لا أعرف أن حكومةً وفقت إلى إشاعة القلق في النفوس كما وفقت إلى ذلك حكومتنا القائمة، فالناس لا يلقى بعضهم بعضًا إلَّا تساءلوا مشفقين عمَّا كان وعمَّا هو كائن وعمَّا يمكن أن يكون! يتساءلون عما كان؛ لأنهم لا يعرفون من حقائق الأمر فيما يتصل بحقوق مصر إلَّا شيئًا يسيرًا جدًّا. ويتساءلون عمَّا هو كائن؛ لأن أحدًا منهم لا يستطيع أن يقطع بأن الوزارة قد اتصلت أو لم تتصل بالبريطانيين في شأن حقوق مصر، وإنما هي أنباء تُذاع وأحاديث تُشاع، تُثبت اليوم لتُنفى غدًا، وتُنفى غدًا لتثبت بعد غدٍ، وتتناقلها الصحف مصدقة حينًا ومكذبة حينًا آخر، ومترددة بين التصديق والتكذيب في أكثر الأحيان.

ويتساءلون عما سيكون؛ لأن الذين يجهلون حقائق الماضي وحقائق الحاضر لا يستطيعون أن يعلموا من أمر المستقبل شيئًا، وإنما هم يدفعون إلى طرق مظلمة مجهولة، يسعون فيها أو يسعون إليها خائفين قلقين، لا يدرون إلام يدفعون، ولا يعلمون علام يقدمون!

والواقع من الأمر أننا نعلم علم اليقين أن رئيس الوزراء وزملاءه يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم، ويؤمنون فيما بينهم وبين الناس، بأن لمصر حقوقًا لا يمكن أن تكون موضع الشك أو أن تتعرض للجدل والنزاع. فهم كغيرهم من المصريين يؤمنون بحق مصر أن تخلص لنفسها وتجلو عنها الجيوش الأجنبية مهما تكن، ويؤمنون بأن من الواجب أن تحل مسألة السودان حلًّا يكفل حقوق وادي النيل وكرامته وآماله في مستقبل سعيد.

هذا شيء لا شك فيه، يتفق عليه الوزراء وغير الوزراء من خاصة الناس وعامتهم. ولكن الوزراء لا يرقون إلى مناصب الحكم ليقولوا للشعب إنهم يرون ما يرى ويؤمنون بما يؤمن به فحسب، وإنما يرقون إلى مناصب الحكم ليجعلوا ما يراه الشعب حقائق واقعة، وليبلغوا الشعب ما رسم لنفسه وما رسمت له حياته من الأهداف والغايات. فكل مصري يؤمن بوجوب الجلاء، ولكن الواجب الأول للوزارة هو أن تجعل هذا الجلاء حقيقةً واقعةً لا مطلبًا يُبتغى ولا ينال، ولا أملًا يُرتقى ولا يُسعى إليه. وهذا هو الذي يشيع القلق في النفوس، ويشعر القلوب إشفاقًا وخوفًا؛ لأن الناس لا يعرفون من أمر حكومتهم في هذا الموضوع شيئًا أكثر من أن الحكومة ترى رأي الشعب، وترجو ما يرجو الشعب، وتثق بانتصار الحق كما أن الشعب يثق بانتصار الحق.

وقد صرح رئيس وزرائنا في البرلمان بأن حكومته مؤمنة بحقوق الشعب، وبأنها لن تهمل انتهاز الفرصة حين تسنح للمفاوضات التي تبلغنا هذه الحقوق. وهذا كلام يقوله كل مصري سواء كان مسئولًا أم لم يكن. وما أعرف أن مصريًّا يتردد في انتهاز أي فرصة تسنح لخدمة مصر مهما كان موضوع هذه الخدمة.

وطلب الناس إلى رئيس الوزراء أن ينبئهم: أنهضت حكومته بعمل إيجابي أم لم تنهض؟ فسكت سكوت العاجز الذي لم يسمع شيئًا، أو سكوت السياسي الذي صنع كل شيء. ولكن وزير الخارجية البريطاني أنبأنا بحديث له إلى مجلس العموم بأنه قرأ ملاحظات رئيس الوزراء المصري في البرلمان، فعلمنا أن صمت وزارتنا لم يكن عن سياسة ولا عن احتياط، وإنما كان عن عجز لا أكثر ولا أقل!

هنالك ضاق المصريون — خاصتهم وعامتهم — فقومٌ طالبوا بدعوة البرلمان إلى اجتماع استثنائي، وقومٌ طالبوا بإقالة الوزارة، وقومٌ لم يزيدوا عن السخط والامتعاض، وقوم عاشوا قلقين مشفقين. وفي أثناء ذلك نجحت الظاهرة الظريفة الطريفة حقًّا، فألقى دولة صدقي باشا على دولة النقراشي باشا درسًا، لا أقول في الوطنية، فالمصريون جميعًا وطنيون، ولكن في انتهاز الفرصة للمطالبة بحقوق مصر، وكان ظريفًا طريفًا وعجيبًا غريبًا أن تدور الأيام حتى يتلقى النقراشي باشا هذا التوجيه من صدقي باشا.

ثم كانت الكوميديا المحزنة أو التراجيديا المضحكة التي نشأت حين أشاعت الصحف أن الوزارة قدمت إلى الإنجليز مذكرة طالبت فيها بحقوق مصر. هذه الإشاعة قسَّمت الوزارة نفسها إلى مصدِّق ومكذِّب وشاكٍّ. ووقف الشعب حائرًا ضاحكًا محزونًا، ينظر إلى وزرائه وهم يختصمون في أنهم أرسلوا أو لم يرسلوا مذكرتهم إلى الإنجليز، يقول بعضهم: نعم، ليس في ذلك شك، ويقول بعضهم: لا، ليس في ذلك شك، ويقول بعضهم: ما علمنا من أمر هذه المذكرة شيئًا. ثم تجتمع اللجنة الاستشارية التي ألفتها الوزارة لتستعين بها على الخطوب والمشكلات، ثم يجتمع مجلس الوزراء، ثم يعلم المصريون أن حكومتهم ولجنتها الاستشارية قد قررتا بإجماع الرأي — أو بكثرته لا أدري — أن الوقت المناسب قد آن لتحقيق المطالب المصرية. الوقت المناسب بالقياس إلى من؟! بالقياس إلى المصريين! فالمصريون يرون أن الوقت المناسب قد آن منذ انتهت الحرب في أوروبا، ويرون أن الوقت المناسب قد كاد يفوت منذ انتهت الحرب في آسيا، بل كان بعضهم يرى أن الوقت المناسب قد آن قبل أن تنجلي غمرات الحرب. بل كان الدكتور أحمد ماهر باشا رحمه الله يرى ويصرح في البرلمان بأن الوقت المناسب قد آن حين أعلنت مصر الحرب، وبأن الفرصة يجب أن تُنتهز، وبأنه — رحمه الله — سينتهزها قبل أن يسافر وفد مصر إلى سان فرانسيسكو. وإذن، فما معنى هذا القرار الذي اتخذته الحكومة ولجنتها الاستشارية بأن الوقت المناسب قد آن؟

له معنيان: أحدهما عند اللجنة، وهو أن الحكومة قصَّرت وأسرفت على نفسها في التقصير حتى شكَّ فيها الناس أعظم الشك، وحتى أصبح مركزها حرجًا ومركز العهد الذي تقوم عليه كله حرجًا أيضًا، فيجب أن تصنع الحكومة شيئًا إن استطاعت، ويجب أن تقول الحكومة شيئًا على كل حال. وقد نجحت اللجنة في إقناع الحكومة برأيها هذا، فاجتمع مجلس الوزراء وقرر المعنى الثاني، وهو أنه مقتنع بأنه لم يصنع شيئًا ولم يقل شيئًا، حتى امتلأ الجو من حوله قلقًا وشكًّا وإشفاقًا، فيجب أن يصنع شيئًا إن استطاع، ويجب أن يقول شيئًا على كل حال. والمصريون جميعًا يعلمون أن رئيس الوزراء قد قال شيئًا، قد أذاع الحكمة الرائعة والآية البارعة والحجة القاطعة، فأكَّد أن اللجنة الاستشارية ومجلس الوزراء يريان بإجماع الآراء أن الوقت المناسب قد آن لتحقيق المطالب منذ الآن.

فرئيس الوزراء قد قال شيئًا إذن، ولكنه لم يبين لنا ولا لأحد أمر هذه المناسبة، أهي بالقياس إلى المصريين أم بالقياس إلى الإنجليز؟! فالمصريون يرون الوقت المناسب قائمًا كما قلنا، وليس رئيس الوزراء هو الذي يقرر أن الوقت مناسب بالقياس إلى الإنجليز، فهل اتصل بهم؟ وهل تحدث إليهم؟ وهل علم علمهم؟ هذه هي المسألة المعقدة المشكلة، وهي التي تملأ نفوس الناس قلقًا وقلوبهم خوفًا وإشفاقًا، فرئيس الوزراء لم ينبئنا إلى الآن بالخطوات التي اتخذها منذ قررت اللجنة الاستشارية ومجلس الوزراء أن الوقت المناسب قد آن.

قالت صحف مصرية: إن الحكومة قد أرسلت مذكرة إلى الإنجليز. وقالت صحف بريطانية: إن الحكومة البريطانية لم تتلقَّ شيئًا من مصر، فهل نصدق ما قالت الصحف المصرية؟ أم هل نصدق ما قالت الصحف البريطانية؟! أم هل نشك فيما تقول هذه وما تقول تلك، ونعود إلى الحيرة؛ لأن وزارتنا عادت إلى الصمت بعد أن صرحت أن الوقت المناسب قد آن.

والسؤال الذي أخذ المصريين يلقونه على أنفسهم هو: أكان هذا القرار بأن الوقت المناسب قد آن، موجهًا إلى الإنجليز يطالبهم بالأخذ في المفاوضات، أم كان موجهًا إلى المصريين ليرُدَّهم إلى شيءٍ من الطمأنينة وهدوء البال، ولينبئهم بأن الوزارة لم تنسَ حقوق مصر، وإنما هي ذاكرة لها ساهرة عليها.

أرأيت إلى أن الحكومة قد وفقت — بإذن الله — أن تضع نفسها في موضع أقل ما يوصف به أنه مثير للقلق والخوف! وقد كانت تستطيع أن تتجنب هذا كله، وأن تصارح الناس منذ اللحظة الأولى بأنها ترى وجوب البدء في المفاوضات، وتطلب إلى الإنجليز بالفعل البدء في المفاوضات، أو بأنها ترى الانتظار والتأني. كانت خليقةً أن تصارح الناس؛ لتطمئن ويطمئنوا، ولكنها فيما يظهر لم تستطع أن تصارح المصريين ولا أن تصارح الإنجليز؛ لأنها لا تملك من القوة ومن تأييد الشعب ومن الثقة بالنفس ما يمكِّنها من أن تصارح أولئك أو هؤلاء. فهي تدور حول العقبات لتتجنبها ما دامت عاجزة عن أن تواجه العقبات لتقتحمها، كما لاحظت ذلك إحدى الصحف البريطانية المحافظة.

وواضح جدًّا أن الشعب لا يستطيع أن يطمئن لحكومة غير مطمئنة، ولا أن يهدأ باله إذا رأى حكومته تدور، ورأى أنها لا تستطيع أن تدور وحدها، وإنما هي في حاجة إلى اللجنة الاستشارية لتديرها أو لتدور معها، وإلى دولة صدقي باشا ليديرها أو ليدور معها. وإذا قلقت الحكومة نفسها، فمن الطبيعي أن يقلق الشعب. فإذا علمت أن الشعب لا يحب الحكومات التي تدور، وإنما يحب الحكومات التي تثبت أمام الخطوب وتتغلب على المصاعب بالشجاعة والحزم، ولا تتجنبها بالمداورة والمناورة؛ عذرت الشعب إذا امتلأت نفسه قلقًا على المستقبل، وامتلأ قلبه خوفًا وإشفاقًا من الخطوب والأحداث.

على أن سيرة الحكومة نفسها تدفع الشعب إلى القلق دفعًا، وتغرقه في الخوف إغراقًا. فالحكومة الحازمة الواثقة بنفسها المطمئنة إلى غدها كما اطمأنت إلى أمسها لا تظهر ما تظهره حكومتنا القائمة من آيات الهلع والانزعاج. ما هذا التردد في إلغاء الأحكام العرفية؟ ومتى استباح مجلس الوزراء لنفسه أن يصدر وعدًا رسميًّا بإلغاء الأحكام العرفية في شهر سبتمبر، وأن يخلف هذا الوعد خلافًا رسميًّا، فلا تُلغى الأحكام العرفية حتى يتقدم شهر أكتوبر؟ وكيف يثق الشعب بحكومة تعد ثم تخلف.

ما هذه الأحاديث التي تمتلئ بها الصحف عن تأخير الدراسة عن يومها المحدد لافتتاحها، ثم عن تكذيب هذه الأحاديث، ثم عن كل هذه الاحتياطات التي يُقال في الصحف: إن الحكومة تتخذها استعدادًا لمواجهة هذا اليوم الخطير؛ يوم يسعى الطلاب والتلاميذ إلى تلقى العلم في المدارس والجامعات؟!

ما هذه الفصول التي تُنشر في بعض الصحف تهدئةً للشباب ودعوةً له إلى الأناة والروية والتفكير؟ ما هذا الحديث الذي نشرته الصحف لرئيس الوزراء، والذي يعلن فيه النقراشي باشا أنه لا يذكر سنة ١٩١٩، ولكنه يذكر سنة ١٨٨٢؟ ما ذكره لسنة ١٨٨٢، ممَّ يخاف أو ممَّ يشفق؟ وما هذه المقارنات السطحية التي لا تدلُّ على شيء ولا تعتمد على شيء؟!

إن وزارته قائمة بالحكم، محتملة لأعبائه، قابضة على أزمَّة الأمور، في يدها قوة الجيش وفي يدها قوة الشرطة، وفي يدها قوة الإدارة. والشعب قلق، هذا لا شك فيه، ولكن الشعب على قلقه هادئ محافظ على النظام، محبٌّ له، هذا شيءٌ لا شك فيه أيضًا، فممن يخاف رئيس الوزراء؟ وماذا يخاف؟ وإلى من يلوح بهذه الذكرى؟ وأين رأى رئيس الوزراء مظاهر الثورة التي تذكِّره أو تذكِّر غيره بسنة ١٨٨٢؟

وهل يرى رئيس الوزراء، وهو الحازم العازم اللبق، أن من الخير أن يذكر الناس مصريين كانوا أو غير مصريين بسنة ١٨٨٢؟! لقد كان رئيس الوزراء عضوًا في الوفد يومًا ما، وكان معارضًا يومًا ما، وكان يسخر من الحكومات التي كانت تقارن بين حركات المعارضة الوفدية وبين الثورة العرابية … أيجب أن يتغير كل شيءٍ حتى يقدم النقراشي باشا على كل ما كان يسخر منه ويضيق به؟!

وما هذا البيان الذي أصدره وزير المعارف اليوم إلى أبنائه الطلبة كما يقول؟! ماذا يخاف من أبنائه الطلبة؟ وماذا يخاف عليهم؟

إن الخير هو أن يتحدث وزير المعارف إلى الطلبة فينبئهم بأنه قد يسَّر لهم التعليم، وفتح لهم أبوابه على مصاريعها وخفف عنهم أجوره أو ألغاها إلغاءً، لا أن يخيفهم ويخاف منهم. فلست أدري ممَّ يخيف أو لست أدري مما يخاف!

صدِّقني أيها القارئ الكريم، إن هذه المظاهر كلها إن دلَّت على شيءٍ فإنما تدل على أن الحكومة قلقة مشفقة، ليست مطمئنة إلى غدها كما كانت مطمئنة إلى أمسها. وإذا قلقت الحكومات ازداد معها قلق الشعوب، وإذا قلقت الحكومات لم تستطع حزمًا ولا عزمًا ولا تدبيرًا للأمور، وكان من الحق عليها لنفسها وللشعب أن تستقيل، فإن الشاعر القديم لم يخطئ حين قال:

إذا لم تستطع شيئًا فدعه

وجاوزه إلى ما تستطيع

والذي أؤكده للنقراشي باشا وزملائه هو أنهم الآن لا يستطيعون الحكم، وإنما يستطيعون التردد بين دورهم وأنديتهم، وانتظار فرصة أخرى تعيدهم إلى الحكم بعد وقت طويل أو قصير.

فليدعوا ما لا يستطيعون إلى ما يستطيعون!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.