هي أهون الكلمات التي يمكن أن نُعبر بها عمَّا حدث أمس في المحكمة الشرعية، حيث اجتمع المحامون الشرعيون لينتخبوا لهم نقيبًا، ولينتخبوا من تحتاج النقابة إليهم من الأعضاء.

فقد أصابت الوزارة من هؤلاء المحامين الشرعيين صدمة عنيفة لم تمضِ دون أن تترك في الوزارة ندوبًا وآثارًا. وكان عدد المحامين ضخمًا، وكان أمر المحامين حزمًا كله، وكانوا قد أقبلوا من أنحاء مصر القريبة والبعيدة مُصمِّمين على أن يُفهموا الوزارة، ويلقوا في روع أنصارها، أن من الناس من يستخذي ويستكين ويخاف السلطان حين يجور، ولكن منهم من يستشعر العزة والكرامة فلا يخاف جورًا مهما يعظم، ولا يرهب ظلمًا مهما يسرف، ولا يذعن للسلطان فيما لا طاعة للسلطان فيه.

ومن قبل ذلك كان نذير الوزارة قد انتهى إلى المحامين الأهليين، فلما اجتمعوا قرءوه ثم أنكروه، ثم طرحوه ومضوا أمامهم لا يحفلون إلا بالحق، ولا يحتفظون إلا بالكرامة، ولا يقفون إلا عند العزة والإباء.

نعم، ومن قبل ذلك انتخب المحامون الأهليون نقيبهم وأعضاءهم مُعرِضين عن وعيد الوزارة، مُنكِرين لهذا الوعيد، ولم يكد نبأ انتخابهم يصل إلى الوزارة حتى جدت وكدت وحملت غيرها ألوانًا من الجد والكد لتنفذ الوعيد، وترد الصدمة، فصنعت هذا التشريع الغريب وأذاعته بين الناس، ونظرت تلتمس آثار هذا الإبراق والإرعاد والإنذار والإبعاد، فلم تر إلا هزًّا للرءوس، ورفعًا للأكتاف، وإغراقًا في الضحك، وإصرارًا على الإعراض.

لأن الناس مهما تلح عليهم الفتنة، وتثقل عليهم المحنة لا يستطيعون أن ينظروا إلى المزاح كما ينظرون إلى الجد، ولا يستطيعون أن ينظروا إلى السياسة التي تصدر عن أشخاص لتصيب أشخاصًا، كما ينظرون إلى السياسة التي تصدر عن الوزارة لتصلح أمور شعب من الشعوب، ولأن الناس أعلم بالوزارة، وأنصار الوزارة، وميول الوزارة من أن تقنعهم هذه الحجج الواهية، وهذه البراهين المفككة التي اشتملت عليها المذكرة الإيضاحية لهذا التشريع.

قرأ الناس إنذار الوزارة فعرفوا أنها مُحنِقة على مكرم تريد أن تبعده عن النقابة، فضحكوا ثم أعرضوا، وقرأ الناس تشريع الوزارة وما قدمت بين يديه من مذكرة توضحه وتحل ألغازه؛ فعرفوا أن الوزارة محنقة على مكرم تريد إخراجه من النقابة فضحكوا ثم أعرضوا.

وكانت الوزارة قد أرادت أن تجعل عدلها شاملًا كاملًا، فلا تحول بين مكرم وحده وبين النقابة، بل تشرك معه نفرًا من أصحابه، فرفضت نصًّا كان قد وضع لها، ووضعت مكانه نصًّا جديدًا ليكون حبها للمحامين الأهليين شائعًا بينهم جميعًا، مقسومًا عليهم جميعًا، ثم اشتد في نفس الوزارة حب العدل، وقوي في نفس الوزارة إيثار المساواة، فرفقت بالمحامين الشرعيين، وعطفت عليهم، وسوت بينهم وبين المحامين الأهليين فيما تفضلت به من بر وإحسان؛ فلم تكتف بتهيئة قانون واحد، بل هيَّأت قانونين، ولم تكتف بإصدار مذكرة واحدة، بل أصدرت مذكرتين.

وهؤلاء المحامون الشرعيون قد اجتمعوا أمس فقرءوا إنذار الوزارة، وقرءوا القانونين والمذكرتين، ثم ضحكوا وأعرضوا ومضوا في انتخاباتهم كأنهم لم يقرءوا شيئًا، وكأن الوزارة لم تصنع شيئًا. نستغفر الله، بل مضوا في انتخاباتهم لأنهم قرءوا، وأرادوا أن ينكروا على الوزارة ما قرءوا، وأن يقولوا للوزارة إنها تستطيع أن تصدر الإنذارات، وتهيئ القوانين، وتبدع في كتابة المذكرات، ولكنها لن تستطيع أن تحمل كرام الناس على أن يذلوا، وأحرار الناس على أن يذعنوا، وأُباة الناس على أن يقبلوا الضيم.

وقد تحدَّث الناس أن الوزارة لم تكد تهيئ قانونيها وتصدر مذكرتيها حتى استشرعت قوة وبأسًا، وابتسم لها الأمل، وغمرها ضوءُه المشرق، واستيقنت أنها ستبلغ من إخضاع المحامين الشرعيين ما لم تبلغ من المحامين الأهليين، وستمحو بانتصارها على أولئك آثار هزيمتها أمام هؤلاء، فانتظرت واثقة، ولكنها لم تظفر بعد الانتظار إلا بما حدث أمس.

وفيما حدث أمس ما يثير الحزن، ويدعو إلى اليأس، ويحمل على الإذعان للقضاء لو أن الناس يعقلون، وفيما حدث أمس ما يغيظ ويحفظ ويثير الغضب، ويدفع إلى الحدة، ويطلق الألسنة بنذير جديد، ويلقي في القلوب التفكير في قانون جديد. لو عقل أنصار الوزارة لنصحوا لها أن تذعن لحكم الله فيها؛ فهي لن تبلغ بضعفها من مصر ما عجز صدقي باشا عن أن يبلغه بقوته وبأسه، ولكن الذين يعقلون قليلون.

وأكبر الظن أن قومًا سيشيرون على الوزارة بأن تلتمس وسيلة لإلغاء انتخابات أمس، ولا وسيلة إلا أن تضيف نصًّا جديدًا إلى المشروع الجديد؛ فقد وقع انتخاب أمس بعد أن هيئ القانون وقبل أن يصدر؛ فهو إذن انتخاب صحيح تُجرى عليه أحكام القوانين القائمة، ولا بد للوزارة إن أرادت إلغاء هذا الانتخاب من أن تغير مشروعها فتسحبه على الماضي سحبًا، وتجره إلى الماضي جرًّا، كما فعلت بقانون المحامين الأهليين.

وليس ما يمنع الوزارة من ذلك، بل ليس شيء يستطيع أن يمنع الوزارة من شيء؛ فما دامت تستطيع أن تلغي ما تريد إلغاءه بقانون تهيئه لا يعنيها في ذلك أن يكون قانونها عامًّا أو خاصًّا، معقولًا أو غير معقول، إنما يعنيها أن تحقق ما تريد وخلاص، كما يقول وزير التقاليد، أو أن تحقق ما تريد وبلاش دوشة، كما يقول وزير التقاليد أيضًا.

فكل شيء مباح لها، وكل شيء يسير عليها، ولا تطلب إلى الوزارة أن تلغي هذا الانتخاب إن أرادت إلغاءه بالطرق القانونية المألوفة، فترفع أمره إلى القضاء إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. لا تطلب إلى الوزارة هذا؛ فهذا شيء لا تحبه ولا تميل إليه. ألست ترى أنها لم تفكر في إلغاء انتخاب المحامين الأهليين بهذه الطريقة لتفكر في رفعه إلى القضاء؛ لأنها لم تجد إلى ذلك سبيلًا؟ وهي مع ذلك تريد إلغاءه، فلْتُلْغِه بقانون.

وهي مع ذلك تحترم القضاء وتكبره وتجله وتغار عليه، وتريد أن تصون قدسه وتحمي أحكامه من تجريح المحامين! ويحكم، أيها الناس، متى تفهمون أنفسكم؟ ومتى تلائمون بين أعمالكم وأقوالكم؟ ومتى تعرفون أن إكبار القضاء لا يأتي من هذا النحو الذي تسلكونه، وإنما يأتي من الاحترام الخالص الصادق للقانون، ولكن ماذا تقول؟ ولمن تقول؟

إنك في وادٍ والوزراء في وادٍ آخر، إنك تريد العدل والحق والحياة الهادئة المطمئنة في ظل العدل والحق، والوزراء يريدون أن يظفروا، وأن ينتصروا، وأن يظهروا أنهم وزراء، وأنهم ظافرون منتصرون، وأنهم يستطيعون أن يعاقبوا من لم يدن لهم بالطاعة والإذعان.

أما أنا فأُهنِّئ الوزارة بصدمة أمس بعد صدمة ١٥ ديسمبر؛ فإن هذه الصدمات المتصلة سترد الوزارة إلى شيء من الرشد، فيأمن الناس بعض إسرافها، أو هي ستدفع الوزارة إلى الغضب والإسراف فيه فتضاعف أغلاطها، ولا تصيبها صدمة حتى تتعرض لصدمة أخرى، وما تزال تمضي من غلطة إلى غلطة، ومن ورطة إلى ورطة حتى يتم فيها قضاء الله، وينفذ فيها أمر الله؛ فتريح وتستريح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.