤرخين أن وقائع الحرب لا يمكن أن تُسجَّل في تفصيلها؛ لأن العلم بدقائقها ممتنع، والوقوف على أسرارها مستحيل. وأول ما نلاحظه أن الصدقيين يشكون ويسرفون في الشكوى — وليس من الشجاعة ولا من البراعة أن يشكو الأبطال وأفذاذ الرجال — وهم يشكون من أشياء طالما أتوها، وسيئات طالما غرقوا فيها لا إلى الأذقان، بل إلى الآذان، فهم يشكون ويبكون لأن الوزارة تخذل عنهم الناس، وتحبس عنهم النواب والشيوخ.

والوزارة لم تصنع معهم شيئًا بالقياس إلى ما صنع زعيمهم مع خصومه حين كان إليه الأمر والنهي، وحين كان يسير المديرون والمأمورون، وحين كان يرصد الجند والشرطة سرًّا وجهرًا، ويبثهم في الشوارع والحارات، وفي المدن والقرى، وفي الطريق العامة، وحين كان يُسلح القطارات ويختطف الناس، ويحتفر الخنادق، ويقيم المتاريس، ويأمر بإطلاق الرصاص. لم تصنع الوزارة معه بعض هذا ولا قليلًا من بعض هذا.

ولو قد شاء القيسي باشا لحال بينه وبين الغريب، ولو قد شاء لاختطفه من الغريب خطفًا، ولو قد شاء لأرصد له كتائب الجند والشرطة ترد الناس عنه، وترده عن الناس، في الغريب والقاهرة، ولو قد شاء لحال بينه وبين نادي حزب الشعب، أو لما أذن للناس بلقائه في حزب الشعب إلا بمقدار، ولو قد شاء لاعتبر اتصاله بالناس واتصال الناس به خطرًا على الأمن، وإفسادًا للنظام.

لو قد فعل القيسي باشا بعض هذا أو كل هذا، أو أكثر من هذا؛ لما أنفذ في صدقي باشا إلا حكم العدل في هذه الأيام السود، فإن التسوية في الظلم لون من ألوان العدل، وفن من فنون الإنصاف، وما دام صدقي باشا قد أذاق الناس مرارة هذا الظلم، وكان يجد في ذلك لذةً ومتاعًا، فمن الحق أن يذوق بعض ما أذاق الناس، ومن العدل أن يستمتع ببعض ما استمتع به الناس من النعيم، وما ينبغي للرجل أن يطغى ويظلم حين تواتيه الظروف، ثم يبكي ويشكو حين يمسه بعض الشر، إنما الشجاع حقًّا من يأخذ ويعطي، والشجاع حقًّا من يذوق ويذيق.

وليس ينبغي لصدقي باشا أن ينتظر من تلاميذه رحمة له، أو عطفًا عليه، فهم إن فعلوا أدوا شهادة لا تليق، وحكموا على أستاذهم بأنه لم يحسن التعليم، ولم يخرج للنظام الحاضر تلاميذ نجباء. وإذا كان صدقي باشا قد مسه الضر، وألح عليه الشر، وشق عليه احتمال العذاب، وإذا كان صدقي باشا مشوقًا إلى الرحمة، متحرقًا إلى الحرية؛ فلينتظر، وليحتمل، وليصبر؛ فسيذوق الرحمة حقًّا، وسيعرف الحرية حقًّا، يوم ترد أمور مصر إلى مصر، ويوم يشرف المصريون على أمورهم حقًّا، ويوم يكون في مصر وزراء غير الوزراء، ونواب غير النواب، وشيوخ غير الشيوخ، يوم ترد أمور مصر إلى الذين لا يحتاجون إلى الإدارة في إظهار قوتهم وثقة الناس بهم، واطمئنان الأمة إليهم، فأما قبل هذا اليوم فلن يرى صدقي باشا إلا مثل ما أرى خصومه حين كان رئيسًا للوزراء، ولو أنصف صدقي باشا نفسه وتلاميذه للام الوزارة؛ لأنها لا تشتد معه كما ينبغي، ولأنها لا تعلمه كيف تكون الحياة في ظل هذا العهد السعيد.

أقدم إذن صدقي باشا على الميدان أمس متخاذلًا بعض الشيء، قد شكا وبكى وأسرف في الشكاة والبكاء، والناس يزعمون أن جنوده لم يكونوا كثيرين؛ لأن الوزارة أسرت بعضهم وربحت بعضهم، والناس يزعمون أن جنوده كانوا كثيرين قد أفلتوا من الوزارة وخلصوا سرًّا إلى الميدان، والناس يزعمون أن صدقي باشا رجل قوي يتكلف الضعف، ويخفي أسماء الجند إشفاقًا عليهم أن تفتنهم الوزارة، أو إشفاقًا منهم أن ينكروا ما عرفوا، ويجحدوا ما عملوا، والحرب خدعة قوامها الكيد، وصدقي باشا خير من يكيد، ولكن الخطبة التي ألقاها صدقي باشا لم تكن خيرًا من الخطبة التي ألقاها عبد الفتاح يحيى باشا، وقد أحس صدقي باشا نفسه ما في خطبته من الضعف والعيب، فسجَّله واعتذر منه، وألقى تبعته على رئيس الوزراء، وصدقي باشا معذور؛ فهو لا يستطيع أن يرد بالكلام القيم على كلام ليست له قيمة، وهو لا يستطيع أن يرد بخطبة قوية على خطبة ضعيفة، وإذا شب خصمك نارًا ضخمة، ولكن قوامها الورق والقش، فمن الحمق أن تسلط عليها ماءً قويًّا عنيفًا؛ إنما يكفي أن تنفخها نفخًا، أو ترسل عليها قطرات يسيرة من ماء.

وكذلك نفخ صدقي باشا خطبة رئيس الوزراء فأطفأها أمس، ثم اعتذر إلى السامعين من أنه مضطر إلى ألا يتحدث إليهم بجديد؛ لأن خصمه لم يقل للناس جديدًا، ومع ذلك فقد اشتملت خطبة صدقي باشا على طائفة من السهام رشيقة لبقة نافذة، لا تدعو إلى الإغراق في الضحك، ولا إلى التصفيق بالأيدي، ولا إلى الخفق بالأقدام، وإنما تدعو إلى الابتسام الخفيف الذي يمتلئ بالازدراء والإشفاق، ولم يكن صدقي باشا مهاجمًا، وإنما كان مدافعًا.

زعم رئيس الوزراء أنه مريض قد ألح المرض عليه حتى باعد بينه وبين الصواب في القول والعمل، فزعم صدقي باشا أن رئيس الوزراء رجل مغتبط دائمًا، مبتهج دائمًا، لا يحس ثقل الحياة، ولا يرى الأشياء كما هي، وإنما يراها في لون وردي متصل، وأن الأمور الخطيرة تعرض له فلا يحاول أن يفهمها إلا كما يفهمها المغتبطون، وأنه يقول أشياء لا كما يتصورها هو؛ لأنه مغتبط دائمًا، بل كما يُصوِّرها له المصورون، وأنه يسأل عن أشياء هو أعلم الناس بها فلا يثير على وجوه سامعيه إلا الابتسام، والغمز بالحواجب والعيون.

ولسنا ندري أي الصورتين أبلغ في الاستخفاف: أتلك الصورة التي أظهر فيها رئيس الوزراء خصمه مريضًا قاصرًا عن العمل، محتاجًا إلى الراحة، أم هذه الصورة التي أظهر صدقي باشا فيها خصمه فرحًا مرحًا سعيدًا، ناعم البال، لا يحفل بشيء، ولا يحفل به شيء، وإنما يؤتى بالكلام فيقوله، ويؤتى بالأعمال فيقرها، ويتحدث بعد ذلك إلى الناس فيضحكون؟

أما أنا فأحب الصورتين جميعًا؛ لأنهما رشيقتان حقًّا، قيمتان حقًّا، تدلان على أن أمورنا العامة بخير ما دامت تخرج من يد المريض القاصر عن العمل، لتقع في يد الفرح المرح الناعم البال، وأنا أحب هاتين الصورتين؛ لأنهما تدلان على أن الأدب العربي بخير، وعلى أن الخطابة السياسية قد وثبت وثبة لم يعرفها العرب من قبل، وأين يقع خطباء العرب وخطباء غير العرب من هذين الخطيبين البارعين اللذين يصوران، فإذا هما يضعان أيدي الناس على صور بارزة قوية رائعة تفرض نفسها عليهم فرضًا.

وسهم آخر في خطبة صدقي باشا رشيق سريع، أمضى من لحظ العيون، وأنفذ من حلال السحر وحرامه معًا، وهو هذا الذي رمى به الوزيرين الشعبيين اللذين اشتركا مع رئيس الوزراء في الوزارة، حين قال: إنهما كانا في الوزارة أقلية ضئيلة «ليست مما يمكن الاكتفاء به والركون إليه لا في النوع ولا في العدد.»

أما في العدد، فاثنان ليس شيئًا بالقياس إلى ثمانية، وقد كان يحسن أن يعزز الوزيران الشعبيان بثالث كعلام باشا مثلًا، وأما النوع فهذا بيت القصيد، وهذا موضع النكتة، وهذا هو السهم الذي إذا رُمِيَ لم يقف حتى يصيب الرمية، وينفذ منها؛ فقد نحب أن نعلم لماذا لا يكون الوزيران الشعبيان مما يمكن الاكتفاء به والركون إليه من جهة النوع. أكان الوزراء كلهم من ذهب وكان هذان الوزيران من نحاس؟ أكان الوزراء كلهم أكفاء وكان هذان الوزيران في حاجة إلى الكفاية، أم ماذا؟

إن هذه الكلمة تحتمل تأويلًا كثيرًا، وتخريجًا لا ينتهي، وتأتي بلاغتها من أنك تستطيع أن تُؤَوِّلها كما شئت، وتفسرها كما أحببت، وتسأل صدقي باشا عن تأويلك وتفسيرك، فيجيب: أردت كل شيء ولم أرد شيئًا، ولست أدري كيف يستطيع الوزيران الشعبيان أن يلقيا هذه الكلمة بالصمت والإغضاء، ولست أدري كيف يستطيع رئيس الوزراء أن يصبر على هذه الكلمة، وهو الذي أعلن منذ أسابيع أنه لا يسمح بأن تمس كفايات الوزراء؛ فقد مس صدقي باشا كفاياتهم مسًّا خشنًا لا رفق فيه، فليت شعري أيلقى رئيس الوزراء هذا السهم الذي وجه إلى الوزارة مغتبطًا، أم يلقاه محزونًا كئيبًا؟ وصدقي باشا لم يرد أن يختص بسهامه الوزراء وحدهم، بل تفضل بسهم على أنصار الوزارة جميعًا، فذكر ما وعد به رئيس الوزراء من تأييد الحكومة وتشجيعها للذين يخلصون لها، وتمنى أن يفي رئيس الوزراء بالوعد؛ فيحقق الآمال، ويرضي الحاجات.

وفسر أنت هذا كما شئت، وأوِّل أنت هذا كما أحببت، فصدقي باشا قد أراد كل شيء، ولكنه في الوقت نفسه لم يرد شيئًا.

وعلى هذا النحو مضى صدقي باشا في خطبته مداعبًا لاذعًا كما مضى عبد الفتاح يحيى باشا في خطبته من قبل مداعبًا لاذعًا. ومن حق الناس أن يتساءلوا: أي المصريين أحق أن يغتبط بهذه الخصومة حقًّا، فيكتب فيها الرسائل الطوال، وينظم فيها القصائد البارعة؟ ونظن أن الجواب على هذا السؤال يسير، فالخصومة كلها تدور حول الدكتور رفعت باشا. أليس الدكتور رفعت باشا خليقًا أن يكون أسعد الناس، وأنعم الناس، وأشد الناس غبطة، وأكثر الناس ابتهاجًا؛ لأنه أثار بين الأصدقاء هذه الحرب الضروس، ويوشك أن يكون شخصه الكريم مصدرًا لا لسقوط الوزارة، بل لسقوط حزب بأسره، بل لسقوط حزبين، بل لسقوط أحزاب، بل لتغيير الحال والمآل، فإذا لم يكن هذا دليلًا على ارتفاع الشأن، وعلو القدر، وجلال الخطر، فماذا تريد أن يكون؟ أرأيت أن الجامعة المصرية لم تخطئ حين قدرت رئيس مجلس النواب فمنحته لقب الدكتوراه؟

بارك الله في الجامعة كأنما كانت تنظر بعين الغيب، وكأنما كانت تقدر أن الدكتور رفعت باشا سيثير الخلاف بين عمد السياسة الرسمية القائمة، فيريح المصريين من شرٍّ كثير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.