‏موضوع الرواية — بإيجاز — أن قمبيز، ملك الفرس، خطب نفريت بنت أمازيس فرعون مصر، فتأبت وتقدمت نتيتاس — بنت الملك السابق المقتول — وعرضت أن تحل محلها، وأن تُزَفَّ إلى قمبيز باسم نفريت، وذلك لتقي مصر غارة الفرس، وتفدي وطنها من سيف قمبيز و«ناره» على قول الشاعر! وتحميه دنس الفقر وعاره، ويكون ما اقترحت، ولكن رجلاً من الإغريق اسمه فانيس كان في خدمة مصر ثم خانها والتحق بخدمة قمبيز، يفشي هذا السر ويُطلِع الملك على جلية الأمر، فيغضب ويسير لغزو مصر فيفتحها؛ وتندم نفريت على أنانيتها وما جرت على بلادها، فتلقي بنفسها في النيل منتحرة، أما قمبيز فإنه بعد فتح مصر يجن من كثرة ما ارتكب من الآثام — ولا سيما قتله أخاه وأخته — فينتحر هو أيضًا.

‏هذه هي القصة كما ساقها شوقي، فكيف صوَّرها؟ والجواب أنه لم يصورها، وإنما جاء بتخاليط عجيبة ظنها تقيم المعالم، وترسم الخطوط، وتصف الحوادث، وتبرز البواعث، وسألخِّص للقراء كل فصل، عسى أن يكون هذا أعون للقارئ على الإحاطة بمبلغ التخليط.

‏في المنظر الأول تظهر نفريت بنت فرعون وعشيقها تاسو حارس أبيها، وكان قبل ذلك يعشق نتيتاس بنت الملك المقتول، ونفريت حزينة تقول لعشيقها إنها مخطوبة لملك الفرس، وإن هذه الخطبة ستقضي عليها وعلى حبيبها معها، فلا يوافقها ويطمئنها بأنه سيلاقيها ويراها في قصر قمبيز، ويكونان معًا كما هما في قصرها بمصر:

نفريت:

في فارس! في قصر زوجي نلتقي؟

يا عجبًا! ماذا تقول يا فتى!

‏تاسو:

لِمَ لا؟ أليس في القصور سعة؟

نحن هناك مثل ما نحن هنا!

نفريت:

هذا الغباء منك تاسو عجب

ليس المكانان على حد سوا

هنا أبي إذا بكيت رقَّ لي

وإن شفعت لك عنده عفا

‏فهذه أول صورة زرية يلقي بها شوقي بك إلى القارئ، صورة قصر الملك الذي يتيسر فيه مثل هذا السلوك الوضيع، ويتسع للفسوق والعربدة، بعلم الملك ورضاه وإغضائه وتسامحه، ولو كانت الفاجرة الفاسقة بنته هو، وما على صاحبة السمو ‏الملكي إذا لم تُعجِب الملكَ سيرتُها، ولم يُرْضِه عهرُها إلا أن تبكي، فيرق قلبه لها، ويدركه العطف عليها، ويطلق لها أن تصنع ما تشاء كما تشاء مع من تشاء، ويعفو عن الحارس الذي يتخذ الأميرة خليلة له!

‏والصورة الثانية الزرية أن الأميرة تعلن إلى عشيقها عزمها على رفض الخطوبة، فيذكرها ما يؤدي إليه هذا من الغزو، فتصيح:

لِيَجْرِ بما شاء تاسو القضاء

لِيَجْرِ بما شاء تاسو القدر

لتخسفْ بقوم عليها البلادُ

ليستأخر النيل أو ينفجر

فأنا أنا فسأبقى هنا

وإنْ غضبتْ فارسُ والنمر

‏فهل رأيت ابنة المَلِك لا تبالي ماذا يصيب مُلْك أبيها؟ وهل خسفت بأهلها البلاد، وهل تدفَّقَ النيل وروى الأرض، أو انحبس عنه الغيث فجف ونضب! وشوقي مع ذلك يريد أن يفهمنا أن الوطنية المصرية كانت حية متقدة، فهلا نزَّه بنت الملك عن هذه الوهدة من الحقارة وضعة النفس وخلوها من كل إحساس نبيل؟

‏ثم تدخل نتيتاس الأميرة بنت الملك المقتول؛ فتظنها نفريت جاءت شامتة! ولا ندري لماذا يعدُّ خطوبة قمبيز لنفريت موجِبة للشماتة، وقمبيز ملك عظيم، ورقعة ملكه واسعة، وبلاده على حظ كبير من المدنية، وهو أقوى من ملك مصر وأضخم شأنًا؟ ولو جاء الشاعر بسببٍ لقلنا هناك سبب والسلام، ولكنه لم يفعل، وتقول نتيتاس إنها ليست بالشامتة وإنها ما جاءت إلا منقذة، فتسألها الأخرى ما الخبر؟ فتأبى أن تفضي به أمام تاسو أو تقول إلا للملك، ومع ذلك — نعم مع ذلك — يأبى تخليط شوقي وعجزه عن التفطن إلى مقتضيات الموقف، إلا أن يجعل نتيتاس تنطق بما أعلنت رفضها النطق به — لنفريت وعلى مسمع من تاسو! ثم تخرج ويخرج تاسو.

‏ثم يلي ذلك منظر عجيب؛ غرفة الملك الخاصة ونفريت مُقبِلة عليه، تشكوه إلى نفسه — بعد التحية — وتلومه، وتقول له:

فبأي قلب يا مليك

تزفني للطاغية؟

أدرك فتاتك قد ضعفت

عن احتمال الداهية

‏وهي التي علمت قبل ذلك أن نتيتاس ستفديها بنفسها، وتحمي مصر عواقب رفض الخطوبة:

أتيت لأفدي بنفسي البلاد

وأدفع عن مصر شر العجم

فإنك إن ترفضوا يزحفوا

كزحف الذئاب ونحن الغنم؟

‏وهو صريح، لا لبس فيه ولا تأويل له.

‏وحين تدخل نتيتاس على الملك، تخرج بنته نفريت لا ندري لماذا؟ بل نحن ندري! وهو أن تتحدث نتيتاس إلى الملك بعزمها أن تحل محل ابنته، ثم تعود نفريت فتدخل، فيقول الملك لها: «تعالي أنبئك الجليل، تعالي» — كأنها لم تعلم من نتيتاس نفسها!

‏وهذا هو المنظر الأول، وذاك مبلغ الاضطراب في تأليفه، والضعة في تصوير الأخلاق والنفوس!

***

‏والمنظر الثاني — أو الثالث كما ينبغي أن يكون لولا أن شوقي مضطرب العقل — يصور وفد الفرس الذي جاء خاطبًا باسم ملكه، ورجال الوفد يتذاكرون ما رأوا «في بلدة العجل» على حد تعبير الشاعر اللبق! فهلَّا سماها «أرض فرعون»؟ فاحتفظ بالوزن وتحاشى ذلك الوصف الثقيل الذي لا ‏يدل على فهم، ولا يُشعِر القارئ بأن للشاعر ذوقًا أو إدراكًا؟ وفي مستهل هذا الفصل يلمس القارئ تعمد شوقي، ويضع إصبعه على نزوعه إلى التملق والنفاق، فليس في الحجرة غير وفد الفرس، حتى يحمل النفاق والمغالاة على محمل المجاملة من خاطب لمخطوب، ومع ذلك لا يكاد رئيس الوفد يسأل رجاله ماذا رأوا حتى يندفع واحد فيقول عن المصريين:

لهم مثل ما للأسد بالجنس عزة

ضواري الفلا عند الأسود كلاب

هم الشهب والناس الجنادل والحصى

وتبر الثرى والعالمون تراب

وكل الذي صاغوا من الفن آية

وكل الذي قالوا هدى وصواب

‏ولا يعقل أن يقول الفرس هذا، وأن يحسبوا أنفسهم في تراب العالم وحصى الأرض وصخورها، وهم أمة فتية لها عزة وفيها نهضة، وأدهى من ذلك أن الشاعر المسكين لا يعي ما يفعل؛ فهو بعد هذا الوصف يُنطِق رئيس الوفد الفارسي بهذين البيتين:

خطبنا إليهم أمس بنت مليكهم

فما كان إلا الاحتقار جواب

وأشفق أهلوها وقالوا حمامة

دعاها إلى الوكر السحيق عقاب

‏وبعد وصف آخَر لحاشية فرعون ولروح المصريين، ولحالة الجيش وأنه صورة ليس وراءها قوة، يعود فيجعل أعضاء الوفد يتهامسون فيما بينهم بأن الخطوبة مرفوضة، وأن الرغبة غير مجابة! وينسى أنه جعل رئيس الوفد يُعلِن أن الخطبة قوبلت باحتقار:

‏أحدهم:

أعلمتم ماذا يُردَّد في القصر

وماذا يقال همسًا ووحيًا؟

الثاني:

ما يقولون؟ هات. قُلْ:

آخَر:

كيف صدت

السر في القصر؟ كيف صدت النجيا؟

هات قُلْ ما بأرض مصر عجيب

مصر دنيا وسائر الأرض دنيا

الأول:

هم يقولون أن بنت أمازيس

عروس المليك تأبى المضيا؟

الثاني:

هازل أنت؟

الأول:

بل سمعت حديثًا

إنْ يكن مفترى، فماذا عليَّا؟

آخَر:

إنه يهذي دَعُوه

كاذب لا تسمعوه!

آخَر:

يزعم الملكة نفريت

ابنة الملك أمازس

ترفض السير مع الو

فد إلى أقطار فارس

آخَر:

ما خطبه؟ ما يدَّعِي؟

امضِ بنا لا نسمع

آخَر:

يقول فرعون مصر

لم يرضَ قمبيز صهرًا

الثاني:

من أمازيس! ما الأميرة!

ما مصر! أفي الأرض مَن بقمبيز يهزأ!

أهذا خبر يروى

غبي أنت والله!

أتحت القبة الزرقا

ء من يسخر بالشاه؟

الأول:

اغربوا ما لكم وما لي

قللوا الشتم والسخر؟

ما الذي قد أتيته؟

ناقل الكفر ما كفر

خبر قيل قد يصح

وقد يكذب الخبر

إلخ، إلخ.

فإذا كان هذا كذلك، فلماذا انطلق رئيس الوفد قبل ذلك بإعلان احتقار الخطبة ورفضها وكراهة تسفير الأميرة إلى بلاد فارس؟ وإذا كان لا بد من أن تثور ثائرة الفرس للهمس بمثل هذا الخبر؛ فلماذا لم يجعل هذه الثورة حين نادى رئيس الوفد أنه خطب أمس بنت الملك فلقي الاحتقار والإعراض، أترى لو جئنا بصبي من صبيان المدارس الابتدائية، ووكَّلنا إليه ترتيب الكلام، أما كان خليقًا أن يرتبه على خير من هذا النحو المشوش!

‏ومن أبعث الأشياء على الدهشة وثب شوقي من مسألة إلى مسألة؛ فهو بعد البيت الأخير (خبر قيل قد يصح وقد يكذب الخبر) يجعل أحد الفرس ينسى الموضوع كله، ويهمل الأمر الذي أحوج إلى الاحتجاج والاستنكار، وينتقل فجأة إلى هذا السؤال:

يا قوم كيف تُرَى تقضون ليلكم

وكيف نومكمو في هذه الدار!

‏وتصوَّرْ هذه النقلة المباغتة من الغضب لما يقال من رفض الأميرة بنت الملك أن تسافر إلى فارس — وهي مهمة الوفد التي جاء من أجلها، وليس له مهمة سواها — إلى السؤال عن الليل كيف يقضيه القوم، والأحلام وماذا يرون فيها؟ هل يجترئ على هذا الوثب إلا ذهن مشوَّش عاجز عن الإدراك، ضئيل الفطنة لما يجب من مراعاة التناسب والسبك؟

‏وما هي الأحلام التي يرونها ويصفها أمير الشعراء؟ هي أحلام أطفال يخافون الظلام ويفزعون من النوم فيه، ويتراءى لهم في منامهم ما أخذته عيونهم في يقظتهم، لا أحلام رجال دولة وفوارس أمة ورُسُل مَلِك عظيم، فواحد يرى «خيال تماسيح وأنوار»، وتبدو له في حلمه توابيت الموتى ينهضون منها بغير أرجل ولا سيقان، وهذا يذكرنا بما تخيف به المرضعات أطفالهن حين يهمسن في آذانهم ليحملنهم على النوم «هس، هس، أبو رجل مسلوخة؟» وآخَر يرى عصفورًا برأس لسان، وثالث رأى العجل أبيس أتى مضجعه وهزه بقرنه وقلبه، وبعد هذه الأحلام الصبيانية يُقبِل تاسو حارس فرعون، فإذا الفرس الذين حضروا أمس — أمس فقط — يعرفون أنه نديم الملك وعشيق بنته!

ندمان فرعون وصا

حبه وحارسه النبيل

ويميل فرعون إليه

وبنته أيضًا تميل!

‏‏والبنت هي التي جاءوا يخطبونها لملكهم!

‏هذان منظران اثنان من فصل واحد أريناك ما فيهما من سخافة واضطراب وخلط، وذاك حسبنا اليوم.

(للكلام بقية)

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.