في خطاب من الطالب الأديب «فكري محمد حسين خليل» بكلية حقوق القاهرة سؤال عن أعظم اختراع أو اكتشاف وصل إليه الجنس البشري: أهو النقود، أو النار، أو حروف الكتابة، أو اللغة …؟ لأننا في عصر «الاختراع» ينبغي أن نفهم قيمة المخترعات العصرية في تاريخ الجنس البشري بالقياس إلى مخترعات القرون الأولى.

والحق أن تصحيح معنى الاختراع في تاريخ الجنس البشري لازم في هذا العصر الذي ينبغي أن يفهم فيه الإنسان حدود قدرته على الانتفاع بقوى الطبيعة وتسخير مواردها.

ولا بد من التفرقة هنا بين ما يصحُّ أن يسمى اختراعًا وبين ما يشبه الاختراع، ولكنه خليق بتسمية أخرى.

فاللغة تخرج عداد المخترعات لأنها وظيفة حيوية، شأنها شأن الأصوات بالنسبة إلى الحيوان الأعجم، إلا أنها أوسع مجالًا في استخدامها على قدر الاختلاف بين الإنسان والحيوان في الحاجة إلى وظيفة التعبير، وقد وجدت اللغة حيث وجد الإنسان، وصح من أجل هذا أن يسمى بالحيوان الناطق؛ لأن النطق صفة من صفاته، وليس بالمخترع المعدود من مخترعاته.

والنار من قبيل المخترعات الحديثة في منافعها، ولكننا إذا نظرنا إلى فضل الإرادة والافتنان فيها لم نستطع أن نحسبه من أفضال العبقرية المخترعة والفهم النافذ الذي يحاول «الاختراع» لأنه يفهم نتائجه ويتوسل إليها بوسائله، فلا نعرف من تاريخ الإنسان البدائي أن أحدًا قصد إلى توليد النار فتولدت النار على يديه، ولكن المفهوم أن النار وجدت أو انقدحت لسبب من الأسباب فتعلَّم الإنسان كيف يقدحها، ثم تعلم كيف يستفيد منها. ومَن يسأل عن صاحب الفضل في اختراع النار كمن يسأل عن صاحب الفضل في ري الزرع بالماء؛ إذ لا اختراع هنا غير مجرد الالتفات إلى أثر الماء وأثر النار فيما حوله من لوازم المعيشة.

أما اختراع حروف الكتابة فهو العمل الصناعي الذي يقابل وظيفة النطق الطبيعية في جلالة شأنه وعموم نفعه، ولكنه أكبر من أن يُحصر في عنوان واحد؛ أي في وقت واحد؛ لأنه يشمل المحاولة الكتابية من بدايتها الأولى من رسم الصور إلى رسم الأصوات إلى رسم النوتة الحرفية؛ لأن الحرف في حقيقته إنما هو «نوتة» موسيقية لاختصار صوت متعدد المقاطع والحروف.

وحيث وصل الإنسان إلى كتابة الحرف كانت الكتابة اختراعًا حاصلًا في انتظار خطوة واحدة، لا سبيل إلى الرجوع عنها ولا إلى الوقوف دونها.

وفي اعتقادنا أن اختراع مراتب الأرقام، ومرتبة الصفر على الخصوص، وهي أكبر عمل إنساني يسمى الاختراع لأن قدرة «العبقرية الإرادية» فيه أوضح من قدرة الاختراع في تلك الأعمال الموزعة بين أبناء الجنس البشري في أجياله المتطاولة، أو من تلك الأعمال التي استفاد فيها الإنسان من المشاهدة فائدة المقلِّد المستجيب.

وهذا الاختراع هو الذي استطاع به الإنسان أن يجمع مزايا النقود، لكنها كلها من حساب الأرقام.

اجتذاب النجوم

… قرأت أخيرًا في الصحف أن علماء الفضاء بأمريكا يعملون الآن على أن يجعلوا النجوم سلعة تُباع وتُشترى، وأنهم يُقدرون تكاليف سحب النجم الواحد إلى الأرض بمبلغ عشرة آلاف مليون دولار، ويُقدرون ثمن البيع بمبلغ خمسين ألف مليون دولار؛ أي إن الربح هو مبلغ أربعين ألف مليون.

فهل هذا معقول؟! أم أن الفرق كما يقولون بين العبقرية والجنون في بعض الأحيان هو قيد شعرة، وقد تجاوزها أولئك العبقريون؟

محمد فريد طاهر، محرم بك، الإسكندرية

أمثال هذه الفروض تُكتب أحيانًا في القصص التي يكتبون عليها اليوم اسم «الخيال العلمي» أو الرواية العلمية Scientific Fictian، ويتصور كُتابها ما يمكن أن يحدث غدًا لو بلغت التجارب العلمية غاية مداها في قانون من قوانين الطبيعة، وأولها قانون الجاذبية الذي يحسب بعض العلماء أن أرصاد الكواكب القريبة والبعيدة على أسلوب الرصد الحديث قد تدلُّنا على شيء من الاختلاف بين فعله على الأرض وفعله على الكواكب الأخرى؛ فيتيسر بعد ذلك فهم فعله العام كما نفهم اليوم فعل المغناطيس وفعل الكهرباء، وهي جميعًا قوى جذابة، ولكن مع الاختلاف البيِّن في التفاصيل: فالمغناطيس يجذب الحديد ولكنه لا يجذب الخشب، والكهرباء تجذب الأجسام المشحونة على حسب درجات الشحنة الكهربية فيها وخصائصها، ولكن الجاذبية تجذب إلى الأرض جميع الأجسام بدرجة واحدة وفقًا لقانون غاليليو المشهور، وتعليل ذلك عندهم أنها محيطة بكل جسم غير منعزلة عن مكان في مجالها الأرضي المعروف.

فهل تؤدي تجربة التفاعل «الجذبي» في الفضاء ومراقبة هذا التفاعل بالنسبة إلى الأجرام السماوية مع تقدير حركاتها ومقاديرها ومسافتها إلى ملاحظة فرق في تأثير الجذب يُستطاع معه العلم بمصادر هذه القوة وأسباب التساوي والتفاوت في مفعولها؟ وهل يُستطاع بعد ذلك أن نعلم بالوسائل التي تساعد على استخدام هذه القوة لجذب الكواكب أو دفعها؟ أو هل يُستطاع أن نعلم وسيلة لاستخدام جاذبية الكواكب نفسها في تقريبها أو إبعادها أو تحويلها عن مجراها؟

وربما كان العلم بوسيلة ذلك هو غاية ما يطمع فيه علماء الطبيعة دون أن يتجاوز العلم بالوسيلة إلى القدرة على وضعها موضع التنفيذ.

وقد يكون أيسرَ من ذلك أن يعرفوا الوحدة بين الجاذبية والمغناطيسية والكهرباء إذا كانت هناك وحدة تسمح بتحويل بعضها إلى بعض على معدل معروف.

أما «المقاولة» منذ اليوم على تكاليف جذب الكواكب إلى الأرض ومقادير أثمانها وأرباحها، فربما كانت «جذبة» من جذبات اللامعقولية المتطورة، وجذباتها — هي الأخرى — فنون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.