يمتاز هذا العام بكثرة المؤتمرات والمعاهدات والاتفاقات التي عقدت فيه، أو تقررت أثناءه. فيه عقد مؤتمر جنيف لإنهاء الحرب في الهند الصينية، وفيه أقرَّت الدولُ الغربية مواثيق لندن وباريس، وفيه عقدت معاهدة الصلح بين روسيا والنمسا، وفيه يُعقد المؤتمر الآسيوي الأفريقي، وفيه يتوقع الناس أن تَعقِد الدول الأربع الكبرى؛ أمريكا وإنجلترا وفرنسا وروسيا، مؤتمرًا لبحث الحالة في العالم.

فيه عُقدت هذه المؤتمرات والمعاهدات وغيرها، وكلها ترمي إلى تصفية جو العالم من التوتُّر العنيف الذي ساده منذ انتهت الحرب العالمية الثانية، وإلى إقرار السلام إذا كان هذا الإقرار مستطاعًا. وأنت مع هذا ترى في المعاهدات التي عُقدت تناقضًا، وترى فيها ما لا يتَّفق وأغراض السلم التي يُعلن الجميع أنهم يَسعون إلى توطيد أركانه.

وقد أعلنت روسيا السوفيتية منذ أشهر أنها لا ترضى عن عقد اتفاقات لندن وباريس لتسليح ألمانيا الغربية، وذهبت في هذا إلى مدًى بعيد، حتى لقد ألغت المعاهدات التي كانت معقودة بينها وبين إنجلترا، وبينها وبين فرنسا، حين تم إقرار هذه المعاهدات. وتسليح ألمانيا الغربية حلقة من سلسلة الدفاع المسلح الذي تعلن الديمقراطيات الغربية أنها تريد به منع الحرب، وترى روسيا أنه تحرُّش بها واستعداد لحرب تُعلنها هذه الدول الديمقراطية عليها.

وهذا لا يتفق بطبيعة الحال مع فكرة توطيد السلام التي يتحدث الروس وتتحدث دول الغرب عنها. أتُرانا نستطيع التوفيق بين هذا التبايُن في الاتجاه الشرقي، أو في الاتجاه الغربي، وبين ما يقال عن توطيد أركان السلام. وإذا نحن لم نستطع التوفيق، فهل نستطيع على الأقل تفسير هذه المواقف المتضاربة المتناقضة؟

تفسير هذه الظاهرة أن العالم يسوده اضطراب فكري يجعل كبار الساسة فيه عاجزين عن أن يَتَبيَّنوا طريقهم السويَّ على نحو ما كانوا يفعلون في القرن الماضي. وهذا الاضطراب الفكري يزداد ما بين آونة وأخرى؛ إذ يطالعهم العلم بمكتشفات لم تكن في حسابهم من قبلُ. وهم لهذا يتحسَّسون طريقهم كل صباح، ويَحيَون يومهم مُتربِّصين ما يجيء به الغد. وهم إلى ذلك مختلفو المُيول والنَّزعات اختلافًا زاده منذ الحرب العالمية الأولى ظهورُ قوًى جديدة في العالم لم يكن يحسب حسابها من قبلُ. وفي هذا المضطرب يتأرجح العالم منذ سنوات.

وقد يعاوننا على إيضاح هذه الحال القلقة أن نرجع بذاكرتنا إلى سنة ١٩١٧، حين انهزمت روسيا القيصرية في الحرب العالمية الأولى، وقام لينين وحزبه بإحداث الثورة الشيوعية في روسيا، فلم تلبث تلك الحرب العالمية الأولى أن تضع أوزارها في نوفمبر سنة ١٩١٨ حتى بدأت الديمقراطيات الغربية تنظر إلى هذا الحدث الجديد؛ حدث قيام الثورة الاشتراكية في روسيا، بعين التوجُّس والحذر. ولم يَكفِها ذلك بل اندفعت تقاوم ما هو حادث في روسيا بالقوة المسلحة.

لكن الثورة الروسية بقيت مع ذلك مندفعة في تيارها، وبخاصة بعد أن فشلت الجهود الديمقراطية في القضاء عليها. ويومئذ عادت أمريكا إلى عزلتها التقليدية إذ ذاك، وأخذت روسيا تُقر نظامها الشيوعي وتُقيم قواعده، وتُعلن في الناس أن ثورتها ليست إلا مقدمة لثورة عالمية غايتها أن يسود النظام الشيوعي أرجاء العالم كله، لكنها لم تستطع أن تحقق برنامجها في الشعوب الديمقراطية وتدخل عليها عقر دارها، كما لم يستطع العالم الديمقراطي أن يتغلب على روسيا وأن يفسد تدبيرها في عقر دارها.

وفي هذه الأثناء كانت سياسة الدول الغربية متجهة إلى توطيد أركان السلام الأوروبي بالاتفاق مع ألمانيا، إيمانًا منها بأن سلام أوروبا لا استقرار له ما لم تكن ألمانيا شريكة في العمل على إقراره. لكن هذه المجهودات أتاحت لأدولف هتلر أن يقوم في ألمانيا، وأن يجاهد لتحطيم كل القيود التي كانت مفروضة عليها نتيجة لهزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وأن يبلغ من ذلك حتى يصبح عاهل الرايخ الألماني، ويجعل من ألمانيا القوة الحربية الكبرى في أوروبا كلها. عند ذلك نسيت الديمقراطيات الغربية أو تناست خصومتها مع روسيا الشيوعية، واتجه التفكير فيها لمقاومة النازية الناشئة التي بلغت من القوة في سنوات قليلة ما لم يَدُر بخاطر دولة من الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى أنها تستطيع أن تبلغه بمثل هذه السرعة.

وانتهى ذلك إلى الحرب العالمية الثانية بين الديمقراطيات الأوروبية والنازية الألمانية، وانتصرت ألمانيا في العام الأول من الحرب، ثم صمدت لها إنجلترا فاتجهت نحو الشرق وأعلنت الحرب على روسيا. عند ذلك أعلن ونستون تشرشل — رئيس الوزارة البريطانية — أنه حليف روسيا. ولما اعترض بعضهم عليه بأن روسيا شيوعية، وأنها عدو للديمقراطية؛ قال كلمته المشهورة: «إنه مستعد لمحالفة الشيطان ليبلغ النصر على النازية.»

وعند ذلك دخلت اليابان الحرب مُعتديةً على بيرل هاربر، فدخلت أمريكا الحرب كذلك، وأصبح العالم كله أتونًا فظيعًا، وزاد من فظاعته أن أمكن تفتيت الذرة وصنع القنابل الذرية. فلما انهزمت ألمانيا آخر الحرب وسلَّمت اليابان بعد إلقاء القنبلتين على هيروشيما ونجازاكي؛ بقي العالم لم تُعقد فيه بين الدول المنتصرة والدول المنهزمة معاهدات صلح على نحو ما كان يجري من قبلُ في كل الحروب، وأن المنتصرين لم يتفقوا فيما بينهم على صورة العالم الذي يعقب تلك الحرب.

وسرعان ما عادت الخصومة من جديد بين الشيوعية والديمقراطية. فلم تمضِ على نهاية الحرب سنة واحدة حتى بدأ الكلام عن حرب جديدة ضد روسيا يملأ أعمدة الصحف الأمريكية. صحيح أن الدول الأوروبية لم تُصبها هيستريا الحرب، على تعبير أحد الإنجليز الذين لقيتهم بنيويورك سنة ١٩٤٠، وكان ذلك طبيعيًّا وقد عانت هذه الدول من ويلات الحرب تخريبًا وتدميرًا يحتاج إصلاحه السنينَ الطوالَ، على حين لم يُصِب أمريكا من هذا الخراب شيء.

لكن الدول الأوروبية لم تكن تستطيع أن تعترض التيار الأمريكي في هذا الاتجاه أو في غيره؛ لأن أمريكا كانت تمدها جميعًا بمعاونات مالية ضخمة لتُعمِّر بها ما خرَّبت الحرب؛ لذلك اشتدت الخصومة بين المعسكرين الديمقراطي والشيوعي، ونشبت الحرب الباردة التي أظلَّت العالم من يومئذ ولا تزال تظلُّه إلى اليوم.

لكن شعوب العالم، والشعب الأمريكي والشعب الروسي من بينها، لم تكن مستعدة لقبول فكرة الحرب، ولم يكن يجول بخاطرها قط أن تخوض غمارها. فماذا عسى يصنع الساسة؟ لقد رأت الديمقراطية أن الشيوعية تزحف زحفًا مطردًا على الدول المجاورة لها؛ ففي قبضتها النصف الشرقي من ألمانيا، وقد استطاعت أن تحدث انقلابات في بولونيا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا وسائر الدول التي فصل الستار الحديدي بينها وبين بقية أوروبا، وقد استطاعت فضلًا عن ذلك أن تمد نفوذها في آسيا إلى الصين، وأن تصبح حليفة لسكانها الخمسمائة مليون. وهي تعلن أنها لا تريد الحرب، وإن كانت مستعدةً لدفع كل عدوان عليها أو على الدول الواقعة في فلكها. أما والشعوب لا تريد الحرب، فلا بد أن يُقنع الساسة شعوبهم بأنهم يبذلون جهدهم لمنع الحرب، وأن ما ينفقونه في سبيل التسلُّح من أموال وجهود لا يُقصد به إلى الحرب، بل إلى منعها.

وفي هذه السنوات العشر التي انقضت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان السباق في إنتاج القنابل الذرية والهيدروجينية، وكانت التجارب التي تقوم بها أمريكا في صحراء نيفادا، والتي تقوم بها روسيا في سهول سيبيريا تزيد شبح الحرب فظاعة، وتزيد الناس فزعًا من هولها ودمارها. إذ ذاك بدأ الساسة في أمريكا وروسيا والدول الكبرى كلها يزداد تقديرهم لنفور الشعوب من الحرب، وبدأ الكل يفكرون في وسيلة لتجنُّب الحرب، لكن ذلك لم يمنعهم من تقدير ما بين الشيوعية والديمقراطية من خصومةٍ لم يهتد أحد إلى وسيلة ناجحة للتغلب عليها.

وفي هذه الأثناء، ظهرت الدول الجديدة التي انضمت إلى الأمم المتحدة، وبدأت تحتل في الحياة الدولية مكانًا ظاهرًا. وكانت الهند في مقدمة هذه الدول، وكان زعيمها البانديت نهرو أول من دعا بعزمٍ وقوة إلى نظرية «التعايش السلمي»، فيظل الشيوعيون على شيوعيتهم، والديمقراطيون على ديمقراطيتهم، ويعيشون مع ذلك في حسن جوار يَحسِم خصوماتهم، ويقشع من جو العالم صَخَبَ الحرب المُخيِّمة عليه.

لقيت دعوة نهرو هذه أذنًا سميعة في أوساط دولية كثيرة، وبدأ ساسة الدول الكبرى يفكرون في موقف الدول التي ظهرت حديثًا على مسرح السياسة العالمية فيما إذا وقعت الحرب. لقد كانت هذه الدول تساق فيما مضى إلى الحرب سوقًا، فلما كانت الحرب العالمية الثانية رفَضتْ بعضُها أن تُذعن لتقديم أبنائها طعامًا للنيران. فإذا كان ذلك شأنها في سنة ١٩٣٩، فستكون أقوى شكيمة الآن وقد أصبحت مستقلة، وأصبح لها رأيُها إزاء الدول الكبرى. فإذا لم تشترك هذه الدول الجديدة في الحرب أصاب الدمار الدول الكبرى دمارًا يزيد أضعافًا على ما أصابها في الحرب الأخيرة.

هذه عوامل متضاربة أدت إلى الاضطراب الفكري الذي يسود العالم اليوم، والذي يجعل الساسة يحاولون جهدهم منع الحرب؛ ولهذا تُعقد المُحالفات، وتجتمع المؤتمرات، ويتكلم ذوو الرأي؛ يحاولون جميعًا أن يصلوا إلى إنقاذ العالم من كارثة لا يعلم أحد مداها. وإنا لنرجو مخلصين أن تتنفس هذه المؤتمرات عن تقوية أمل العالم في السلام؛ فالسلام وحده هو الذي ينقذ الحضارة في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ العالم، وهو الذي يجعل مبتكرات العلم كبيرة الفائدة لخير الإنسانية، بدل أن تكون وسيلة لدمارها وفنائها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.