يثير الحديث عن الاتحاد البرلماني في نفسي صورًا وذكرياتٍ لأشخاص، ولأماكن، ولحوادث دولية خطيرة، لا أحسبني أفكر في جمع شتاتها وتدوينها في يوم من الأيام؛ فهي من الكثرة ومن التباين بما يجعلني أخشى أن أنوء بجمعها وتنسيقها. وحسبك أن تعلم أن مؤتمر الاتحاد السنوي عُقد بعد القاهرة بروما واستُوكهلم ودبلن وإسطنبول وبرن، وأنه بذلك قد جاب أوروبا من أقصى شمالها الغربي إلى أقصى جنوبها الشرقي، وأنه تناول خلال هذه السنوات الخمس شئون العالم المختلفة؛ لتقدِّر أنني على حق في خشيتي وفي تقديري أنني لن أفكر في جمع هذه الذكريات.

كان الاتحاد ينعقد كل عام في الريفييرا الفرنسية لدورة مجلسه. أما اللجنة التنفيذية فكانت تنعقد بباريس بقصر مجلس الشيوخ القائم في حديقة اللوكسمبرج. وكانت هذه اللجنة تجتمع ثلاثة الأيام الأخيرة من ديسمبر، أو الأولى من يناير كل عام.

وكنت أغتبط باجتماعات اللجنة التنفيذية أشد الاغتباط؛ فالشئون العالمية التي كانت تُعرَض فيها كانت أغلب الأمر على جانب عظيم من الأهمية. وكانت تثير أمامنا من مشاكل العالم في عهدنا الحاضر ما يدفعنا إلى التفكير العميق، وإلى الاقتناع بأن حياة العزلة لم تعد ممكنة لأية دولة ذات كيان يحسب حسابه.

وكان اغتباطي باجتماعات باريس يرجع إلى سبب آخر؛ فقصر مجلس الشيوخ الفرنسي يقع في الحي اللاتيني، وقد قضيت في هذا الحي ثلاثة أعوام من شبابي حين كنت أدرس لدكتوراه الحقوق في باريس. ونحن نحنُّ بطبعنا إلى الأماكن التي استمتع شبابنا بأنعم الحياة فيها. ولا أنكر أنني أحب باريس كلها حبًّا جمًّا. ولهذا كنت أقضي بها عشرة أيام بعد اجتماع اللجنة التنفيذية قبل أن أعود إلى مصر، وكنت أذهب إليها بعد انعقاد مجلس الاتحاد في الربيع، وأطير إليها بعد انتهاء مؤتمرات الاتحاد في أوائل الخريف، أو أواخر الصيف، وكنت أجد في ذلك متعة أي متعة. فمسارح باريس، وشوارع باريس، وحوانيت باريس، ومقاهي باريس، وهواء باريس، وكل ما في باريس كان يبعث إلى نفسي لونًا من الطمأنينة للحياة لا يُضعِف منه أني تقدَّمَتْ بي السن وتضاعفت لديَّ المشاغل.

كان مستر ألين باركلي وكيلًا لرئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية — هاري ترومان — في ذلك العهد، وكان عضوًا في اللجنة التنفيذية للاتحاد البرلماني، وكان حريصًا على تخطِّي المحيط الأطلسي من واشنطن إلى باريس لحضور اجتماعات اللجنة، والرجل سياسي محنك وخطيب بارع. وبعد اجتماعاتنا بباريس دعاني لمصاحبته في سيارة السفارة الأمريكية إلى فندقي. فلما كنا في الطريق إليه ذكرت له ما أشعر من غبطة كلما زرت باريس، رغم أنني أزورها ثلاث مرات في كل عام، قال باركلي: إنني يا سيدي لم أعرف اللغة الفرنسية قط، ولا أعرف غير اللغة الإنجليزية، وقد زرت أكثر عواصم العالم في أمريكا وأوروبا: زرت لندن وبرلين وروما وفيينا واستُوكهلم وغيرها وغيرها. لكنني لا تستهويني عاصمة منها ما تستهويني باريس. لا أعرف لغة أهلها ولكن حديثهم يعجبني، ومناظر مسارحهم تروقني، وأزياء سيداتهم تَلفت نظري، وكل ما عندهم يبعث المسرة إلى نفسي. ولم أحاول يومًا أن أعرف سبب ذلك كله، ومن الخطأ أن أحاول؛ فما يسرنا يحمل أسبابه في طياته ولا ضرورة مطلقًا للتفتيش عنه.

سرني ما سمعت من هذا الأمريكي الذي لا يعرف الفرنسية، والذي لم يعِشْ في باريس ما عشت، فازددت غبطة بمدينة النور وحبًّا لها، كما حرَصت على حضور اجتماعات الاتحاد البرلماني الذي يتيح لي أن أراها ثلاث مرات في كل عام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.