كان أمس مطلع العام الميلادي الجديد، عام ١٩٥٦.

وقد عودت صحف العالم الناس أن تهنئهم بمطلع كل عام جديد، وأن ترجو لهم فيه الخير والسلام، وأن تُسجِّل ما حدث في العام الماضي من أحداث تأثر بها اتجاه العالم، أو كان لها في حياته من الأثر ما يرجى له البقاء، وقد حاولت أن أجد في أحداث سنة ١٩٥٥ شيئًا من ذلك فأجهدني البحث، وكدت أن أخرج منه بغير طائل، لولا الحرص على أن يمتد إلى هذا الظلام المخيم على الإنسانية شعاع من نور يحجب عن عيوننا ما يكاد يتولى الإنسانية من اليأس حين تفكر في مستقبلها.

وليس هذا الشعاع الذي جهدت في تصوره من عمل الساسة في الدول الكبرى، فهؤلاء الساسة يحاولون أن يبتكروا جديدًا يزيل ما يعانيه العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من توتر، وأن يزيلوا بذلك خوف الناس من الحرب، فإذا هم يدورون في الحلقة المفرغة التي لا يعرف أحدهم لها بدءًا ولا نهاية، ولقد خيل إليهم بعد وفاة العاهل الروسي الماريشال ستالين واختيار الرفيق مالينكوف مكانه أن سياسة العالم موشكة أن تتغير، فإذا الحلقة المفرغة هي هي، وإذا ساسة الشرق وساسة الغرب يدورون فيها ولا يجدون منها فكاكًا، وتغير مالينكوف وحل الماريشال بولجانين مكانه في زعامة روسيا، واتفق مع ساسة الغرب على أن يجتمعوا في جنيف ليحلوا السلام محل الحرب الباردة، وقد اجتمعوا واجتمع وزراء خارجيتهم من بعدهم، فإذا هم جميعًا يدورون في الحلقة المفرغة وكأنما أعينهم معصوبة فهم لا يجدون إلى مغادرة هذه الحلقة طريقًا.

وإذا نحن تركنا ميدان السياسة إلى ميدان الاقتصاد أو ميدان العلم أو الأدب أو الفنون الجميلة بصفة عامة وجدنا الحالة فيها كالحال في السياسة؛ جدال متصل، وتوتر مستمر، وأزمة تعقبها أزمة، ومطاعن متلاحقة كلما اشتدت الأزمة، ثم عود إلى الحلقة المفرغة التي يسير عالمنا المضطرب فيها منذ انتهت الحرب العالمية الثانية، بل منذ بدأت تلك الحرب.

أتراني مع ذلك كله أستطيع أن أتوسم قبسًا من نور وشعاعًا من أمل في توجيه العلماءِ الطاقةَ الذريةَ للأغراض السلمية، لعل هذا التوجيه أن يحل العويص من مشكلات العالم الاقتصادية. لقد كانت الحروب تثار فيما مضى من أجل الحكم تارة، ومن أجل البترول أخرى، ولا أحسب أن مادة اليورانيوم مثلًا ستكون مثارًا للحروب بهذا المقدار، فإذا اتجهت الطاقة الذرية لخدمة الأغراض السلمية ولم يترتب على ذلك نزاع جديد على المواد الأولية التي تستخدم لهذا الغرض، فربما تحقق الأمل في أن تنفرج هذه الحلقة المفرغة، وأن يخرج الناس من دائرتها المقفلة إلى طريق فيه فسحة وفيه استقامة.

هذا في اعتقادي هو شعاع النور الذي خلَّفه العام الفائت وراءه، والذي يتيح لنا أن نتنفس بعض الشيء آملين أن يرتفع عن صدر العالم هذا الكابوس الذي يثقله منذ سنة ١٩٣٩، فأما إن خبا هذا الشعاع وبقينا العام الجديد في مثل ما كنا فيه العام الفائت؛ فوارحمةً لأعصاب الإنسانية! ويا حسرة على العباد يعيشون في هذا الجو الخانق الذي يعرف الألم ولا يعرف الأمل!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.