القومية العربية حلم كل عربي أمين، أما واقع العرب فهو ما ترى وما تسمع مما لا حاجة بي إلى عرضه، وللقومية العربية أعداء في الخارج لا يمكن الاستهانة بقوتهم، كما أن لها معارضين داخل كل بلد عربي لأسباب شتى، وفضلًا عن هذا وذاك فهي تحتاج إلى خطوات تمهيدية حتى يَصْلُب عودها وتنضج فكرتها وتستقر في القلوب والإرادات.

من سوء الحظ أن العرب تصرفوا في ظروف تاريخية خطيرة بوحي من الحلم كأنه واقع، متجاهلين الواقع الحقيقي، فباءوا في كل مرة بخسران عظيم. فعلوا ذلك عام ١٩٤٨ عندما قرروا خوض الحرب دفاعًا عن فلسطين، معتمدين على وَهْمِ وحدتهم، متجاهلين أنهم في واقعهم بلدان متفرقة خاضعة لأكثر من استعمار غربي، ولو وقفوا عند حدود واقعهم لكان الفلسطينيون جميعًا اليوم في فلسطين تحت أي صيغة يتم الاتفاق عليها بينهم وبين اليهود، ودولة الانتداب، وهيئة الأمم، وحتى لو كان قُضِيَ عليهم بظلم قليل أو كثير فالظلم لا يدوم، وحسبك أن تذكر ما يجري اليوم في جنوب أفريقيا، ولكن التعامل مع الحلم ضيع فلسطين، وشرَّدَ الفلسطينيين، وأنزل الهزيمة بالدول العربية مجتمعة. وفعلوا ذلك تحت مظلة زعامة عبد الناصر، فارتفع صوت الوحدة، حتى خال الأعداء أنها قريبة حقًّا، وغطى على أصوات كثيرة كانت تغمغم هنا وهناك، مكرسة التفرقة، بل مضمرة العداء، وجاءت النتيجة مفجعة مخزية يوم ٥ يونيو الأسود.

خير ما يقال للعرب في حاضرهم المحزن ما نادَى به الشيخ النبيل سقراط: «اعرف نفسك.» وخير ما يُذَكَّرُون به قول القدير المتعال: ()، وليذكروا بعد ذلك وقبل ذلك أن وحدتهم هي الحلم المنشود لا الواقع القائم، وأن دورهم اليوم أن يحققوا السلام على أساس الواقع، وأن يبحثوا عَمَّا لا يختلفون فيه ليعملوا فيه بهدوء وإخلاص ومثابرة، ولن يتهيأ ذلك مثلما يتهيأ في مجالي الثقافة والتكامل الاقتصادي، وليتركوا الباقي للزمن، وهو طبيب حكيم في جبر الكسور وتضميد الجراح واسترداد الحقوق الضائعة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.