طال علي زمن لم أغشَ فيه مجالسنا المصرية، ولم أستمتع فيه بتبادل الحديث مع إخوان من طبقات متنوعة وآراء مختلفة. ولكنني اليوم أخذت في أن أغشى المجالس وأخلص منها مع شجون الحديث شيئًا يتصل بحياتنا الاجتماعية وبما يجري في بلدنا من عبرٍ وشئون.

يقولون في المجالس: إن نوعًا من الفساد الأخلاقي سرى إلى نفوس الناس وسعى إلى ضمائرهم؛ فأصبح البعض يشوه سمعة البعض بالتهم الباطلة في سبيل الفوز في الانتخابات، وأصبح البعض يستهين بكرامة نفسه، وحق مهنته وذمته؛ ليكون من الناجحين.

ويقولون: إن زعماء البلد وأساطين الرأي فيها والواقفين على حقائق الأمور ودقيق المسائل، لا همَّ اليوم لهم إلا أن يكيد بعضهم لبعض، ولا عمل لهم إلا في العمل على تحقيق مكائدهم والنيل من خصمهم الوطني وإسقاطه، وما يتصل به من خير وشر.

ويقولون: إن ثقة الناس بعضهم ببعض قد ضعفت، وقد تفككت بينهم الروابط؛ فلا تجد الواحد فيما يسعى إليه الآخر إلا سعيًا وراء مصلحة شخصية وتضحية بالمصلحة العامة.

ويقولون: إن القوم أصبحوا في ضلال عن سبيل الإصلاح الصحيح؛ فلا تعليمنا يتطور إلى أحسن، ولا مدارسنا تسير في سبيل التقدم المعقول، ولا صوت الحق يعلو بين ظهرانَيْنا، ولا الأهواء تسكت ضوضاؤها قليلًا.

ويقولون: إن الأحقاد قد ملأت صدور كبارنا وصغارنا؛ فلا تنطق الألسنة إلا بكلمة الانتقام من خصومهم، ولا ترى أبصارهم إلا هوة سحيقة تفصل بينهم وبين الآخرين.

ويقولون: قد اختل توازن المنطق واعتلت الفطر السليمة؛ فأصبح جو البلاد مسمومًا بالتهويش والعنت والمكابرة، وأصبحت الأهواء السياسية تحول بين مقدمات المنطق ونتائج المعقول.

ويقولون: إن البلد يزداد فيه العاطلون، ويتكاثر فيه المشردون وسيئو السيرة والأخلاق، ويختل توازنه الاقتصادي شيئًا فشيئًا، وتتكون فيه أيام الشدة والعسر قليلًا قليلًا. ويقولون: إن مظاهر الحياة العمرانية ونظم الاجتماع تضطرب بين أفكار أهل المحافظة وأفكار أهل الانتقال والانقلاب، فلا وجهة متتابعة واضحة لتيار التقدم، ولا تقدير للخطا ولا وزن للمسير.

يقولون ذلك ويقولون أكثر من ذلك مما تنتهي صوره إلى صورة واحدة: صورة التقزز والاشمئزاز، وتنتهي معانيه إلى معنى الاستياء العام.

وفي الحق أنه لا فرية فيما يقال، وفي الواقع أن في البلد استياءً عامًّا، وفي المحسوس أننا نتنفس من جوِّ فتنة ومحن.

في الاستياء العام دليل على أن النفوس لا ترضى بالحال. وفيه دليل على أن النفوس تتطلع لحياة أفضل. وفيه دليل على أن الأذهان تتمخض بمثلٍ للحياة خير من تلك المثل التي فيها نعيش. وفيه دليل على أن الصدور تواقة لتنسم هواء أصلح من الهواء الذي منه يتنفس، وكل ذلك ينبئ عن أن البلد أصبحت قاب قوسين من ثورة للإصلاح.

ولكن هاوية سحيقة قد تتكون في سبيل هذه الثورة، ولكن مفازات قد تكون في سبيل هذا الانقلاب، فما واجبنا اليوم نحو هذا الاستياء؟ وما واجبنا اليوم نحو هذه الثورة الإصلاحية المنتظرة؟

واجبنا يقضي أن نتساءل كثيرًا عن أسباب هذا الاستياء.

واجبنا يقضي أن نشخص اليوم أدواءنا الاجتماعية.

واجبنا اليوم يقضي أن نتلمس الدواء للمرض مهما كلفنا الدواء من عناء.

واجبنا اليوم يقضي أن نُجهد الفكر ونطرح عليه كثيرًا من المسائل، فنسائل أنفسنا بإخلاص وروية: أحقًّا في البلد استياء عام؟ وماذا يكون يا ترى سبب هذا الاستياء؟ وماذا ينبغي أن تلزمه عقولنا ليكون النظر سالمًا والحكم صحيحًا؟ وماذا ينبغي أن نعمل لنتخلص من حال سيئ إذا كان البلد متورطًا في حال سيئ؟

وماذا ينبغي أن نعمل ليستقيم الحال، وينقشع الغمام، ويصفو الجو؟

أسئلة ينبغي على الناس أن يجعلوا لها في نفوسهم نصيبًا.

أسئلة ينبغي على الكُتاب والصحف أن يجعلوا لها من أقلامهم وأنهرها موضعًا، فإذا فعلوا فإنما هم يهيئون السبيل السوي لثورة الإصلاح؛ ثورة لا ريب فيها ولا شك، آتية لتمحو الباطل، وتنصر الحق، وتنقي الجو، وتقضي على شرور من يتلمسون الصيد في الفوضى. وإذا هم لم يفعلوا فأخشى أن الثورة المنتظرة تتعثر بينما هي تسير في سبيل الظلام، والجو قاتم والمرحلة خطيرة، أخشى حينئذٍ أن يصادف سيرها للأمام مآزق الخطر ومخاطر الهاوية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.