مسألة أعرض لها اليوم لأتم تلك الملاحظات التي أشرت إليها في الفصل الماضي حين تحدثت عن الذوق؛ فللصلة بين الأدباء وقرائهم وجوه مختلفة كلها تصلح مقياسًا للذوق الذي يُمكِّن الأدباء من أن يُنتجوا، والقُرَّاء من أن يَحكُموا، ويصور إنتاج أولئك وحكم هؤلاء في صور تختلف باختلاف الأفراد والبيئات، والظروف العامة والخاصة.

وقد رأينا الناس يختلفون في عصور كثيرة في أي الأدبين أرقى، وأحب إلى النفس، وأبلغ في تمثيل عواطفها وأهوائها وميولها، الأدب الذي يعتمد على التصريح الجلي، والبيان الواضح، الذي لا تتكلف النفس مشقة في فهمه والوقوف على أغراضه ومراميه، أم الرمز والإيماء الذي لا يفهمه إلا الراسخون في العلم، ولا يدرك أغراضه ولا ينتهي إلى غايته إلا الذين لهم من رقي النفس وسموها، ومن دقة الحس ونفاذ البصيرة ما يمكنهم من استكشاف الأسرار، واختراق الحجب، وحل الألغاز؟

ويشتد الخلاف بين الناس ويعظم خطره، ويبعد أثره في حياة الأدباء والقُرَّاء، حين يتناول طائفة من الموضوعات تقضي الأخلاق وظروف الحياة الاجتماعية المعتدلة ألا تمس إلا برفق، وألا يعرض لها الكُتَّاب والشعراء إلا في شيء من التلطف والحيلة؛ كالغزل، ووصف الصلات الجنسية، ووصف أشياء نكره أن نراها، فلا نحب أن يتحدث عنها الأدباء إلا رمزًا، ولا أن يصفوها إلا إيماء. والناس يذكرون مناظرة كانت منذ حين بين الأستاذين توفيق دياب وسلامة موسى، فيما كانا يُسمِّيانه يومئذ الأدب المستور والأدب المكشوف، وكان لكل من الأديبين مذهبه في الفهم، وطريقته في البحث والاستدلال. وانقسم الناس معهما يومئذٍ؛ فمنهم من آثر الأدب المستور، ومنهم من آثر الأدب المكشوف.

وكنت أرى يومئذ ما أراه الآن من أن الأديبين إنما كانا يختصمان في غير موضع للخصام، ويسيران في سبيل غير منتجة؛ فأما أحدهما فكان ينظر إلى الأخلاق والعرف وحاجة النشء إلى المُثل العليا، وأما الآخر فكان ينظر إلى الحق والصدق، وحاجة الناس إلى الصراحة، وسوء أثر النفاق في التربية وغيرها من مظاهر الحياة الاجتماعية، وكلاهما كان يصدر في تفكيره وحكمه عن فكرة أراها قابلة للبحث، ولعلي لا أغلو إن رأيتها موضعًا للشك، وهي: أن الأديب متعمد حين ينتج آثاره الأدبية أن يمضي إلى الشمال، ولو أراد لمضى إلى الجنوب، مُخيَّر فيما يكتب، مُخيَّر فيما يقول، يصوغ صوره الأديبة صوغًا كما يصوغ الصانع آثاره الصناعية عن روية وتفكير وحرية تامة.

وربما كان الأديب أشد حرية من الصانع الذي يجب أن يخضع لقوانين الصنعة ولا يجدد فيها إلا بمقدار، على حين نرى الأديب حرًّا مطلق الحرية لا تقيده إلا إرادته وهواه. عن هذه الفكرة كان يصدر المتناظران فيما يظهر، وإذن فكان أحدهما يطلب إلى الأديب أن يراعي الأخلاق والحياء والعرف والمُثل العليا، وكان الآخر يطلب إلى الأديب أن يراعي الحق والصدق والصراحة ويتجنب النفاق.

ولكن الأمر الذي أهمله الأديبان — ويهمله الناس عادة إذا تحدثوا عن الأدب أو تمادوا فيه — هو أن حرية الأديب في الإنتاج الأدبي، وفي تصوير آثاره في صورة فنية ما، ليست من السعة والإطلاق بحيث يظنون، وإنما ضيقة ضيقًا شديدًا، مقيدة بطائفة من القيود، منها القوي الذي لا سبيل إلى التحلل منه، ومنها الضعيف الذي قد يستطيع الأديب تحطيمه من حين إلى حين.

فالأديب مقيد بطبعه ومزاجه، فكما أنه لا يستطيع أن يغير لونه، ولا أن يغير خلقه المادي، فهو كذلك لا يستطيع أن يغير مزاجه العام، وإذن من العسير عليه — إن لم يكن من المستحيل — أن يضطر هذا المزاج إلى أن ينتج من الآثار الفنية ما لا يلائم طبعه وفطرته، وهو مقيد بالبيئة التي يعيش فيها، والجمهور الذي يتحدث إليه، والإقليم الذي يخضع لجوه وهوائه ومؤثراته الكثيرة المختلفة، ثم هو بعد هذا أو ذاك مقيد باللغة التي هي مادة فنِّه، ومقيد بقوانين الفن نفسها.

وهو يستطيع طبعًا أن يحطم بعض هذه القيود من حين إلى حين، فتطغى قدرته الفنية على اللغة أحيانًا، وعلى القوانين الفنية أحيانًا أخرى؛ فيكون مجددًا من بعض الوجوه، وقد يستطيع أن يثور بما قامت عليه البيئة من نظم وأصول فيجدد، ولكن هذا الطغيان وهذه الثورة محدودان، مهما يكن حظ الأديب من القوة والبأس والنبوغ، وإذا لم يكن الأديب حرًّا في إنتاجه الأدبي، ولم يكن الذي يستحق هذا الاسم متأثرًا فيما يكتب برضا الناس وإعجابهم، كما يتأثر بشخصيته وطبعه ومزاجه، فمن الإسراف أن يطلب إليه قُرَّاؤه أن يسلك سبيلًا بعينها، ويعدل عن سبيل أخرى؛ ذلك لأنه لم يسلك السبيل التي اختارها — أو بعبارة أدق التي سلكها — إلا لأنه لم يستطع أن يسلك سبيلًا غيرها.

فالأديب الواحد لا يستطيع أن يبرع في إنتاج الأدب المستور والأدب المكشوف معًا، وإنما هو في هذا الأدب أو ذاك؛ لأن طبيعته وما يحيط به من الظروف العامة والخاصة يضطرانه إلى هذا الأدب أو ذاك. والواقع أننا نرى في الآداب المختلفة عصورًا يتسلط فيها الأدب المستور على الأدباء، فإذا هم يجيدونه ويبرعون فيه، وأخرى يتسلط فيها الأدب المكشوف عليهم، فإذا هم يتقنونه ويتفوقون فيه.

وإذا بحثنا عن هذه العصور والتمسنا الأسباب التي تضطر الأدباء إلى هذا النوع من الأدب أو إلى ذاك؛ فسنلاحظ أن هذه الأسباب ترجع في أكثر الأوقات إلى البيئة، وإلى الجماعة المحيطة بالأديب أكثر مما ترجع إلى الأديب نفسه، ونلاحظ أن الأدب المستور — ما دام لا بد من التعبير بهذه الألفاظ — إنما يتسلط على الأدباء والقُرَّاء حين تحيا الجماعات حياة هادئة معتدلة، معتمدة على نظام اجتماعي ثابت، ونظام سياسي مستقر، فإذا اضطرب النظام الاجتماعي، أو تعرض النظام السياسي للقلق والفساد؛ أخذ سلطان الأدب المكشوف يظهر وينبسط شيئًا فشيئًا حتى يكون له الغلب، ولكنه غلب مؤقت لا يستمر إلا ريثما يعود النظام الاجتماعي والسياسي إلى الثبات والاستقرار.

وأنت ترى ذلك واضحًا جليًّا في حياتنا الأدبية العربية، فقد كان الأدب المستور متسلطًا على العرب في جميع أنحاء الحياة الأدبية إلا الهجاء، حتى كان العصر العباسي، فاضطرب النظام الاجتماعي والسياسي، ورغب غير العرب في التمتع بما كان للعرب من حقوق اجتماعية وسياسية، وتغير النظام السياسي نفسه، فسقطت دولة وقامت مكانها دولة أخرى، وانهار نظام من نظم الحكم، وقام مكانه نظام آخر، ونتج عن هذا كله أن طغى في النفوس ميلها إلى الحرية مع حرصها على النظام والاعتدال.

وفي هذا العصر نفسه ظهر الأدب المكشوف في العراء ظهورًا فاحشًا؛ لأنه كان يترجم عن حياة مكشوفة، فلما كان القرن الثالث، واستقر النظام الاجتماعي الجديد، وثبت النظام السياسي الجديد، احتشم الناس في حياتهم، واحتشم الأدب نفسه، وقلد الناس أبا نواس وأصحابه في الشكل والأسلوب أكثر مما قلدوه في المعنى والموضوع.

وكانت حياتنا نحن هادئة مطمئنة متأثرة بنظم اجتماعية وسياسية ثابتة مستقرة، فكان أدبنا مستورًا معتدلًا، ثم اضطربت نظمنا السياسية والاجتماعية، وطمعنا في ضروب من الحرية مختلفة: حرية الرأي، وحرية العمل، وحرية السياسة، وتبع ذلك أن طمعنا في حرية القول، فتحلل أدبنا من قيودها بعض الشيء، وظهر ميلنا إلى الأدب المكشوف.

فالأديب إذن متأثر بالذوق العام حين ينتج أدبًا مستورًا أو أدبًا مكشوفًا، ومهما تدرس من آداب الأمم الأخرى فسترى نفس هذه الظواهر: تضطربُ النُّظم فيظهر الأدب المكشوف، وتستقرُّ فيتسلَّط الأدب المستور.

على أن هناك ظاهرة أخرى أحب أن أشير إليها في هذا الفصل إشارة موجزة جدًّا، وأرجو أن أُوفَّق في يوم من الأيام إلى درسها مع شيء من التوسع، وهي أن هناك أدبًا رمزيًّا يظهر في بعض العصور، فيسيطر على الحياة الأدبية كلها، وهو يتخذ الرمز والإيماء طريقة أساسية للتعبير، ويعدل عن المألوف من الأدب الواضح الجلي مهما يكن موضوع هذا الأدب.

وهذه الظاهرة تتجاوز الأدب إلى غيره من الفنون الجميلة كلها؛ فيصبح فن المصور والمثال والموسيقي والمغني رموزًا وإشارات تسلك بها سبلًا غير السبل المألوفة، يريد بها أصحابها أشياء لم يكونوا يريدونها في العصور المعتدلة الطبيعية، وتختلف حظوظ الناس من فهمها وتذوقها بمقدار ما تختلف حظوظهم من ذكاء القلب، ونفاذ البصيرة، ومن الميل إلى الترف المادي والمعنوي.

وأكثر ما تكون هذه العصور حين تضطرب النظم الاجتماعية والسياسية، فتثور بالدين والأخلاق وغيرها مما تقوم عليه حياة الجماعات، ويكثر الاضطراب ويشتد ويطول زمنه، ثم لا يؤتي ثمره الذي كان منتظرًا، فيستيئس الناس من الثورة ونتائجها، ولكنهم في الوقت نفسه يكرهون أو يستحيون أن ينكروا أنفسهم، ويعودوا إلى النظم القديمة التي هدموها؛ فهم لا يريدون العودة إلى القديم، وهم يكرهون الاضطراب ولا ينتظرون منه خيرًا، وهم يلتمسون حياة جديدة — غير القديم وغير الاضطراب — دون أن يظفروا بهذه الحياة الجديدة التي يلتمسونها.

هنا يضطر الفن والأدب إلى الرمز والإشارة والإيماء، والألغاز أحيانًا؛ ذلك أن نزعة دينية جديدة غير واضحة ولا جلية تتسلط على الناس، وتأخذ شكلًا إن لم يكن صوفيًّا فهو قريب جدًّا من الصوفية. في هذا الشكل تظهر لأصحاب الفنون الجميلة مطامع يحسونها، وتملأ نفوسهم، ولكنهم لا يفهمونها في وضوح وجلاء، فلا يستطيعون أن يعبروا عنها في وضوح وجلاء، ولا يفهمها الناس عنهم على وجهها؛ لأن أصحابها أنفسهم لا يفهمونها، أو لا يكادون يفهمونها.

وقد لوحظت هذه الظاهرة قوية جدًّا في فرنسا آخر القرن الماضي حين سئم الفرنسيون الثورة والاضطراب والخصومة، وكرهوا أو لم يستطيعوا أن يعودوا إلى قديمهم الذي كانوا يألفونه قبل الثورة، فظهرت لهم مثل عليا أحسوها وسَمَوا إليها، ولكنهم لم يتبينونها واضحة جلية، فأخذوا يعبرون عنها بالشعر والفن تعبيرات رمزية غامضة نقرؤها الآن فنفهم منها القليل النادر، ويفوتنا منها الشيء الكثير.

هذه الظاهرة لوحظت قوية في فرنسا، ولعلها تلاحظ في جميع الآداب — مهما تختلف الأمم والبيئات — إذا مرت الجماعات بطور يشبه الطور الفرنسي الذي أشرت إليه آنفًا. وهل الأدب الصوفي إلا لون من ألوان هذه الظاهرة؟ وهل التصوف في حقيقة الأمر إلا إنكار للقديم، وهدم له، وطلب للجديد دون تَبيُّنه والقدرة على الظفر به؟

هذه الظاهرة أحق عندي بالعناية والبحث من مسألة الأدب المستور والأدب المكشوف، ويمكن أن تدرس من وجوه عدة أحبُّها إليَّ هذه الناحية التي تمثل الصلة بين هؤلاء الأدباء والفنانين من جهة، وهؤلاء الناس الذين يستمتعون بآثارهم الفنية من جهة أخرى، أي الذوق الذي يصل بين المنتج والمستغل في الفن، كما يقول أصحاب الاقتصاد. ولعلي أُوفَّق إلى أن أعود إلى هذا الموضوع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.