هو رئيس وزرائنا الرجل الطيب؛ فإن الرجل المنصف لا يفكر فيه حتى يرثي له، ويعطف عليه، ويتمنى له العافية، ويذكر هذه الكلمة الخالدة من كلمات موليير في بعض قصصه التمثيلية: «يا للشيطان! وماذا ذهب يصنع في تلك السفينة؟!» نعم، ماذا ذهب رئيس الوزراء يصنع في هذه السفينة التي يسمونها الوزارة، وبين هؤلاء البحارة الذين يسمونهم الوزراء؟!

فالرجل غريب في هذه السفينة، غريب بين هؤلاء الزملاء، لا يطمئن له مقام في سفينته، ولا تطيب له حياة بين زملائه، وإنما هو التنغيص الدائم، والحزن المتصل، والعناء الثقيل، والبلاء الذي لا ينقطع. لا يكاد الرجل يخلص من مشكلة تأتيه من بعض زملائه حتى يتورط في مشكلة تأتيه من بعضهم الآخر، لا تكاد تشرق عليه الشمس حتى يثير له زميل همًّا وحزنًا، ولا تكاد تغرب عنه الشمس حتى يثير له زميل آخر عناء ونصبًا.

ذلك إلى ما تثير الوزارة في حملتها له من المصاعب التي لا تُذَلَّلُ، والمشكلات التي لا تريد أنْ تُحل. فهو مظلوم حقًّا، وأصدقاؤه والعاطفون عليه والراثون له معذورون إذا قالوا كما قال موليير: «يا للشيطان! وماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟!»

تستطيع أن تُحصي المشكلات التي أثارها وزير المالية وحده لرئيس الوزراء منذ عام، ففي هذه المشكلات — بل في بعضها — ما يكفي لإتعاب أقل الناس شعورًا بالتعب، وإثقال أشد الناس احتمالًا للأثقال. صَمْتُ وزير المالية مزعج، وقول وزير المالية مخيف، وهدوء وزير المالية مقلق، ونشاط وزير المالية مروع، إن سكت تساءل الناس فيمَ يفكر وماذا يدبر، وإن قال امتلأت القلوب رَوْعًا، واضطربت النفوس هلعًا، وأقبل الشاكون والباكون والمنكرون والمحتجون على رئيس الوزراء من كل مكان، إن هدأ تساءل الناس لماذا يتهيأ؟ وماذا أن يكون وراء هذا الهدوء؟ وإن نشط لعب الفزع بالنفوس، وطار الجزع بالرءوس، وأذَّن مؤذن في المُلَّاك والزُّرَّاع، وفي الدائنين والمدينيين، وفي البائعين والمشترين، أن قد جاء يوم الهَوْل، وأقبلت ساعات الرَّوْع، فهَلُمَّ إلى رئيس الوزراء؛ لعله يشفي الداء ويدفع البلاء، ويجد لنا مخرجًا من هذا الحرج الذي يدفع إليه. والرجل لا يشفي داءً، ولا يدفع بلاءً، ولا يجِد مخرجًا، ولا يزيل حرجًا. وإنما يسمع ويسمع ويجد ألم الصداع، ويحس ضيق الصدر، ويتكلف من الجهد ما لا يتكلفه إلا الجبابرة الأقوياء، ليحتفظ بما ينبغي له من الأناة والحلم والهدوء. ويكفي أن تذكر أحاديث وزير المالية حول الدَّين العام، والدين الخاص، وأعمال وزير المالية مع كبار الموظفين في وزارته، واختلاف وزير المالية مع سماسرة البورصة، وتصريحات وزير المالية في مجلس النواب، وتتبُّع وزير المالية لكبار الملاك من أعضاء الهيئات النيابية، واستقبال وزير المالية للمندوب السامي في الصبرية، وسبق وزير المالية إلى مائدة نائب المندوب السامي، وتصريح وزير المالية الأخير للأهرام حول كبار الزُّرَّاع، وما يبتغون من تخفيف الضرائب، وإن كانت الزراعة — فيما يرى — نامية موفورة الثمرات.

يكفي أن تذكر هذا كله وغير هذا كله؛ لتعلم أنَّ رئيس الوزراء مظلوم حقًّا، ولتقول كما قال موليير: «يا للشيطان! ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟!»

وفي وزير المالية مكر ودهاء، وفيه حدَّة وشدة، وفيه إصرار وعناد، فهو يعلم أنَّ رئيس الوزراء متعب محرج، ولكن شيئًا من ذلك لا يثير في نفسه رحمة ولا هوادة ولا إشفاقًا، وإنما يمضي فيما يقول لا فيما يعمل، فيزيدُ رئيسَ الوزراء تعبًا إلى تعب وحرجًا إلى حرج. يصرح رئيس الوزراء منذ أيام للمُلَّاك والزُّرَّاع بأنه سينظر في أمرهم، وسيرفق بهم، فيصرح وزير المالية أمس للبورصة وأول أمس للأهرام بأنه ماضٍ في خطته مصمم عليها، وخطته هي ألا يُعفي أحدًا، ولا يسمع كلامًا في الإعفاء. ويجد رئيس الوزراء مع ذلك من القوة والجهد والجلد ما يمكنه من أن يقول لبعض الصحف إنَّ الوزراء على أحسن وفاق، ليس بينهم خلاف ولا شيء يشبه الخلاف.

ألست ترى معي أنَّ رئيس الوزراء بطل وأنه مظلوم؟ ألست تقول معي كما قال موليير: «يا للشيطان! ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟!»

ولا يفرغ رئيس الوزراء من وزير المالية ومشكلاته لحظة، ولكن زملاءه الآخرين لا يرفقون به ولا يشفقون عليه. هذا وزير التقاليد يخلق له في كل يوم مشكلة، ويثير له في كل يوم غبارًا يحجب النهار، ويدعو إلى الحوار، لا يكاد يُقصي أستاذًا من أساتذة الهندسة إلى الصعيد حتى يرسل أستاذًا من أساتذة الحقوق إلى البيت، لا يصدر في ذلك عن قانون، ولا يحفل في ذلك برأي عام، ولا يحسب في ذلك حسابًا لكرامة الشعب المصري، أو حق الجامعة المصرية. فرئيس الوزراء مُضْطَرٌّ إلى أن يحتمل، مُكْرَهٌ على أن يُذعن، ألست ترى معي أنه مظلوم؟ ألست تقول معي كما قال موليير «يا للشيطان! ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟!» وكان المُنتَظَر أن يكون وزير الداخلية القيسي باشا أشد الناس رفقًا بالرئيس، ورعاية له، وعطفًا عليه، فالقيسي باشا رجل هادئ وإن كان حازمًا، ورجل رفيق وإن كان لا يكره العنف.

وهو أعلم الناس بما يلقى رئيس الوزراء من همٍّ وغمٍّ، ولكنه مع ذلك يخلق له مشكلة التشريع للصحافة في هذه الأيام السُّود، كأن الرجل لا يكفيه ما يلقى من وزارة المال ووزارة الأشغال ووزارة التعليم، حتى يُقبل عليه القيسي باشا بهذه المشكلة المعضلة، ويطلق فيه القيسي باشا وفي أصحابه ألسنة الصحفيين وأقلامهم، والرجل يحتمل ما وَسِعَهُ الاحتمال، ويُرجِئُ ما استطاع الإرجاء، حتى إذا خُيِّل إلى الناس أنَّ أمر الصحفيين قد كاد يستقر، تحدث القيسي باشا إلى صحفي أجنبي، فأعاد الحرب جذعة، ورد إلى النار لهيبها بعد أن كاد ينتهي إلى الجمود، أثنى على الصحف الأجنبية فأغرق في الثناء، وذَمَّ الصحف العربية فأغرق في الذم، وأعلن في غير تردُّد ولا وجل أنَّ الصحف العربية من الضعة والانحطاط بحيث تستحق أنْ تمتاز بتشريع عنيف.

وكذلك أنشأ القيسي باشا لرئيس الوزراء مشكلة جديدة؛ فهذه وزارته يسجل عليها القيسي باشا تسجيلًا أنها تخاف الأجانب، وتزدري المصريين، وأنها لا تكاد ترى القبعة حتى تنحني، ولا تكاد ترى العمامة أو الطربوش حتى يرتفع أنفها فيبلغ السماء. ألست ترى معي أنَّ رئيس الوزراء مظلوم، وأنه خليق أن تقول ما قاله موليير: «يا للشيطان! ماذا ذهب يصنع في هذه السفينة؟!»

رئيس الوزراء مظلوم، ولكن أحدًا لم يظلمه، وإنما هو الذي يظلم نفسه؛ فقد كان يستطيع ألَّا يذهب إلى السفينة حين دُعِيَ إليها، وقد كان يستطيع — وما زال يستطيع — ألَّا يقيم في السفينة، حين رأى الإقامة فيها ثقيلة مُضنِيَة، فأما وقد ذهب إلى السفينة، وأحب الإقامة فيها، فليس من شك في أنه يستعذِب الظلم، ويستلذُّ آلامه وأثقاله، وقد عرفنا كثيرًا من المحبين يستعذبون ظلم الأحياء، ويقال إنَّ من شريعة الحب أن يجد العاشق أحب اللذات إلى نفسه، حين يمسه ظلم المعشوق! …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.