ما هو دور علمائنا وأدبائنا وشعرائنا في غزو الفضاء؟

وماذا تفعل سيادتكم لو قالوا لك إنك ستصعد إلى القمر بعد أربع وعشرين ساعة؟

مدرسة العروة الوثقى — الإسكندرية، عبد الرزاق فهمي المهداوي

في وُسع الطالب النجيب أن يطمئن إلى درجات علمائنا وأدبائنا وشعرائنا في هذا الامتحان العسير.

بل في وسعه أن يطمئنَّ إلى دور أمتنا كلها في هذا الامتحان؛ لأن القدرة الأولى والأخيرة في مسألة غزو الفضاء إنما هي قدرة المال الكثير الذي لا غنى عنه للعلماء ولا للأمم، ولو كان جميع أفرادها من العلماء المخترعين المبتدعين المبدعين.

ألا يرى الطالب النجيب أن السباق في ميادين الفضاء محصور بين أغنى الأمم وأكبرها عددًا وثروة؛ وهم السوفيت والأمريكيون؟

أيظن أن العلماء والمخترعين لا يوجدون في بلاد كسويسرا والدنمارك والسويد والنرويج وإيطاليا وألمانيا وفرنسا وهولندا والبرتغال؟

أيظن أن تلك البلاد لا يوجد فيها الطيارون المستعدون لركوب الطائرات إلى أبعد مجاهل الفضاء؟

إن بريطانيا موطن «رذوفورد» — إمام مباحث الذرة — لم تَرصُد بميزانيتها شلنًا واحدًا لحساب المركبات الفضائية؛ لأنها لا تملك الثروة التي كانت تملكها بالأمس، ولا تأمن حكومتها أن يثور عليها شعبها إذا أنفقت من محصول الضرائب ما يكفي هذه التجارب والمحاولات.

ولو كانت هذه التجارب والمحاولات من المشروعات التجارية لما تأخرت إلى هاتين السنتين؛ لأن الوسائل العلمية والصناعية قد كانت موفورة معروفة لكل تجربة أو محاولة تدعو إليها أعمال السفينة الفضائية، ولكن شركات التجارة لا تُقْدِمُ على عمل كبير النفقات مجهول النتيجة قبل أن يتحقق أصحاب الأسهم من جدواه، ولا بد من الانتظار بالتجربة والمحاولة إلى أن تتولاهما الدول التي تقدر عليهما ولا تحسب حساب الربح والخسارة في مسائل الدفاع والهجوم، وما زالت الولايات المتحدة تُدرِج نفقات هذه التجارب بين تكاليف وزارة البحرية وميزانية الدفاع على الإجمال، وما تزال التجارب المسموح بها في ميزانيات الدول الصغيرة مقصورة على الصواريخ النووية وأسلحة الذرة بأنواعها المختلفة، ولا ينتظر أن تتحمل هذه الميزانيات أعباء علم الفضاء وصناعة الفضاء في نطاق أوسع من نطاق المعامل الكيمية ومدرجات المعاهد العليا بالجامعات.

ولو كانت لبلادنا ثروة تسمح لها بإنفاق ألوف الملايين على تجارب غزو الفضاء لما شككنا في إمكان علمائنا وصُنَّاعنا أن يدخلوا هذا السباق على أمل كبير في النجاح؛ فقد سمعنا كبار الخبراء الغربيين يقولون إن الجندي المصري الذي قَلَّ أن يحسن القراءة العربية — فضلًا عن الأجنبية — كان أقدر على استخدام الرادار أثناء الحرب العالمية الكبرى من جنود البريطانيين والأمريكيين، وقد رأينا بأعيننا جهلاء الريفيين يحاولون صناعة المذياع وإدارة المكنات وإصلاح الساعات وهم غير مستعدين لذلك بغير عدة النظر والمراقبة والخبرة بالبسائط من آلات الريف، وشاهدنا منهم من يقود الباخرة بين جنادل الشلالات ولا سابقة له في هذا الفن غير النظر إلى طاحون البخار هنا أو مكنة الزورق هناك.

فالحيلة الآلية قديمة عندنا، واشتغال الأقدمين هنا بهندسة الحياض وأدوات الري ومراقبة الأجرام السماوية ميراث نافع جدًّا في العلوم الرياضية والصناعات الرياضية على التعميم، وقد كان الإغريق يُسمُّون الهندسة بعلم قياس الأرض؛ لأنها كانت تستخدم لهذا الغرض عند قدماء المصريين، وكان أفلاطون يوصي تلاميذه بأن يتقنوا «الحساب» كما كان يتقنه أولئك القدماء، وما أقرب «الرياضة» على اختلاف أبوابها من هذه الصناعات وهذه التجارب والمحاولات، ولو صَعَدَتْ إلى عنان السماوات.

سؤالك يا سيد عبد الرازق سؤال تلميذ يحكُّ أنفه لأساتذته العلماء والأدباء، كأنه يقول لهم: أين شطارتكم يا هؤلاء وأنتم ترهقوننا بالأسئلة وتضنُّون علينا بالدرجات وتستطلعون ما نعلم وما لا نعلم من هذه المخترعات وتلك المعجزات؟

لكن هؤلاء الأساتذة يستطيعون أن يحكُّوا لك أنفك وأنوفهم كلما سألوك: أتدري كم ثروة الروس والأمريكيين وكم ثروتك — ثروة بلادك — على غاية ما وصلت إليه؟

أتدري؟ … لا!

إذن حاسب على درجاتك في الجغرافية والحساب.

أتدري؟ … نعم!

إذن لا تسأل ذلك السؤال وأنت تحك أنفك وتبتسم ابتسامة الشماتة بعلمائك وأدبائك، بل تسأله — إن شئت — وأنت تدعو الله أن يرزقنا الملايين وألوف الملايين، ويسلكنا بين عباد الله الطائرين المحلقين، ويعلمنا الرفق بعلمائنا المساكين، عند تلاميذهم الشياطين!

أما سؤالك الآخر عمن يسألني عن الرحلة غدًا إلى القمر فجوابه للراحل الكريم: مع السلامة وإلى اللقاء، وإنا منتظروك على رجاء، وحبذا لو صدق الرجاء، في الهواء وما فوق الهواء!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.