أكتب هذه المقالة وعيني على الإجازة، فقد اعتدت أن أتوقف عن الكتابة في نهاية شهر يوليو لكي أعود إلى القرَّاء في شهر سبتمبر بإذن الله. ومع تسلط فكرة الإجازة على ذهني لم أستطع أن أختار موضوعًا لهذه المقالة؛ فقرَّرْت الكتابة عن مفهوم الإجازة عندي.

لا أعرف متى بدأت تظهر فكرة الإجازة. وبالقطع لم يظهر ذلك إلا بعد أن استقر الإنسان في مجتمعات مستقرة بعد اكتشاف الزراعة وظهور المدن. أما قبل ذلك حيث ساد نمط اللقط والقنص، فقد كان الإنسان مشغولًا بما يحفظ حياته وأسرته؛ ولذلك فالأغلب أنه كان مهمومًا — طوال الوقت — بالبحث عما يقتات به أو للهرب من الوحوش وربما من غارات الجماعات المجاورة. وهكذا فإن الأيام كانت تتشابه فيما بينها، فليس هناك يوم عمل ويوم راحة، ولا ساعات عمل وساعات فراغ، كله مزيج من العمل والراحة والجري والفرار واللعب والمزاح، وكل شيء يختلط مع كل شيء. فالأيام تتشابه لا فرق بين بداية أسبوع ونهايته، أو بين شهر وآخر، كله تعب وجهد ومرح وخوف وأمل، وكل ذلك متداخل دون حدود واضحة.

ومع استقرار الجماعات عند اكتشاف الزراعة، اختلف الأمر؛ فبدأت تظهر تجمُّعات سكانية كبيرة مستقرة في مكان واحد، كما بدأت تتضح مظاهر التمايز الاجتماعي بين الأفراد والطبقات. ففي ظل مجتمعات اللقط والقنص كانت هناك مساواة كاملة بين الأفراد بلا تمايز بين الطبقات، الجميع سواء. ومع الزراعة لم يعد الأمر كذلك، هناك ضرورة للتعاون ضمن جماعة كبيرة نسبيًّا؛ وبالتالي هناك حاجة لضبط الأمن والاستقرار والقيام بالأعمال العامة للصرف والري، وربما إقامة مخازن للغلال لوقت الحاجة، فضلًا عن الدفاع أمام غارات الجيران، وأيضًا ضد الأرواح الشريرة. وهكذا بدأت تتبدل الحياة الاجتماعية مع ظهور تمايز طبقي بين حكام ومحكومين، أغنياء وفقراء. ولكن لم يكن هذا هو التغيُّر الوحيد، فنمط الحياة وظروف العمل بدأت تختلف مع الزراعة؛ فالزراعة تتطلَّب أعمالًا متنوعة وفي أوقات مختلفة، فهذا إعداد للأرض بالحرث وتنظيف لها من الشوائب والطفيليات، وذاك بذر للبذور وثالث للري، ورابع وخامس، وهكذا. فالحياة الزراعية — وعلى خلاف حياة اللقط والقنص — حياة لها ترتيبات متنوعة، فهذه أيام الحرث، وتلك أيام البذر، وثالثة للري، ورابعة للحصاد، وهكذا. ويتغيَّر نمط العمل في كل مرحلة بين عمل كثيف في بعض المراحل وخفيف في مراحل أخرى. وقد أدَّى هذا التنوع إلى ظهور فترات الفراغ؛ وبالتالي بزوغ مفهوم المواسم والاحتفالات. فهذا عيد لنزول الأمطار أو لفيضان النهر، وذلك عيد لبذر البذور أو لجني المحصول. وهذه الأعياد مناسبات للاجتماع وللإفادة والاستفادة. وفي معظم هذه الأحوال انتهز رجال الدين والكهنة هذا التنوع في طبيعة الحياة الاجتماعية بإدخال الآلهة في كل هذه الأعياد، فهذا عيد «إله» النهر الذي يوفر المطر الغزير أو النهر المليء، وذلك عيد «إله» الحصاد الذي يضمن وفرة المحصول. ولكل عيد ذبائحه وقرابينه، ومعها إجازاته. فالعلاقة بين الإجازات والدين عميقة وقديمة. وربما من أقدم الإشارات الدينية إلى العلاقة بين الإجازة والألوهية ما ورد في العهد القديم من أن الله بعد أن خلق الكون في الأيام الستة الأولى، «استراح في اليوم السابع»؛ ومن هنا بدأ اليهود يكفون عن القيام بأي عمل يوم السبت الذي أصبح يوم الراحة. فالأمر هنا أمر إلهي، والتوقف عن العمل أمر وجوبي وليس للمتعة وإنما للعبادة. وسار المسيحيون على نفس الدرب، وأصبح الأحد هو يوم الإجازة عندهم. وجاء القرآن بالقول: () (صدق الله العظيم). وأصبح يوم الجمعة يوم العطلة عند معظم المسلمين. ولم يكن رجال الدين وحدهم المتنبِّهين لأهمية الأعياد والإجازات واحتوائها بطابع ديني مع ما يتطلبه ذلك من تقديم الذبائح والقرابين للمعابد، بل كان هناك فريق آخر لا يقل يقظة وانتهازية يرغب في الاستحواذ على هذه الإجازات ويسخِّرها لمصالحه، وهم طائفة التجار. فيوم العيد — أو بالأحرى اليوم السابق عليه — أصبح مناسبًا تمامًا لإقامة الأسواق. فالعيد والإجازة أصبحا مرتبطين بالسوق. فلم يعد يكفي أن يستمتع الكهنة بما يفيض من الذبائح والقرابين المقدمة إلى المعابد والآلهة في الأعياد، بل كان من الضروري أن يقفز التجار بدورهم على هذه الفرصة. فالإجازة والعيد أصبحا يعنيان ملابس جديدة وربما أنواعًا محددة للغذاء، فهذا عيد لأكل الخراف، وذلك عيد لأكل الحلويات، وثالث ورابع. والأعياد هي كذلك مناسبة لتبادل الزيارات والولائم ومعها الأخبار والإشاعات، ولا بأس أيضًا من الهدايا؛ وبالتالي زيارة المحلات التجارية للقيام بالواجب. وهكذا أصبحت الإجازة عيدًا للتجار كما كانت عيدًا للكهنة.

وجاءت الثورة الصناعية ولم يعد الإنتاج مرتبطًا بمواقيت متعلِّقة بالمناخ كما في الزراعة، وإنما أصبح المصنع هو مكان العمل، وهو يعمل بنفس النمط شتاءً كما صيفًا، نهارًا كما مساءً. ولكن كان لا بد من تنظيم الأمور، فبدأت تظهر فكرة مواعيد العمل. فالكل يبدأ صباحًا، حيث تتحرك المواصلات وتفتح المحلات ومكاتب الحكومة، والكل يغلق في مواعيد محددة في المساء. ومع ذلك فإن انتهاء مواعيد العمل في المساء لا يعني توقف خدمات التجارة، بل يعني تنوُّعها. فهناك من الخدمات ما يبدأ حين تنتهي مواعيد العمل الرسمية، فانظر إلى المقاهي ودور السينما والملاهي، والقائمة طويلة.

ومع هذا المجتمع الصناعي بدأت الصيحات ترتفع ضد استغلال العمَّال وتشغيلهم ساعات طويلة نهارًا ومساءً بمن فيهم من أطفال ونساء. وهي أمور عرفت فقط مع المجتمعات الصناعية، فالزراعة لا تتطلَّب جهودًا مستمرة بلا انقطاع على مدار السنة، فالطبيعة كفيلة بإعطاء العاملين مهلة للراحة واسترداد الأنفاس. لكن الصناعة لا تعرف قيودًا من الطبيعة، ومن ثم فقد كان من الضروري أن يتدخل المجتمع لوضع القيود والضوابط على تسلُّط الرأسماليين في استغلال العمال والأطفال والنساء. فقامت الأحزاب والنقابات بالمطالبة بوضع قيود على ساعات العمل وضمان إجازات أسبوعية وسنوية للعاملين. وأصبحت الإجازة جزءًا من نظام الحياة المعاصرة. فهناك يوم أو يومان إجازة كل أسبوع، فضلًا عن أسبوعين أو حتى شهرين إجازة كل عام. وهنا أيضًا — وكما في كل مناسبة — قفز التجار لاقتناص هذه الإجازة لصالحهم وليس لصالح صاحب الشأن وحده. فظهرت المصايف والمشاتي لكي تستهلك إجازة الصيف أو الشتاء مع مزيد من الإنفاق. فلكل إجازة تقاليد وطقوس، وهي لا تبدأ في المعابد كما في الماضي، وإنما أصبحت تتركَّز على محلات الشراء ومراكز للتسوق. فهناك ملابس للشتاء وأخرى للصيف، هناك زي البحر، وآخر للجبل، هناك ما يصلح للصباح وغيره للمساء. والنتيجة واحدة مزيد من الشراء استعدادًا للإجازة، وبحيث أصبحت الإجازة نفسها عنصرًا ثانويًّا وهامشيًّا إلى جانب الإعداد للإجازة، الأمر يتطلب شهورًا من الإعداد. فالإجازة في ذاتها لم تعد أكثر من ملحق يضاف إلى بند هام اسمه «الاستعداد للإجازة»؛ الأمر الذي يستغرق شهورًا من الإعداد والاستعداد. هناك حجز للطائرات، وترتيب مع الفنادق، فضلًا عن التنسيق مع الأهل والأولاد وربما الأصدقاء أيضًا لقضاء الإجازة معًا. وإذا كان لديك مقر للاصطياف تذهب إليه بشكل مستمر، فإن الأمور لن تكون أقل جهدًا. فأنت مضطر إلى إعادة الحياة إلى هذا المقر بأن تذهب بنفسك أو ترسل أحدًا؛ للتأكد من وجود الخدمات العامة من مياه وكهرباء وتليفون وتليفزيون، ولا يقل الإنترنت أهميةً الآن، ناهيك عن دفع الفواتير المتراكمة خلال العام الفائت. وعادةً تكتشف أن هناك حاجة ماسة إلى عَمْرة كاملة في هذا المقر الصيفي؛ وبالتالي إلى مزيد من الإنفاق.

وهناك أوهام كثيرة عن الإجازات، وأغلبها غير صحيح. يقولون إن الإجازة فترة للراحة. لا تصدق، هذا وهم كبير؛ فأنت تقوم في الإجازة بإنجاز العديد من الأعمال المؤجَّلة التي لم تستطع القيام بها في فترات العمل. أنت تذهب لاستكمال أوراق رسمية ناقصة، فتذهب إلى المصالح الحكومة لاستخراج شهادة ميلاد أو تجديد بطاقتك الشخصية أو للتصديق على توقيع. وهي مهمة ثقيلة وسخيفة في نفس الوقت، لكنك تتقبَّلها نفسيًّا بنوع من الروح الرياضية أو التعالي الفسلفي؛ لأنك في إجازة.

يقولون كذلك إن فترة الإجازة هي فترة القراءة الحرة. كذب، غير صحيح، على الأقل في حالتي؛ فأنا أحب القراءة في منزلي غير بعيد عن مكتبتي، كذلك أستمتع بالقراءة عندما يزيد ضغط العمل وتكثر المشاغل، فتكون القراءة ليست فقط وسيلة للهروب إنما نوع من الاحتجاج الصامت على سخافة العمل الروتيني؛ ولذلك فإن أجمل القراءات قمت بها عندما كنت مثقلًا بالعمل المكتبي، وغير قليل من هذه القراءات الخارجية كان يتم في مكتبي الرسمي كنوع من الهروب من العمل البيروقراطي. فالقراءة عندي هي — في جزء كبير منها — هروب من العمل، والإجازة هي أصلًا هروب من العمل، فهل تهرب من الهروب بمزيد من القراءة؟ الإجازة عادة للثرثرة والبلادة، وأهم ما فيها هو الخروج عن نمط الحياة الروتيني والتحرر منه.

وأنا شخصيًّا — ومنذ عدة أعوام — أنتظر الإجازة لكي أعود إلى مصر في الصيف، وأمضي معظم وقتي في مارينا غرب الإسكندرية، مؤمِّلًا أن يحضر إليها أيضًا من أنجح في إقناعه من أولادي، ونسبة النجاح في هذه المهمة لا تزيد على ٣٠٪، حيث يقتنع أحدهم عادة بالحضور دون الاثنين الآخرين اللذين تكون لهما مشاريع أخرى أكثر إثارة. وتصبح المتعة الوحيدة والحقيقية هي رؤية من يحضر من أحفادي إلى المصيف، وأن أراقبهم وهم يلعبون ويمرحون، وحيث يطلبون عادة طلبات غير مناسبة في الأوقات غير المناسبة. ولكن، وللغرابة، فإن للاستجابة لهم مذاقًا خاصًّا. ولا يقل متعة في ليالي مارينا أن تستمتع بالإشاعات والنميمة، وهي أخبار وتوقعات تُكَرَّر كل عام، وعادة لا تتحقق وترحل للعام التالي لكي تنطلق وبنفس القوة. وقبل نهاية الإجازة بعدة أيام نكون قد أُرهِقنا بما فيه الكفاية، ونحمد الله على أن الإجازة بأعبائها قد قاربت الانتهاء على خير، ونتطلَّع لعام جديد لنعيد التجربة بنفس التفاصيل. كفى! أخيرًا ينتهى الصيف بمشاكله. وكل عام وأنتم بخير. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.