يقول السيد «عبد الحافظ عسل» في رسالته إن القراء يترقبون بين العبقريات التي كتبناها عبقرية عن البطل صلاح الدين الأيوبي، ويسأل: لماذا لا تطالعنا بعبقرية عنه لما له من المكانة بين الشرق والغرب؟

والسؤال في موضعه عندنا وعند قراء التراجم والسير التي نسميها بالعبقريات؛ ولهذا تلقيناه غير مرة قبل الآن، ونحسب أننا سنتلقاه بعد الآن مرات.

وقد يتضح وجه المعذرة من ناحية عامة في صعوبة الإحاطة بتراجم عظمائنا الأولين الذين يشملهم وصف العظمة ووصف العبقرية، فإنهم كثيرون — بحمد الله — لا تتيسر الإحاطة بهم لمؤلف واحد على وتيرة واحدة. ولكن هذه المعذرة — من الناحية العامة — ليست كل ما نعتذر به حين يتجه إلينا مثل ذلك السؤال.

فلعلنا نكشف للسائلين شيئًا من سر الصنعة حين نقول: إننا نفضل الابتداء بالعبقريات التي لم تلقَ نصيبها من التقدير أو التي تختلف في النظر إلى أعمالها مقاييس عصرها ومقاييس العصر الحديث، ويجب — من أجل هذا — أن نعرفها عظمة وافرة العبقرية بمقاييس المتأخرين من الشرقيين والغربيين.

ومن عجيب المصادفات أنني تلقيت السؤال عن عبقرية صلاح الدين، وقد وصل إليَّ في اليوم نفسه بريدي العربي وفيه مقال لي مكتوب منذ ثلاثة أشهر لقافلة الزيت عن طريقتي في اختيار الموضوع لمؤلفاتي حيث أقول: «إن القاعدة في اختيار ترجمة ما للكتابة فيها أن تكون كتابتها لازمة لإبراز حق ضائع أو حقيقة مجهولة»، ثم يستطرد بي التمثيل إلى ذكر صلاح الدين دون غيره فأقول: «ولست أجد في نفسي باعثًا قويًّا للكتابة عن العظماء الذين اتفقت لهم الفرصة والعظمة معًا فاستحقوا المجد الذي نالوه ولكن بشيء من المبالغة العاطفية أو مبالغة الظروف ومناسبات الحوادث؛ ولهذا أفضل الكتابة عن عبقرية خالد على الكتابة عن عبقرية صلاح الدين، لأن إنصاف صلاح الدين لا يحتاج إلى مزيد.»

وقد خطر لي يوم كتبت ذلك المقال أن هذه القاعدة غير واضحة — على الأقل — بالنسبة إلى «عبقرية محمد» وهي أول ما كتبت من هذه العبقريات، ولكنها في الواقع هي التطبيق الصحيح لهذه السُّنة وإلى هذه الغاية؛ لأنني قصدت كتابة «العبقرية المحمدية» بالأسلوب الذي يوضح عظمتها لمن يدين بعقيدتها ومن يدين بغيرها من العقائد على السواء «… فهي عظمة القداسة التي تعلو على إنصاف المنصفين وافتراء المفترين، ولكنني كتبتها للقارئ — الإنسان — الذي تضطره مقاييس الإنسانية العليا إلى تعظيم نبي الإسلام. وتوخيت في بيان خلائقه وأعماله أن تسقط عذر الخلاف في الدين لمن يحجم عن تقدير تلك العظمة جهلًا منه بدين الإسلام أو بتاريخ النبوة الإسلامية، ولم أشأ أن أجعل الاعتراف بها موقوفًا على صفة يدين بها المسلم لأنه مسلم ويرفضها المخالف لأنه يرفضها بحكم العقيدة الدينية.»

وربما كان في هذا التوضيح الوجيز رد على الذين استغربوا أن يكون الكتاب قليل الشواهد من الآيات والأحاديث ومن المصادر الدينية الإسلامية على الخصوص، فإن هذا الذي استغربوه — أو انتقدوه — هو مزية الكتابة لهذه الغاية وليست موضع النقد فيها.

وممن خفيت عليهم هذه الغاية من خطر له أن تسمية الكتاب «عبقرية محمد» تسمية لا تناسب موضوع الترجمة للنبي عليه السلام. ولا وجه لهذا الخاطر غير التعجل وقلة الالتفات إلى موضوع الترجمة وغايتها، فإن المؤمن بالنبوة المحمدية قد يكتب عن بلاغة محمد وعن حكمة محمد وعن شجاعة محمد، وعن كل منقبة من المناقب التي اتصف بها عليه السلام، بل هكذا ينبغي أن يكتب عناوينه حين يترجم لهذه العظمة؛ لأن المناقب النفسية والخلقية هي محور البحث عند الكلام عن خصائص كل نبي بين سائر الأنبياء، فإن النبوة تجمعهم كافة مع تعدد الخصائص وتعدد الرسالات على حسب الأقدار والأعمال.

***

ونعود إلى عظمائنا الذين نُسأل عن عبقرياتهم بين حين وحين، فنقول: إن الوقت يضيق باستيفاء الكتابة عنهم في سلسلة من العبقريات على منهاج العبقريات التي ظهرت حتى الآن، ولكننا قد نستطيع أن نقرن بين الكثيرين منهم في مجموعة واحدة تغني بالجوهر المجمل عن التفصيل المطول، وهي — كما لا يخفى — لا تكفي لإشباع البحث في تلك السير، ولكنها كافية لتحقيق غرض واحد؛ وهو: تطبيق الدراسات النفسية والمقاييس العصرية على نماذج العظمة في تاريخنا القديم والحديث. وعندنا من هذه النماذج كثيرون تتجلى عبقرياتهم بين أعظم العبقريات في جميع الأمم، إذا قيست بهذه المقاييس وتناولها البحث على منوال هذه الدراسات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.