دع حديث المصريين الذين تشتد عليهم المحنة السياسية الحاضرة، فيعجزون عن احتمالها، ويضعفون عن الثبات لها، وتضيق عليهم الحيلة، وتغلق أمامهم الأبواب؛ فيلجئون إلى دار المندوب السامي يبثونها شكواهم، ويلتمسون منها العون، ويبتغون عندها الإنصاف. فهذا فساد في الخلق والضمير، لم يكن منه بدٌّ بعد أنْ بلغت المحنة السياسيَّة ما بلغت، وبعد أنْ فسد رأي الناس في العدل الاجتماعي، وساء ظنهم بالقيام على هذا العدل، والاحترام لما ينبغي أنْ يصوره من قانون.

ونعوذ بالله أنْ نعتذر عن هؤلاء المصريين، فما كنا لنعتذر عن قوم ينتهي بهم فساد الخلق والضمير إلى إنكار الوطن والتفريط في حقه، والتضحية بالكرامة القوميَّة في سبيل الحصول على منفعة عاجلة، أو التخلص من ظلم مهما يكن شديدًا. أولئك قوم ضعاف، لم يخلقوا للجهاد، ولا للثبات فيه، ولم تخلُ منهم أمة من الأمم، ولم يبرأ منهم شعب من الشعوب. ولكن حديثهم طويل ثقيل، ليس هو الذي نريد أنْ نعرض له الآن. ودع حديث هؤلاء المصريين الذين تثقل عليهم المحنة السياسيَّة وتتنكر لهم الخطوب، فينتقلون بالشكوى وطلب الإنصاف من القاهرة إلى لندرة، ويعرضون مظالمهم على الإنجليز في بلاد الإنجليز، فهؤلاء كأولئك؛ قوم ضعاف هانت عليهم أنفسهم، وهانت عليهم بلادهم، فهم لا يقدرون كرامة، ولا يرعون حقًّا، وحديثهم — أيضًا — طويل ثقيل لا نريد أنْ نعرض له الآن. أولئك وهؤلاء خليقون بأثقل اللوم، ولكنهم لا ينفردون به، وإنما يشاركهم فيه هؤلاء الذين سلطوا عليهم الظلم الثقيل، وصبوا عليهم البلاء المتصل، واضطروهم إلى ما تورطوا فيه من الخزي. إنما نريد أنْ نتحدث عن هذه المسألة التي أثيرت في لندرة، ونقلت إلينا رسائل البرق أنباءها أمس؛ فقد ذهب مدير البلدية السابق في الإسكندرية إلى لندرة، وزار جمعية النيل فيما تروي «المقطم»، وأخذ فريق من أعضاء هذه الجمعية يسألونه عن أحداث الكورنيش، وأخذ هو يجيبهم متبسطًا غير متحفظ، ثم انتهى الحديث به وبهم إلى أنَّ الموظف مخطئ حين يطيع ما يصدر إليه رؤساؤه من الأمر، إذا كان هذا الأمر يخالف القانون. هنالك ظهرت معاذير وبدت ألوان من التعلَّة، فقال قائلون: إنَّ الموظف معذور إنْ خالف القانون ليطيع الرئيس؛ لأنه في حاجة إلى أنْ يعيش، ولأنه لا يأمل إنْ لم يصبح بالقانون والأمانة له في سبيل إرضاء الرؤساء أنْ يُقصى عن منصبه، ويُضطر إلى البطالة وما يتبعها من الحرمان. وقال قائلون: إنَّ ضعف الموظفين وفساد أخلاقهم وضمائرهم، هما اللذان يدفعانهم إلى التضحية بالقانون والأمانة له؛ في سبيل إرضاء الرؤساء. ولو قد قويت نفوسهم، ولو قد استقامت أخلاقهم، ولو قد صفت ضمائرهم لما رضوا بالأمانة للقانون والنظام بديلًا. وقال قوم آخرون: بل اللوم كل اللوم على النظام الذي يتيح للرؤساء أنْ يطغوا على الموظفين ويستبدوا بهم، ويأخذوهم بمخالفة القانون. فلو قد صلح النظام، وعوقب الرئيس الذي يخالف القانون، أو يأمر بمخالفته، قبل أنْ يعاقب المرءوس الذي ينفذ هذا الأمر؛ لما تعرض الموظفون لهذه المعركة المؤلمة بين حاجاتهم وضمائرهم، ولما اضطر الضعفاء منهم إلى التضحية بالضمير ليعيشوا، ولما اضطر الأقوياء منهم إلى التضحية بالراحة والدعة والمنفعة، وإلى احتمال الشقاء والمكروه، ليرضوا الضمائر والأخلاق. وأكبر الظن أنَّ الفريقين المختصمين لم ينتهيا إلى الاتفاق في أمر هذه المسألة التي تثار كل يوم في مصر، منذ أظلها هذا العهد السعيد الذي نعيش فيه.

وليس من الممكن أنْ يتفق الفريقان المختصمان، فالموظفون ناس لهم حاجاتهم، ولهم منافعهم، ولهم أبناؤهم وأسرهم، ولهم آمالهم ومطامعهم، وفيهم ضعف الناس. وكل ذلك يدفعهم إلى حب الحياة، والعمل على أنْ يحيَوها آمنين مطمئنين ما أتيح لهم الأمن والاطمئنان، وكل ذلك يدفعهم إلى أنْ يذعنوا لأمر الرؤساء حتى حين يكون هذا الأمر مخالفًا للقانون، وخارجًا عليه. وكل ذلك يخيل إليهم أنهم مأمورون، فيجب عليهم أنْ يطيعوا. مُكْرَهون، فيجب عليهم أنْ يذعنوا. وكل ذلك يملأ نفوسهم بهذه الجملة التي يرددها المضطرون إلى ما لا يحبون: «الضرورات تبيح المحظورات.» والرؤساء ناس فيهم ما يمتاز الإنسان به من الضعف، ومن هذا الضعف المنكر، الذي يغريه بالطغيان، حين تفتح له أبواب الطغيان، وينسيه القانون حين يتاح له نسيان القانون، ويخيل إليه أنه إنْ قدر فليس لقدرته حد، وإنْ استطاع فليس لاستطاعته قيد، ويخيل إليه أنَّ القوة فرصة تتاح فيجب أنْ تنتهز، وأنَّ من الحمق أن تقدر، ثم لا تعمل، وإنْ كان هذا العمل مخالفًا للقانون.

كل ذلك يدفع الرؤساء إلى إهمال الواجب وتجاوز الحد، وإلى الاندفاع الذي يخيل إلى الإنسان أنه قد أصبح إلهًا، أو شيئًا يشبه الإله. وما دام الموظفون ضعافًا، تفرض عليهم الحياة آلامها وآمالها، وما دام الرؤساء ضعافًا يغريهم الطغيان بالجور والظلم ومخالفة القانون، فستتجدد قصة الكورنيش، وما يشبه قصة الكورنيش من الفضائح والمخزيات. وإنما تستطيع الأمم الرشيدة أنْ تأمن ضعف الموظفين، وضعف الرؤساء إلى حدٍّ بعيد حين تتخذ من النظم ما يأخذ المذنب بذنبه، ويسأل المجرم عن إجرامه، مهما يكن ومهما تكن منزلته، ومهما تكن الظروف المحيطة به. ولو أنَّ الذين أهمهم أمر الكورنيش سألوا صدقي باشا — كما سألوا صديق بك — لكانت قصة الكورنيش درسًا نافعًا حقًّا، ولكان خيرها أعظم من شرها؛ لأنها كانت تعلم الناس من الحاكمين والمحكومين، من الرؤساء والمرءوسين، أنَّ القانون فوق الأشخاص، وأنَّ منفعة الشعب فوق منفعة الأفراد والطبقات، وأنَّ المصريين جميعًا سواء أمام النظام، لا يمتاز بعضهم من بعض. ولكن قصة الكورنيش، كما جرت وكما أرادت الحكومة أنْ يجري أمرها بعد استكشافها وتحقيقها، كانت فضيحة منكرة، وكانت إغراءً بالشر، وترغيبًا فيه، وكانت تشجيعًا للطغاة على أنْ يطغوا، وتشجيعًا للموظفين على أنْ يحتاطوا لأنفسهم، فيخالفوا القانون في مهارة وحذر واتقاء للافتضاح.

نعم، وأمر آخر تلجأ إليه الأمم الرشيدة لتأمن ضعف الموظفين، الذي يدفعهم إلى التضحية بالقانون مخافة الرؤساء، وضعف الرؤساء الذي يدفعهم إلى أخذ الموظفين بمخالفة القانون، وهو التربية الصالحة والتعليم الصحيح. فلو أنَّ مدارسنا ومعاهدنا تلقي في رُوع الأطفال والشبَّان، أنَّ الموظفين ليسوا خدامًا للحكومة، وإنما هم خدام للشعب، وأنَّ الحكومة ليست غاية في نفسها، وإنما هي وسيلة إلى خدمة الشعب؛ لاستيقن الشباب بأن الرئيس والمرءوس سواء أمام القانون، وأمام الشعب الذي هو مصدر القانون، ولاستيقن الشباب بأن الرئيس والمرءوس شريكان يتعاونان على العمل، لا يتسلط أحدهما ولا يخضع أحدهما الآخر، لا يعلو أحدهما، ولا يسفل أحدهما الآخر، وإنما هما يعملان لغاية واحدة، هي منفعة الشعب، فليس لأحدهما على الآخر سلطان ولا طاعة، إلَّا في حدود هذه المنفعة وحدها، كما ينظمها القانون. ولكن الذي يُلقى في رُوع الأطفال والشبان عندنا شيء آخر يخالف هذا كله أشد الخلاف؛ فأبناؤنا يُعلَّمون الطاعة أكثر مما يُعلَّمون الحرية، وأبناؤنا يُعلَّمون الخضوع أكثر مما يُعلَّمون احترام الكرامة، وأبناؤنا يؤخذون بالإذعان أكثر مما يؤخذون باحترام القانون عن بصيرة وفهم وإيمان، والمُثُل التي تقدم لأبنائنا كل يوم لا تثير في نفوسهم عواطف الثقة بأنفسهم، والاحترام لضمائرهم، والاعتداد بآرائهم، وإنما تثير في أنفسهم عواطف الطاعة والتملق والمصانعة والإذعان؛ ليتمكنوا من كسب العيش والتماس القوت.

وما دامت هذه أخلاقنا العامة، وما دامت هذه هي الصور التي تلقى إلى الأطفال والشبان، فسيوجد بيننا الموظفون الذين يخالفون القانون؛ ليرضوا الرؤساء، ويضحون بمنافع الشعب؛ ليحققوا منافع الحكام، حتى إذا سئلوا عن ذلك قالوا مثل ما يقوله مدير البلدية السابق: «كنا مأمورين، ولم نكن نستطيع إلَّا الطاعة والإذعان!»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.