رفعت الوزارة أول أمس عن الشعب المصري مظلمة الدستور، حين ألغت ذلك النظام البغيض، الذي لم يكن نظامًا، وإنما كان فسادًا واستبدادًا كما قال رئيس الوفد حين خطب الجماهير أمس. ذلك أنَّ التظلمات لا تفرض على الشعوب، وإنما تصدر عنها، ولم يصدر النظام البغيض عن الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إرضاء الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إلا إغضاب الشعب وإذلاله وإخضاعه لحياة الخسف والهوان.

وقد بَيَّنَّا أمس أنَّ هذه المظلمة الدستورية الكبرى لم تكُن تمس فردًا بعينه ولا جماعة بعينها، وإنما كانت تمس الشعب المصري كله في أجياله الحاضرة والمقبلة.

ونريد الآن أنْ نتحدث عن مظلمة أخرى تمس القانون ولا بدُّ من أنْ تُرفع كما رُفِعَتْ مظلمة الدستور، وهذه المظلمة هي التي أصابت رجال القضاء ورجال المحاماة، والناس جميعًا يعلمون أنَّ من القضاة مَنْ عُزِلَ، وأن منهم مَنْ نُقِلَ لا لشيء إلا لأنهم لم يحكموا بالهوى، ولم يريدوا أنْ يُخضعوا القانون لما ينبغي أن ترتفع القوانين عنه من المنافع والشهوات.

فالظلم الذي أصاب رجال القضاء هؤلاء لم يُصِبْ أشخاصهم بقدر ما أصاب الشعب كله، وبقدر ما أصاب الفضيلة، وبقدر ما أصاب العدل، وبقدر ما أصاب القانون. ذلك أنَّ ظلم القضاة من حيث هم قضاة، فيه معنى بغيض تَشْمَئِزُّ منه كل نفس حرة، ويضيق به كل ضمير حي، ويرتفع عنه كل شعب متحضر، وهو محاولة إفساد القضاء، واتخاذ العدل المقدس وسيلة لإرضاء الأهواء والشهوات، وتحقيق المنافع والمآرب، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول هدم النظام الاجتماعي والسياسي هدمًا، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول محو الثقة بالعدل من نفوس الناس، وقد حاول أن يرسل الشهوات والأهواء إرسالًا، وقد حاول أنْ يلقي في رُوع الناس أنَّ الأمر لم يبق للحق ولا للعدل ولا للقانون، وإنما أصبح للقوة والسلطان والجبروت، فمن عز بز، ومن غلب غلب، ومن استطاع فله أن يفعل ما يراه، وهذه هي الفوضى في أبشع صورها، وهذا هو تقويض الحضارة في أقبح معانيه.

فلا بدَّ من رفع هذا الظلم لا نقول عن أشخاص القضاة ورجال القضاء الذين ظُلِموا بل نقول عن القضاء كله، الذي أراد النظام الساقط أن يسيء إليه، فلم يفلح لحسن الحظ؛ لأنه وجد من ضمائر القضاة، ومن إيمان الشعب بهذه الضمائر ما عصمه من السوء.

وإلى هذه المظلمة المنكرة توجد مظلمة أخرى ليست أقل منها شرًّا ولا نُكرًا، وهي مظلمة المحاماة. فقد كانت هذه المظلمة عدوانًا صارخًا صريحًا لا يتستر ولا يستحي ولا يحتاط، على الضمائر والقوانين وعلى النظام البغيض نفسه، كانت عدوانًا على الضمائر، ويكفي أن يذكر الناس أنَّ الوزارة الساقطة لم تستحِ من أن تطلب إلى المحامين ألَّا ينتخبوا لهم نقيبًا بعينه، وألا ينتخبوا لنقابتهم أشخاصًا معينين، وأنذرتهم إن خالفوا عن أمرها، ولم تقدر هذه الوزارة ما في طلبها وإنذارها من تجاوُز لأيسر مظاهر الحياء، ومن تضحية بالأخلاق والكرامة على الطريق العامة بمرأًى ومسمع من الناس جميعًا، وقد عرف المحامون كيف يعصمون ضمائرهم من هذا العدوان، وكيف يلقون الوقاحة بالازدراء والابتسام، وكيف ينتخبون من كانوا يريدون أن ينتخبوا في غير تردد ولا خوف ولا اضطراب.

ثم كانت هذه المظلمة عدوانًا صارخًا على القانون، فلم يأذن قانون من القوانين لوزارة من الوزارات في أنْ تطلب إلى المحامين انتخاب هذا دون ذاك، وإيثار هذا على ذاك، ولا في أن تعاقبهم إن أعرضوا عنها وخالفوا عن أمرها، ومضوا في طريقهم راشدين.

ثم كانت هذه المظلمة عدوانًا على النظام البغيض نفسه في غير تورُّع ولا استحياء، فقد أصدرت الوزارة قانونًا جرت أحكامه على الماضي جرًّا مع أنَّ الدستور القديم والدستور المُلغَى صريحان في أنَّ القوانين لا تنفذ فيما مضى، ولو جرت إليه بالسلاسل والحبال.

وقد عرف المحامون في ذلك الوقت كيف يرفضون الطاعة لذلك القانون الجائر، وكيف يثبتون كرامًا في موقفهم الكريم. وكيف يحتفظون بنقابة نقيبهم وعضوية أعضائهم.

هنالك أقدمت الوزارة على مظلمة أخرى للنظام البغيض نفسه. هيَّأَت مشروع قانون للمحاماة، وعرضته على برلمانها، فلقيت بعض المقاومة، فلم تُلِحَّ في إصدار القانون، وانتظرت حتى تفرق برلمانها، ثم عمدت إلى ما أرادت من الظلم، فصاغته في شكل قانون، وأصدرته في غيبة البرلمان متعجِّلة معتمدة على مادة من مواد الدستور، لا ينبغي الاعتماد عليها إلا حين تتعرض المصالح الكبرى في البلاد للخطر.

فكانت سيرة الوزارة مع المحامين عسفًا كلها، وعسفًا وقحًا، لا يستحي ولا يتحرَّج، ولا يرعى ضميرًا ولا خلقًا، ولا يرعى قانونًا ولا نظامًا، وقد عَرَف المحامون كيف يزدرون هذا العسف، وكيف يثبتون على حَقِّهِم، وكيف يجاهدون الظلم والظالمين، في سيرة واضحة لا غبار عليها ولا عِوَج فيها، وكانت الوزارة الساقطة، بل كان رجال العهد البغيض جميعًا يرون حرب المحاماة فرضًا عليهم؛ لأن رجال المحاماة ألسنة الحق، وتراجمة القانون، وأعوان المظلومين، والذادة عن الحقوق؛ فقيامهم أعزة كرامًا خطرٌ على كل استبداد، ومقاومة لكل فساد، فإضعافهم لا بد منه، وخضوعهم أساس تقوم عليه حياة المستبدين، وكان بعض الذين اعتمد عليهم العهد البغيض يتحدثون بأن تطهير المحاماة وتطهير الصحافة غاية لا بدَّ من الوصول إليها، وقد ظهر جهد العهد البغيض في تطهير المحاماة بالعدوان على المحاماة، وعلى قوانينها وعلى النظام العامِّ نفسه، كما ظهر جهد العهد البغيض في تطهير الصحافة بما فرض عليها، وما كان يراد فرضه عليها من القوانين، ولكنَّ لمظلمة الصحافة حديثًا آخر، فلنقف الآن عند مظلمة القانون، ولننتظر واثقين بأن الوزارة التي رفعت المظلمة الدستورية سترفع المظلمة القانونية، وستُعلن في وضوح وصراحة ونزاهة وحزم أنَّ ما اتَّخَذَهُ العهد البغيض من إجراء، وما أصدر من قرار، وما شرع من قانون يمَس حقوق القضاء والمحاماة، باطل بطبعه وأن أمور القضاة والمحاماة يجب أن ترجع إلى مثل ما كانت عليه من الارتفاع عن الظلم؛ لأنها هي حصن الناس من الظلم ومن الارتفاع عن الجور؛ لأنها هي ملاذُ الناس من الجور، وما ينبغي أنْ تبدأ الوزارة في إنصاف المظلومين، والقانون نفسه مظلوم يطلب الإنصاف.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.