حرصتُ إذ كنت بالهند شتاء سنة ١٩٥٣ على أن أزور الآثار الإسلامية فيها، وأن أزور مساجدها بنوع خاص، وحرصت في نفس الوقت على أن أزور بعض المقابر الهندية، ومعبد بوذا القائم على مقربة من الشجرة التي يذكرون أن بوذا قضى في ظلالها سنوات عدة من حياته بعد أن زهد الحياة وكل ما فيها. وللمسلمين في الهند آثار كثيرة بعضها بالغ غاية الروعة، ولا يزال السائحون يذكرون «تاج محل» على أنه بدعة في فن العمارة، وهو في الحق بدعة منقطعة النظير.

ولست أريد في هذه الكلمة أن أصف «تاج محل» أو أن أتحدث عن تاريخه، أو أن أصف آثار (فاتح – بور – ذكرى)، وإنما أريد أن أقارن بين مساجد الهند، ومساجد العراق، ومساجد مصر، وأن أذكر كيف يتأثر فن العمارة، وكيف تتأثر شعائر العبادة، بالبيئة المحيطة بمن يقيمون بيوت الله ومن يعبدونه فيها.

فمساجد الهند فسيحة، لكنها تطبعها بساطة فيها من مظاهر الزهد في الحياة ومتاعها الشيء الكثير، وأنت لا ترى هذا في مساجد أهل السنة من الهنود وحدهم، بل تراه كذلك في مساجد الشيعة في البلاد التي يكاد مسلموها جميعًا يكونون من الشيعة. ليس في هذه المساجد زخرف يجني على بساطتها، ولكن لها من مظاهر الرهبة والمهابة ما يبعث إلى النفس الهيبة والخشوع، وأنت ترى أمامها أكثر الأمر فناءً فسيحًا تزيد مساحته على مساحة المسجد نفسه، ولعل هذا الفناء قد أعد ليتسع لمن يحضرون صلاة الجماعة في يوم الجمعة إذا لم يتَّسِع لهم المسجد، فلا يضطرون لإقامة الصلاة في الطريق العام.

أما المساجد في العراق، مساجد الشيعة، فتختلف عن ذلك اختلافًا بيِّنًا، ففي أكثرها من الزخرف ما يثير في نفسك العجب، فيها المرايا، وفيها الزجاج المُدَلَّى في المقاصير، ولها طراز خاص في العمارة غير ما ألِفنا في مصر، ومع هذا الزخرف ترى الذين يقصدون هذه المساجد وكلهم الرهبة والأسى، وكلهم يذكر آل علي في حسرة ولهفة. دخلت مسجد كربلاء فإذا هو تحفة زخرفية تأخذ إليها العين والمشاعر، وإنني لأدور في جنباته إذ رأيت امرأة تبكي أحرَّ بكاء واقفة إلى جانب المقصورة التي بها قبر الحسين رضي الله عنه. حسبت إذ رأيتها أن لها في الحياة رجاءً وأنها تريد أن تتخذ حفيد الرسول شفيعًا لها عند الله ليقضي حاجتها، وسألت أصحابي أبناء العراق عن شأنها، فقالوا: إنها تبكي مقتل الحسين حزنًا عليه، فقلت فيما بيني وبين نفسي: أويبقى الحزن قائمًا بالنفس لأكثر من ألف وثلاثمائة سنة؟ إنني أومن بأن من أكبر نعم الله على الناس نعمة النسيان، فلولا النسيان لما تعزَّت أُمٌّ عن فقيد ولا تعزَّى رجل عن كارثة نزلت به، لكني عدت فذكرت أنها العقيدة تحرِّك العواطف أكثر مما تحركها الحوادث، وأن زخرف العمارة من حول هذه المرأة في المسجد لا يجني على ما تحركه عقيدتها في نفسها من شجن.

وعمارة المساجد في مصر تختلف عن عمارة المساجد في العراق وفي الهند، وبينها وبين عمارة المساجد في إستانبول شبه لعل مجاورة تركيا ومصر للبحر الأبيض المتوسط لها أثر فيه، ولعل للعقائد المتوارثة هنا وهناك، وللعقائد المتوارثة في الهند وفي العراق أثر كذلك في عمارة مساجدهم.

لقد قرأت في بعض الأبحاث التي قام بها المنقبون في آثار مصر الفرعونية أن بعض الشعائر تسلل من ذلك العهد القديم إلى العهد الإسلامي في مصر، وأنه لذلك لا نظير له في غير مصر من البلاد الإسلامية، فمراسم الحزن على الميت اليوم في مصر تشبه مراسم الحزن على الميت في عصر الفراعنة، ومولد سيدي أبي الحجاج في الأقصر يشبه ما كان يقوم به قدماء المصريين في أعياد آمون. ألمثل هذه الاعتبارات أثر في العمارة، سواء في الهند، وفي العراق، وفي إيران، وفي مصر؟ ليس هذا البحث مما يقع في دائرة اختصاصي، لكنه بحث طريف جدير بأن يدلنا الأثريون على رأيهم فيه، فنحن بحاجة للوقوف على هذا الرأي لكي يفسر لنا الكثير مما يستعصي علينا اليوم تفسيره.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.