ترددت كثيرًا في كتابة هذا الخطاب إليكم لولا أن دفعني إليه نفر من أبناء بلدتي شاركوني الرجاء في أن يشمل عطفكم ما به وأن يتسع صدركم للإجابة عما عنَّ لهم ولي من استفسارات.

فقد قرأت في «رحلات ابن بطوطة» ما يلي عن بلدتنا منية المرشد، قال: سمعت أيام إقامتي بالإسكندرية بالشيخ الصالح العابد المنقطع المنفق من الكون أبي عبد اللَّه المرشدي وهو من كبار الأولياء المكاشفين … ووصلت إلى زاوية الشيخ المذكور قبل صلاة العصر وسلمت عليه ووجدت عنده الأمير سيف الدين يلملك وهو من «الخاصكية». ثم ذكر ابن بطوطة بعد ذلك رؤيا جاءته في المنام وكاشفه بها الشيخ المرشدي وأنبأه بأشياء معينة وقعت له فيما بعد وجاءت كما أخبره سلفًا هذا الشيخ الصالح … والذي أود أن أسأل عنه: ما هو الاسم الحقيقي لبلدتنا: هل هو منية المرشد كما نعرف الآن؟ أم بني مرشد كما ذهب ابن بطوطة؟ أم ميت المرشد كما نقرأ في المطبوعات الرسمية والحكومية؟ ومن هم الخاصكية هؤلاء؟ وكيف استطاع سيدنا المرشدي أن يتنبأ بأشياء هي في عالم الغيب، والغيب كما نعلم عند اللَّه وحده؟

ومسألة الخوارق والكرامات التي أشار إليها الأديب المرشدي من المسائل المطروقة المتواترة في رحلة ابن بطوطة يذكر طرفًا منها عن سحرة الهند والمشرق وطرفًا آخر عن النساك الصالحين في البلاد الإسلامية، وبعضها مما رواه عن أهل الهند قد ثبت أخيرًا أنه ضرب من المهارة مع التأثير «السحري» الذي نسميه الآن بالتنويم المغناطيسي للأفراد أو الجماعات.

وقد ذكر ابن بطوطة أن الشيخ المرشدي كان يزود ضيوفه بالطعام من الثمرات والمآكل في غير أوانها، وهي خارقة سمعنا نحن بمثلها عن شيخ ناسك في إقليم جرجا وشهدها أناس لا نشك في صدقهم وفطنتهم، ومنهم المتعلمون المثقفون ومن هم من الأذكياء الحصفاء وإن لم يكن لهم حظ وافر من المعارف العلمية. وجملة هذه الخوارق شبيهة بما يقدر عليه مهرة المنومين ممن يعرضون أعمالهم في المحافل العامة ويقول عامتهم إنهم يستعينون على هذه الأعمال بخفة الحركة مع التأثير المغناطيسي بالنظر والإشارة وتكرار الكلمات التي تفعل فعل التخدير الموقوت في أسماع الناظرين المستغرقين في النظر والانتظار.

وإذا كان القائمون بهذه الخوارق أناسًا جادين متعبدين فالراجح عندنا أنهم يكسبون القدرة عليها بطول الرياضة على التلقين والإيحاء، وقد يفسر الرياضيون الذين يتعاطون رياضة «اليوجا» قدرتهم على خوارق الطبيعة بإمكان تسليط الإرادة على جسد الإنسان حتى يحتمل ما لا تطيق الأجساد احتماله بغير هذه الرياضة. وقد يزعمون أن تسليط الإرادة على نواميس الطبيعة ممكن بعد طول المرانة عليه، كما يمكن تسليطها على الجسد الإنساني وأجساد الحيوان على العموم … وذلك زعم لم يقم عليه البرهان العلمي ولا سند له غير أقوال أولئك الرياضيين.

على أن ابن بطوطة لم يذكر في خبره عن أبي عبد اللَّه المرشدي أنه شهد بعينه كراماته في إحضار الثمرات والمآكل في غير أوانها، ولكنه قال إنه سمع عنها وهو نازل بالإسكندرية قبل لقائه الشيخ في زاويته، وإنما ذكر ابن بطوطة تلك الكرامة التي سميتموها علمًا بالغيب، وخلاصتها أنه رأى في منامه رؤيا عرفها الشيخ في اليوم التالي قبل أن يطلعه ابن بطوطة على تفصيلاتها، وليس في علم الشيخ بتلك الرؤيا ما يستلزم تفسيره بعلم الغيب؛ لأنها قد تفسر بالإيحاء الذي ينتقل من فكر إلى فكر في اليقظة والمنام.

ولكننا — على هذا — لا نرى أن العلم يستطيع الجزم باستحالة علم الغيب بإذن علام الغيوب؛ لأن الحكم باستحالته لا يصح لأحد قبل الحكم القاطع بحقيقة الزمن وحقيقة المستقبل، وما سيحدث فيه: هل هذا المستقبل موجود الآن؟ أو هو معدوم الآن ويوجد لحظة بعد لحظة؟ وإن كان معدومًا فما هو الحد الفاصل بين لحظة عدمه ولحظة وجوده.

وإذا كان العقل البشري لا يستطيع أن يجزم بحقيقة الزمن كله وحقيقة المستقبل المغيب عن العقول فليس له أن يحكم باستحالة الغيب ولا باستحالة نقله من علم اللَّه إلى من يشاء من عباده، وليس لأحد — على كل حال — أن ينكر أن النفس الإنسانية المشغولة بأمر مستقبلها قد تتصور ذلك المستقبل حلمًا قابلًا للتفسير الصحيح على أسلوب شبيه بأسلوب التنجيم الذي نرجع إليه في تفسير أحلامنا وما تبشرنا به من آمال نترقبها ونمثلها لأخلادنا الخفية على مختلف الأشكال والتعبيرات، وما من أحد شغل نفسه بأمل من الآمال، إلا تمثله في حلمه على صورة تتقبل التحقيق كما تتقبل الخلاف والمناقضة.

أما اسم البلدة فهو في «رحلة ابن بطوطة»: «منية بني مرشد»، وهو في «الخطط التوفيقية»: «منية ابن مرشد»، وهو في الأوراق الرسمية كما ذكرتم: «ميت مرشد» مختزلة كما هو ظاهر من كلمة «منية» التي يقول العارفون باللغة القبطية: إنها مأخوذة من كلمة «مون» أو «مين» الفرعونية بمعنى بلدة، وتتركب منها ومن الأعلام المنسوبة إليها عشرات من أسماء البلدان تكتب في الأوراق «منية» وتنطق على الألسنة «ميت» كميت غمر وميت رهينة وميت سمنود … وغيرها وغيرها.

أما «الخاصكية» فهم مماليك كانت لهم رتبة ممتازة ودرجات عسكرية في قصر الإمارة أو في الجيش كالأتابكية والسلحدارية والجمدارية (حملة السلاح وحملة الجام) وقد كانوا في عهد المماليك برتبة مرافق، رسلًا خصوصيين للسلطان أو الأمير.

ويلاحظ أن مولد الشيخ المرشدي يُحتفل به في شهر «مسري»؛ مما يدل على علاقة البلدة قديمًا بمواسم الزراعة التي كانت تؤرخ بمواقيت مصر القديمة (الهيروغليفية) فيما يتعلق بالنيل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.