دُعيت وأنا بمدريد في الصيف الماضي إلى حفلة شاي، دار فيها حوار طريف جدير بالتسجيل. قال أحد المدعوِّين لهذه الحفلة: لقد كنت معجبًا بالجنرال فرانكو أثناء الحرب الأهلية أشد الإعجاب. فإنني أمقت الشيوعية، ولا أطيق سماع اسمها. فلما انتصر الرجل وتولى مقاليد الأمر في إسبانيا اغتبطت لانتصاره، وأمَّلت خيرًا كثيرًا من وراء ولايته الحكم، فلما استقر له الأمر ورأيته أصبح دكتاتورًا كغيره من الدكتاتوريين، ورأيت الحريات في البلد تُقيَّد، أسفت لاغتباطي، وحزنت لما صرنا إليه في هذا العهد الذي لا يستطيع أحد فيه أن يعبِّر عن رأيه علنًا.

وأجاب صاحب الدعوة إلى الشاي: أود أن أسألك يا صديقي، أتعتقد أنه لو انتصر الشيوعيون في الحرب الأهلية أفكانت الحريات التي تتحدث عنها اليوم تُحترم، أم أن السجون كانت ستملأ بالأحرار على نحوٍ لم يعهده أحد من قبل؟

ورد المتحدث: أنا لا أحب الدكتاتورية، ولا أحب الشيوعية. ولكن بين الدكتاتورية والشيوعية تقوم الديمقراطية التي تَحترم الحرية. فلو أن حكومة ديمقراطية قامت في إسبانيا لكانت محل رِضَى الجميع.

وأجابه صاحب الدعوة إلى الشاي: قد يكون هذا صحيحًا، لكن عدم قيام حكومة ديمقراطية يدل على أن أصحاب هذا الرأي ليس لهم من القوة ما يجمع حولهم من ينصرهم على غيرهم. والقوة هي سبيل الحكم. أمَا والقوة اليوم في أيدي فرانكو وأصحابه، فيجب على الأقل أن تحمد له — يا صديقي — أنك في أمن على مالك وعيالك، وأن ما يفرض من حدود على حريتك لا يجني على هذا الأمن. وإلى أن توجد للديمقراطية التي تتحدث عنها قوة، تمكِّنها من الحكم، فيجب أن نرضى عن هذا الواقع؛ لأنه على الأقل أخف الضررين.

وأجابه المتحدث: على أية حال، نحن لا مفر لنا من النزول على الأمر الواقع ما دمنا لا نستطيع تحويره أو تغييره. وأوافق على أنَّا في إسبانيا لا نملك من ذلك شيئًا؛ فحوارنا الساعة غير منتج. وخير لنا أن ندعه لغيرنا أو للجيل الذي يخلفنا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.