سؤال عن الحكمة الواقعية في شعر أبي الطيب المتنبي، واعتراض على هذه الحكمة في مثل قوله:

خَلقت ألوفًا لو رُددت إلى الصبا

لفارقت شيبي موجع القلب باكيَا

ويقول الطالب الأديب «فاروق عبد الوهاب عوضين» بحقوق القاهرة: «هل يكره الإنسان الرجوع إلى الشباب؟ وهل هناك نظرية فلسفية يقول بها من يكرهون العودة إليه؟»

ونقول للطالب الحقوقي: إن نُقَّاد الواقعية في شعر المتنبي يُخطِئُون كثيرًا إذا اعتمدوا في نقدهم على هذا البيت وما يشبهه في الدلالة على الواقع.

فإن المتنبي لم يقُل إنه يكره العودة إلى الشباب، وإنه لا يتمنى هذه العودة إذا وجد السبيل إليها، وكل ما قاله إنه يعود إليه ويفارق المشيب ليعود إليه، ولكنه يفارقه باكيًا عند فراقه، ولولا ذلك لما كان هناك موضع لذكر البكاء.

فلو كان المتنبي يأبى أن يعود إلى الشباب لما بكى عند فراق الشيب؛ لأن هذا الفراق لا يحصل ولا يتبعه بكاء أو ابتسام.

ولكنه يستوجب على نفسه حق الوفاء للشيب الذي عاشره ولو كان يفارقه للقاء ما يحبه ويهواه، وليس هذا بالمستغرَب في مواقف التوديع بين البلد الذي نحن فيه والبلد الذي نسافر إليه، ولعل الطالب الأديب قد شهِد هذه المواقف مَرَّات على محطات السكك الحديدية؛ فإنها لا تخلو من مسافر يبكي وهو يعود إلى بلده المحبوب، لأنه يفارق أصحابًا أنسوا به وأنس بهم، فلهم عليه حق الوفاء.

إن الواقعية في حكمة المتنبي أصدق من «الواقعية» في كلام نقاده؛ لأنهم يفهمون الواقع كما يتخيله أصحاب «المدارس الفنية» أو أصحاب العناوين المذهبية، وأكثره خيال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.