تناقشنا في أصل كلمة «القرش» فقال بعضهم: إنها من مادة «قرش»؛ وهي جمع الشيء من هنا وهناك بعضه إلى بعض، أو من التقريش والقرش؛ وهي السعي لطلب الرزق والكسب للعيال كما جاء في المعجمات.

فإذا صح هذا، فلماذا انفردت هذه العملة بهذه التسمية من اللغة العربية؟ وما هو معنى قطع العملة الأخرى بهذه اللغة أو اللغات التي استعيرت منها؟

أحمد زايد عبد اللَّه، الإسكندرية

كلمة قرش لم تعرف بمعنى هذه العملة المتداولة قبل أيام الدولة العثمانية، وقبل الاتصال بين البلاد العربية وغيرها من الأقطار التي كانت تعاملها في شئون التجارة الهندية والشرقية، سواء على شواطئ البحر المتوسط أو على شواطئ القارة الأوروبية الغربية.

وقد عرفنا في بلادنا إلى زمن قريب أصنافًا من العملة كانت مقبولةً في بلاد الدولة العثمانية بين القارات الثلاث، ومنها: البندقي والمجر والبنتو والريال القشلة (من الكاسل أو القلعة)، والريال الشينكو (في عدد خمسة)، والميدي في اللغة التونسية بمعنى النصف؛ أي نصف القطعة الفضية الصغيرة.

أما قطع النقود التي لا يزال أكثرها باقيًا بأسمائه — وإن تغيرت قيمته مع تغير المعاملات الدولية والوطنية — فأسماؤها كلها أجنبية معروفة بمعانيها في لغاتها إلى اليوم.

فالجنيه — مثلًا — مأخوذ من اسم بلاد غينيا؛ لأنه صنع لأول مرة في القرن السابع عشر من ذهب كان يستخرج من مناجم تلك البلاد، وكانت قيمته عشرين شلنًا. ثم زيدت هذه القيمة إلى واحد وعشرين شلنًا على ما يظهر؛ لمضاهاة القطعة الذهبية في أسواق غير أسواق الجزر البريطانية.

والريال مأخوذ من اللغة الإسبانية نقلًا عن اللاتينية، ومعناه بتلك اللغة الملكي أو السلطاني Regal ثم تحولت الجيم إلى ياء كما تتحول في أكثر الكلمات الإسبانية المنقولة عن لغة اللاتين.

والقرش مأخوذ من كلمة جرمانية بمعنى الكبير، ويطلقونها أحيانًا على «الدستة»؛ لاشتماله على اثنتي عشرة قطعة صغيرة. وأصله بتلك اللغة «جروشن» Groschen نقلت إلى البولونية فنطقوها «جروشي»، وتسربت بهذا اللفظ إلى ألسنة الترك وعملاء البندقية وجِنْوه وغيرها من أقاليم إيطاليا التي كانت تتجر مع النمسا وألمانيا ومعنا منذ القرن السابع عشر. ومن لفظ جروش تحول إلى جرش ثم تحول في الكتابة إلى قرش كما تكتب الآن، فلا علاقة له بمادة القرش والتقريش في معجماتنا، ولم يعرف من قبل بمعنى العملة مستعارًا من هذه المادة على لسان أمة عربية.

والمليم كلمة فرنسية بمعنى جزء من ألف Millieme أطلقت على العملة المعروفة بعد أن قدر الجنيه بمائة قرش وقدر القرش بعشرة مليمات. وكان هذا المليم يساوي أربع «بارات»؛ وهي جمع بارة التركية بمعنى نقد أو فلوس، ولعلها من Pris الفرنسية، وهي مادة تشتق منها كلمات القيمة والثمن والمكافأة والقبض والتناول … وغيرها مما يترادف مع معاني النقود. وترجع إليها كلمة البريزة العربية، وهي في الوجه البحري تساوي عشرة قروش، وفي الصعيد تساوي نصف مليم، وتقارب كلمة «بارا» التركية باللفظ والمقدار.

وبعض العملة عندنا ينسب إلى المعدن الذي يصك منه، كالنيكلة، والبرنزة، والفضة، وكانت تساوي ربع مليم.

وقد أشار السيد زايد في خطابه — بعد الأسطر التي نقلناها — إلى مسألة فقر اللغة وغناها في اختيار أسماء العملة التي نتداولها، فنقول للسيد: إن اللغة العربية لم تكن لتعجز في القديم والحديث عن تدبير كلمات بمعنى الكلمات الأجنبية سواء بالنسبة أو الوصف أو الاستعارة لإطلاقها على النقود. وكان المتكلمون باللغة العربية يستطيعون أن يسموا الجنيه باسم «الغاني» والريال باسم السلطاني أو الأميري، والقرش باسم الكبير والمليم باسم الألفي كما فعل المتكلمون باللغات الأجنبية. بل كان في استطاعتهم أن يتوسعوا في معاني الفلوس والمثاقيل والسكة والوزن لتقسيم القطع وحسبان عددها في كل عملة مصطلح على قيمتها.

فليست المسألة الآن ولا من قبل مسألة فقر أو غنًى في ألفاظ اللغة ومعانيها، ولكنها مسألة السبق إلى سك العملة وتداولها بين الأسواق العالمية. وقديمًا كانت الأمم تتعامل بالدينار والدرهم؛ وأولهما: لاتيني من كلمة عشرة، وثانيهما: يوناني من كلمة درخم بمعنى قبض أو تناول. ولم يكن الاصطلاح على كلمة تنسب إلى العشرة بالأمر العسير على لغة الضاد، ولا كانت مادة القبض والتناول مغلقة على العربي المستعير منها كما استعار منها اليوناني وجاراه الروماني والفارسي والجرماني وغيرهم من أبناء القرون الخالية. ولو أخذنا بالمقاصة بيننا وبين أبناء اللغات العالمية لاسترددنا من معجماتهم أضعاف ما يستردونه من معجماتنا في باب المعاملات وحدها، فلا يحق لهم أن يدينونا بالجنيهات والريالات إلا إذا دايناهم بالبنك والحوالة والرزق، بل بأرقام العدد نفسها وبالصفر في حساب ما بعد العشرات والمئات، وسينتهي الأمر بيننا وبينهم إلى حساب «امسح ونمسح» بغير حاجة إلى السؤال والمطال، وليس بالغارم من يدين كما يدان في هذا المجال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Ragab El-Nigoly ·٢٥ أبريل ٢٠١٦، ١٦:٢٩ م

    شكرا المعرفه والتعامل علي أساسها مطلب محترم والطريق الي التطور ومن لا يعرف فالسؤال مفتاح المعره المحترم دون خجل أو تكبر تحياتي وتقديري وتحيا مصر بالخلق والمعرفه

    • photo avatar
      Ragab El-Nigoly ·٢٥ أبريل ٢٠١٦، ١٦:٣١ م

      السؤال مفتاح المعرفه يلا تكبر أو خجل تحياتي