تَوصَّلَ بَحْثٌ إحصائيٌّ لأستاذ علم النفس المساعد في جامعة كاليفورنيا «جيمس كوفمان»، خلال عام ١٩٨٧، عن علاقة المبدعين بالموت، من ثقافات وبلدان مختلفة، إلى أنَّ متوسط أعمار الشعراء ٦٢ عامًا، وكُتَّاب المسرحية ٦٣ عامًا، وكُتَّاب الرواية ٦٦ عامًا، وبقية الكُتَّاب ٦٨ عامًا، وأن الشاعرات هن الأكثر عرضة للإصابة بالمرض النفسي قبل موتهن أو انتحارهن.

ما الذي يَعْنِيه هذا؟ يعني — بحسب الإحصاء الذي تقصَّى أعمار الشعراء خلال الفترة من عام ٣٩٠ حتى أواخر القرن العشرين — أن الشعراء هم الأَقْصَر عمرًا، هم الذين يخطفهم الموت أولًا، قَبْل أن يلتفت إلى الباقين، هم الذين يقولون ما لديهم وهم يعرفون أنهم به يستفزون الموت. والدراسات التي تحدَّثَتْ عن الموت المبكر للكُتَّاب، أو إيداعهم المصحة النفسية قبل رحيلهم، أو اتخاذهم قرارًا بمغادرة الحياة انتحارًا؛ كثيرةٌ. لكن المؤكد أن ثمة علاقةً غامضة بين الموت والشعر تحديدًا، واللافت أيضًا أنه على الرغم من مغادرتهم الحياة مبكرًا إلا أنهم تركوا آثارًا شعرية لا تزال من عيون الشعر، وكأنهم أرادوا أن يقولوا كل ما لديهم خلال الفترة القصيرة التي سمحت لهم الحياة بها؛ فخرجت القصائد كأنها قطعة من العذاب أو قطعة من الجحيم، إذا استحضرنا روح «رامبو». ولدينا في شعرنا العربي نماذج كثيرة؛ أقربها: أبو القاسم الشابي، وأمل دنقل، وصلاح جاهين، وأسامة الدناصوري. وربما تجدر هنا الإشارة إلى الأنطولوجيا الشعرية التي أعدَّتْها الشاعرة اللبنانية جمانة حداد قَبْل سنوات، بعنوان «مائة وخمسون شاعرًا انتحروا في القرن العشرين»، وذكرت فيها خمسة عشر شاعرًا عربيًّا، ربما يبدو أشهرهم الشاعر اللبناني خليل حاوي.

وتتبُّع تاريخ أشهر شعراء العالم الذين رحلوا عن الحياة مبكرًا أو انتحارًا، يبدو مثيرًا للدهشة والتساؤل فعلًا، وإذا كُنَّا قد أشرنا في مقال سابق إلى بعض الشاعرات اللائي اخترْنَ الانتحار طريقًا للموت؛ مثل: «سيلفيا بلاث» التي اختارت أن تنهي حياتها بأن وضعت رأسها في فرن البوتاجاز المشتعل، أو «آن ساكستون» التي انتحرت في سن السادسة والأربعين. فإن هناك حالات أخرى تؤكِّد لنا أنه بقَدْر الموهبة يكون الألم، ويكون العذاب، ويكون الجنون، ويكون الموت.

ﻓ «بول فرلين» الذي أَطْلَقَ على صديق عمره «رامبو» رصاصتين لأنَّه أخبره أنه سيتركه ويرحل وأُودِعَ السجنَ بعد ذلك؛ خرج مريضًا بتلفٍ في الدماغ، ومرض السكر، وتقطُّع في ضربات القلب، وتليُّف في الكبد، والتهابات جلدية مُعْدية، وتصلُّب في شرايين الساق اليسرى، والتهاب الرئة؛ قَبْلَ أن يدخل مستشفى الأمراض النفسية، قبل أن يُنهي الموتُ حياتَه القصيرةَ البائسةَ. أما الشاعر «جيرار دو نيرفال» الذي دخل المصحة النفسية أيضًا؛ فقد اختار أن يضع حدًّا بيده لحياته عندما توجَّه إلى ساحة «شاتليه» بباريس، وعلَّق نفسه في شجرة هناك ليموت مشنوقًا في ساحة تَحْمِل اسمه الآن، وهو قريبٌ ممَّا فَعَلَه الشاعر الروسي «ماياكوفسكي» الذي أطلق النار على نفسه في غرفته وهو ما زال في العقد الثالث من عمره. أصغر الشعراء رامبو حاول أن يفر من الشعر ومن الموت الذي يحمله الشعر؛ فارتحل إلى أفريقيا واليمن، وعمل تاجر سلاح ورقيق، لكن الموت جاءه على هيئة سرطان نهش ساقه حتى بُتِرَتْ، قبل أن يقضي عليه تمامًا.

لكن لم يكُن الانتحار هو سبيل الموت لدى الشعراء العرب القدامى، بل كان الشعر هو الطريق، وكانت الكلمة مرادفًا للسيف. ولعل الجميع يعرف حكاية بيت الشعر الذي قَتَل صاحبَه، ويُقصَد به «المتنبِّي»؛ إذ قَطَع طريقَه — أثناء عودته إلى الكوفة بعد مدحه عضد الدولة البويهي في شيراز — أعرابٌ من بني ضبة بقيادة «فاتك الأسدي»، وكان المتنبي قد هجا ضبة بشعر مقذع وسبَّ أمه؛ فدار قتال شديد بينهم وبين المتنبِّي وابنه وغلامه، وأراد المتنبِّي أن يفر، ولكن غلامه قال له: كيف تفر من المعركة وأنت القائل:

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفُني

والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

فرجع للقتال وقاتَلَ حتى قُتِل.

أما صاحب إحدى أشهر المعلقات، وهو «طرفة بن العبد»، فقد قُتِل وهو لم يزل في السادسة والعشرين من عمره، بعد أن هجا الملك «عمرو بن هند»، فأعطاه عمرو رسالةً — ولم يكن طرفة يعرف القراءة — إلى عامله على البحرين جاء فيها: «إذا جاءك حامل الرسالة فاقطع رأسه.» وهو ما حدث. وهناك حوادث كثيرة شبيهة قَتَل الحُكَّامُ فيها الشعراءَ، مثلما حدث مع الحلاج وابن الرومي ووضاح اليمن وبشار بن بُرد ودعبل الخزاعي، والمهلهل الذي قال فيه امرؤ القيس:

ومهلهل الشعراء ذاك الأول

وإذا كانت الكلمة أو القصيدة هي السبب في مقتل شعراء العرب القدامى، فإنها كانت وراء مقتل بعض شعراء الغرب المحدثين، مثل الشاعر الإسباني «فيديريكو غارثيا لوركا»، الذي مات وهو في السابعة والثلاثين من عمره، أثناء الحرب الأهلية الإسبانية بين الملكيين والجمهوريين على يد نظام الجنرال فرانكو، ويُقال إنه أُعْدِمَ رميًا بالرصاص.

أما «بابلو نيرودا»، فبعدما قَتَلَ جنودُ الجنرال أوغوستو بينوشيه الرئيسَ «سلفادور الليندي»، ذهبوا إلى بيته، وعندما سألهم نيرودا عن الذي يريدونه، قالوا له: «جئنا نبحث عن السلاح في بيتك.» فردَّ قائلًا: «إن الشعر هو سلاحي الوحيد.» ثم تُوُفِّيَ بعدها بأيام، لكن عاد نيرودا مؤخرًا للأضواء مرة أخرى بعد أن نُبش رفاته لمعرفة ما إذا كان مات بالسم أم بالمرض.

أما الشاعر الروسي العظيم «ألكسندر بوشكين» الذي مات في الثامنة والثلاثين من عمره، فقد كانت وفاته هكذا: ظهر ٢٦ يناير من عام ١٨٣٧، في غابة من ضواحي «سان بطرسبورغ»، وقف أمام البارون «جورج دانتس» يحمل كلٌّ منهما مسدسه في مبارزة حاسمة، قبل أن يُطْلِق الضابطُ رصاصته لتخترق معدة الشاعر الذي هوى على الثلج، ومات بعدها بيومين.

هناك عشرات الحكايات عن موت الشعراء الغريب والمبكِّر والفجائي، والذي كان الشعر فيه حاضرًا بقوة؛ حاضرًا كشاهد وكمحرِّض وكدافع، وأحيانًا كقاتل! هل يقتل الشِّعْرُ شاعِرَه؟ هل يدفعه إلى الموت؟ هل تدور الكلمات في رأسه مثل طاحونة فتدفعه للجنون؟ هل يصبح مثل الزيت المغلي الذي يُصَبُّ على الحياة فيصهرها حتى تختفي تمامًا؟ مَنْ قَتَل الشعراء؟ ربما يمكن اعتبار الشِّعْر هو المتهمَ الأوَّلَ في معظم ما فات، لكن ما أجمله مِنْ قَاتِلٍ! ما أَرْوَعَ كلماته ودبيبَه في الجسد! ما أشهى خنجره الذي تسيل منه الكلمات والدم! نتقدَّم نحوه بابتسامة واسعة، وأحضاننا مفتوحة على اتساعها؛ فلا نامَتْ أعين الجبناء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.