يحتفي الأدباء هذه السنة بإحياء ذكرى «جوتا الألماني»، ولقد عادت ألمانيا مجزأة كما كانت في عهده. وكان «جوتا» ينكر الحروب وقسوتها، ويندد بفظائعها التي سماها فظائع الأبالسة. وكان في صباه قد اشترك في الحملة على الثورة الفرنسية التي تمخضت على الجمهورية الفرنسية الأولى. وكان «جوتا» يرغب في السلم العالمي الذي ينشده العالم الآن، كما كان راغبًا في ثقافة عالمية، كما يرغب اليونسكو. ولهذه الأسباب كان هذا الوقت أنسب الأوقات للاحتفاء بذكراه. ولم يكن «جوتا» من طبقة الأشراف، بل أسبغ عليه صديقه أمير ويمار لقب الشرف. وقد ذكرنا في المقال السابق أنه في شبابه ألف قصة «أحزان ورتر» التي اشتهرت في عهدها كاشتهار قصة «كلاريسار هارلو» لرتشاردسون الإنجليزي و«هلواز الجديدة» لروسو، وكانت على طريقة «السنتيمنتاليزم»، ولقوة أثرها في النفوس حاول بعض الشبان التشبه «ببطل القصة»، ومن أجل ذلك لم يكن أثرها حميدًا، اتسع نطاق فكر «جوتا» ونطاق نفسه بعدها، بالرغم من أن مواقفه الغرامية كانت بها عاطفة غرامية صحيحة، إلا أنها كانت ممزوجة بالرغبة في التجربة والخبرة صنع العالم المجرب. وكانت تتنازع نفس «جوتا» العاطفة والرغبة في الخبرة، وهذا التنازع كان في كل الأمور، ومن أجل ذلك كان أديبًا، وكان عالمًا، وقد ذكرنا أنه كان يميل إلى المذهب الكلاسيكي وصفاته من سلاسة وسهولة ووضوح، كما في قصته «هرمان ودوروثيا»، كما كان يميل أحيانًا إلى الشعر الفلسفي، أو إلى الخيال الرمزي، كما في بعض أجزاء القسم الثاني من «فوست» المسمى «هيلينا». والحقيقة أنه كان يشعر بلذة فنية في تجربة كل نوع من الثقافة والأدب، فقد قرأ مرة قصيدة تأبط شرًّا التي مطلعها:

إن بالشعب الذي دون سلع

لقتيلًا دمه ما يُطَلُّ

وكانت قد ترجمت إلى اللاتينية، فترجمها «جوتا» إلى الألمانية لإعجابه بها، وهذا كما ورد في كتاب «تاريخ العرب الأدبي» للعلامة نيكلسون الإنجليزي. و«لجوتا» ديوان سماه «ديوان الغرب والشرق» يحاكي فيه بعض الشعر الشرقي. وسمع مرة أن الإسلام هو الاستسلام لإرادة الله في كل شيء، فقال: هذا ما ينبغي أن يكون عليه كل إنسان. وألف حكمة في هذا الموضوع. وقصص «شيلر» التمثيلية على العموم أوقع، إذا قارنا بين قصص «جوتا» أمثال «أجمونت» و«تاسو» و«جوتز» و«أفيجنيا»، وبين قصص «شيلر» أمثال «وليام تل» و«ماري ستوارت» و«النستين» و«دون كارلوس» و«اللصوص». وقد ترجم «كارليل» قصة «جوتا» النثرية المسماة «ولهلم مايستر» إلى الإنجليزية، ولكنه عاد يتململ ويتأفف من بعض حوادثها، والواقع أن همَّ «جوتا» وغرضه هو أن يعرض كيف اكتسب بطل القصة ثقافة، حتى من الحوادث والمخالطة الوضعية، ولم يقصد بالثقافة الزهد، فقد كان «جوتا» زاهدًا في الزهد، بل كان يراه مؤديًا إلى ضيق النفس والفكر، وإنما كان يعني بالثقافة استخلاص الحكمة الصائبة من تجارب الحياة.

وكانت روح «جوتا» روحًا عالمية تخطت حدود وطنه، واحتضنت العالم، حتى إنه أبى أن يكره الفرنسيين في عهد نابليون عندما غزوا ألمانيا، وقال لأكرمان: كيف أكره أمة أنا مدين لها بجزء كبير من ثقافتي، والثقافة هي كل شيء؟ وقال «أوسكار وايلد» في رسالة «الناقد صاحب الفن»: كان جوتا أول من جرؤ وجاهر بهذه الفكرة العالمية، وسيزداد أثرها في العالم، حتى تؤدي إلى ترجيح العالمية، ويمحو النقد الفروق الخاصة، ويقرب توحيد العقل البشري على اختلاف أمكنته، وقد نقده بعض الأدباء نقدًا شديدًا كما فعل مينزل، وبعضهم كان نقده يخالطه الإعجاب به مثل نقد هيني الشاعر الألماني.

وفيما يلي تكملة لما اختير من كلماته ونظراته مع بعض التعليق:

(١) كل إنسان له أخطاء وصفات نقص أو عيوب، لولاها ما وجدت شخصيته وفرديته التي يمتاز بها، ومن أجل ذلك نأنس في بعض الأحايين إلى أخطاء وعيوب أصدقائنا القدماء، إذ لولاها لمحيت شخصيتهم، وصاروا أناسًا آخرين، فإذا تخلص أصدقاؤنا منها مرة وافتقدناها فيهم أنكرناهم، وقد نشعر بقلق إذ نشعر بغير المألوف منهم. والواقع أن هذا ليس في الأصدقاء فحسب، فإن الحياة كلها مثل حجرة علقت صور على جدرانها، فإذا أزيلت بعضها من مكانها ربما أحسسنا بقلق هو شبيه بقلق التشاؤم بالأمر غير المألوف، وكأن إزالتها من مكانها نذير بالموت والفناء.

(٢) إن الإنسان قلما يستطيع أن يدرك مقدار إساءة الناس فَهْمَ قول غيرهم؛ لأن كلامهم يمر خلال إحساساتهم وخوالج نفوسهم، ولو استطاع الإنسان أن يدرك مقدار إساءة الناس فهْمَ قول غيرهم وتأويله حسب أهوائهم؛ لتجنب كثرة الكلام، كي يسلم من عنت أو خطب.

(٣) إن الرجل المعجب بنفسه يظهر إعجابه بنفسه بوسائل كثيرة، وإذا منع من بعضها استحدث أخرى، فهو يظهره بضحكة أو ابتسامة أو سخره أو غير ذلك من الوسائل المتنوعة، ومهما كان الأمر الذي حركه إلى الضحك أو الابتسام بعيدًا عن موضوع إعجابه بنفسه، فإنه يظهر في ضحكه أو ابتسامه أنه مسرور بنفسه راض عنها، معجب بها، والرجل الذكي قد يرى أمورًا كثيرة في الحياة تستحق الضحك والسخر، ولكن الحكيم إذا تدبر مآسي الحياة ومشاقها وآلامها وعجز الإنسان فيها مهما كان قادرًا؛ إذا تدبر كل هذه الأمور، منع نفسه من السخر بقدر ما يستطيع منع نفسه.

(٤) مما يدل على عجز الناس أن كثيرًا منهم إذا واجههم الناس بعيوبهم يتحملون العقاب على تلك العيوب، ولكن إذا حاول محاول أن يرغمهم على مزايلتها ومباعدتها ضاقت صدورهم، فهم يفضلون أن يعاقبوا، وأن يظلوا عليها إذا لم يستطيعوا دفع الوصف بها أو دفع العقاب، وهذا يظهر في حياة الصغار كما يظهر في حياة الكبار.

(٥) من الغريب أنك تجد في بعض الأحايين شبانًا يتفق أنك لا تكاد ترى فيهم موضع نقص يصلحهم، ولكن اندفاعهم مع دافع الشباب إلى مجاراة تيار الناس يجعلهم كالسفينة التي تتقاذفها الأمواج، فهذا الدافع هو أخوف ما يخاف عليهم، ولا سيما أن الشباب مندفع بطبعه، وأنه بالرغم من مظاهر ثقته بنفسه كثيرًا ما يخفي قلة الثقة ببصيرته التي لم تكتسب بعد من تجارب الحياة، فينقاد لتيار الناس، ولعدوى خصالهم وأعمالهم بسبب ذلك.

(٦) من الناس من لا تتفق طباعه وأية بيئة أو مكانة، ومن أجل ذلك ينشأ ذلك الصراع المخيف في النفس الذي يضيع الحياة سدى، ويقضي على مسراتها، ولا يقتضي إنفاق المرء والبيئة أن ينقاد ذلك الانقياد الجارف الذي حُذِّر منه في النظرة السابقة.

(٧) ليس من السهل أن نصيب العدل في قدر فضل الساعة التي نحن فيها، فإذا كانت خيرًا أوجبت فرضًا، وإذا كانت شرًّا حملتنا ثقلًا وهمًّا، وإذا كانت لا خيرًا ولا شرًّا كانت مللًا وسأمًا، والنفس تميل إلى دفع كل هذه الأمور عنها، وإبعادها حبًّا للراحة، وخلاصًا من المشقة في الحالات الثلاث إلا من شذ في النفوس غير المسوقة بمبدأ أو وهم أو إيمان أو إحساس شديد.

(٨) إن الحق والباطل ينبعان من منبعٍ واحد في النفس، وكثيرًا ما يكونان متصلين فيها اتصالًا قليلًا أو كثيرًا، ومن أجل ذلك ينبغي الحذر إذا أردنا محو الباطل من محو الحق معه.

(٩) مما يدعو إلى الأسى أن الناس يزهدون في الحق لا لأمر إلا لأنه معروف مملول مألوف، والألفة تبعث الملل، وهم لا يفطنون إلى أنه بالرغم من أنه معروف، لا يستطيعون تطبيقه في الحياة وإنجاحه وتحقيقه، فهو يشق عليهم في العمل، وإن كان لا يشق بعضه في الفكر، ولعل هذا أيضًا من بواعث الزهد فيه ما دام يصعب ويكلف النفس ألمًا ومشقة.

(١٠) إذا بدأ الإنسان يعمل قيَّد ضميره بالعمل وضروراته، أما إذا تريث وجعل يفكر، فإنه يعطي لضميره فرصة لاستعادة حريته، هذا إلا إذا كان التفكير في تهيئة الأعذار التي تسوغ عمله، فمثل هذا التفكير لا يعطي ضميره حريته.

(١١) إذا أصغيت إلى إنسان فإنه قد يكون مخطئًا مخدوعًا، وإذا أصغيت إلى أناس كثيرين، فإنهم كذلك قد يكونون مخطئين مخدوعين، ومع ذلك فإن كثرتهم قد توهمك أنك أصبت الصواب في قولهم، وأكثر الناس يحكمون بضغط حكم من حولهم من الناس من غير فحصٍ وتقدير لذلك الحكم، بل إنه مهما حاول الإنسان التخلص من أثر قول مَن حوله وحكمهم يجد مشقة أو استحالة.

(١٢) إذا استحسن الناس مبدأ أو رأيًا في الحياة واعتنقوه لا تلبث محاسنه مع مضي الزمن أن تزول، وتظهر وتعظم أضراره ومفاسده من سوء الأخذ به، فإذا استفحل ذلك حاول الناس القضاء عليه، ولكن عندما يقضون عليه يقضون على النظام الذي لا تستقيم حياتهم إلا به، فتعم الفوضى حتى يضطروا إلى إعادة النظام على أساس جديد أو على الأساس القديم ممزوجًا بقليل من التجميل والتحسين، وعلى ذلك فالجهد الذي يبذل في سبيل التغير والإصلاح، أكثر من التغير والإصلاح إذا نظرنا إلى حقيقة الأمر لا إلى المسميات.

(١٣) معرفة الخطأ أسهل من الوصول إلى الصواب، فليس كل معرفة للخطأ تؤدي للصواب، فإن الخطأ يوجد على سطح الأمور، أما الصواب المجهول فلا يستطيع كل إنسان البحث عنه، ومع ذلك فإنه بعد تعذر معرفته، إذا عرفه الإنسان كانت له فجأة الأمر المتوقع وبغتة الأمر المعروف المنسي، مع أنه لم يكن معروفًا ولا منسيًّا.

(١٤) إن محاولتنا أن نضع أنفسنا موضع الرجل الذي يخدع نفسه بأنصاف الحقائق وأجزائها، أشقُّ على العقل والنفس من فهم الرجل الذي كل فكره خطأ.

(١٥) إذا كان الفكر والمشاهدة مصحوبين بالرغبة في اعتقاد السوء، صرفتهما تلك الرغبة عن تبين أعماق الحياة فلا يصلان إلا إلى سطح الأمور، وهو أمر صحيح في العلم، كما هو صحيح في الأدب، فما استطاع الشاعر العالمي «شكسبير» مثلًا أن يفصح عن حقائق نفوس من يصف من الناس، حتى حقائق صفات الأشرار منهم، إلا بأن يضع نفسه مكانهم كي ينظر إليهم بالعطف، فيستطيع أن يستخلص حقائق نفوسهم، وهو قلما يشذ في ذلك إلا في قصصه الأقل جودة.

(١٦) إننا نستطيع أن نُغْفِل مناقضة لنا من غيرنا، أما إذا أتت المناقضة لنا من أنفسنا وألحت، كان كل ما نستطيع عمله أن نصحح تلك المناقضة، أو أن نصحح نفوسنا، ولما كان تصحيح ميل النفوس أمرًا عسيرًا، فإن النفس تحتاط حتى لا تقتحم عليها مناقضة لها من نفسها، وللنفس وسائل عديدة في هذا الاحتياط.

(١٧) ربما أصابت المصائب العامة أو الخاصة إنسانًا قويًّا، فلا يكون وقعها أشد، ولا أثرها أعظم من وقع المدراة وأثرها في أعواد حبات الحنطة، فإنها تنزع الحبات، ولكن تلك الحبات لا يهمها أتعود فتزرع كي تستبعث محصولًا جديدًا، أم تؤخذ فتطحن غذاء وقوامًا؟ وكذلك ما تستبعثه المصائب من الرجل القوي العاقل الرشيد من الأعمال والأقوال تكون دائمًا صلاحًا لنفسه، يستدرك به فارط أمره، أو صلاحًا للناس، وبعكس ذلك ما تستبعثه من الرجل الأخرق أو الضعيف، وهذا مثل أعلى قلما يصيبه إنسان، ولكنه إذا كان دائمًا نصب عينيه، ربما أصاب بعضه إذا كانت نفسه مؤاتية له.

(١٨) إننا نرتاح للأمور الوسطى، ونقبل على ما كانت ملكاته في حدودها؛ لأننا نأنس بمخالطة من هو أقرب إلينا منزلة وشبهًا، وبمعاشرة من يشاكلنا ولا يكلفنا مشقة الارتفاع فوق الأمور الوسطى، وهذا من أسباب رواج شأن أصحابها.

(١٩) إن الكفاح بين القديم الموجود، وبين الإصلاح والتجديد، كفاح دائب أبدًا، وكل نظام إذا اعتوره الفساد دُفَع قَهرًا إلى ضده، وهذا مشاهد في الأدب كما هو مشاهد في الحياة عامة، مثل النزاع بين أصحاب نظرية امتلاك الضياع الكبيرة، وأنصار نظرية تأميم الأرض، أو الكفاح بين أنصار نظرية حرية التجارة وأنصار حماية المنتجات المحلية، وهذا الكفاح على تعدد مظاهره كفاح معروف من قديم الزمن.

(٢٠) الحرية المطلقة أمر مرغوب فيه، فلا عيش ولا صلاح للناس معها؛ لأن الناس إذا تحرروا من كل القيود تحرروا أيضًا مما يمنعهم من الخطأ، ومما يردعهم عن الشرور، وهم إذا طلبوا الحرية المطلقة، إنما يطلبون نظامًا جديدًا وقيودًا جديدة، ولا يعرفون خطر طلب الحرية المطلقة إلا بعد أن يُكووا بنارها، ويصطلوا الويل منها، وبعد أن يُمعنوا في الأخطاء الناشئة من الإفراط أو التفريط.

(٢١) السعيد هو الذي يعمل ليخلو من همِّ الحياة وقلقها، فإذا لم يؤد العمل لجمع المال إلى الهم والقلق، كان من عمل السعيد، أما إذا أدى إلى الهم والقلق لم يكن العمل لجمع المال طريق السعادة، بل طريق الشقاء، فليست الثروة أن تكون ذا مالٍ كثير، بل الثروة أن تخلو نفسك من توقع الحاجة، ومن خشية الفقر، فمن استطاع أن يخلي نفسه من هذه الخشية لم يكن فقيرًا، وإذا لم يستطع كان فقيرًا.

(٢٢) كل عمل يراه الرجل الضيق الذهن حرفة أو صنعة أو مهنة، يراه الرجل العظيم فنًّا جميلًا، فمهما كان خادمًا لحرفته أو صنعته ملتزمًا لها، فهو خادم لفنٍ جميل، ومثل هذه الخدمة واجبة على كل إنسان سواء أكان كبيرًا أم صغيرًا في مقامه ومرتبته، وإذا عمل الإنسان عملًا واحدًا بصدقٍ وإتقان، كان عمله مرآة يرى فيها صورة كل ما يمكن عمله بصدقٍ وإتقان.

(٢٣) لا شيء يدعو إلى التزام جادة الفهم المشترك فيه بين الناس مثل العيش كما يعيش الناس، والتزام ما يلتزمون، ولا شيء أدعى إلى ما يشبه الجنون من الشذوذ عن الحياة العامة التي يحياها الناس، ومن الخروج على فروضها ونظمها.

(٢٤) التجارب والخبرة لا حد لها، أما النظريات فإنها محدودة بحدود العقل، ومن أجل ذلك كثيرًا ما يعود الناس إلى نظرية بعد نبذها وتركها إذا ازدادوا خبرة وتجارب.

(٢٥) إن أغلاط المرء في الحياة قد تكلفه عناء كثيرًا، وتوقع به ضررًا بالغًا، ومع ذلك لا يستطيع أن يثق أنها استنفذت كل عواقبها، فإنها قد تكون لها عواقب قصيات تطارده بعد أن يظن أنه قد عوقب عليها عقابًا كافيًا، ومع ذلك فالشبان خاصة يندفعون إلى أمثال تلك الأغلاط، ولا يعرفون ما هو مخبأ لهم، كما قد لا يعرف ذلك الكبار.

(٢٦) في الفكر كما في العمل ينبغي معرفة حدود ما يستطاع الوصول إليه؛ كي لا تضيع جهود المرء سدى، ومع ذلك ينبغي أن يثابر المرء على اعتقاد إمكان فهم المجهول الذي لا يستطيع فمه، وإلا قصر في أمورٍ كثيرة في بحثه، وكان من الجائز أن يصل بذلك البحث إلى كشوف كثيرة ما كان يتوقعها.

(٢٧) إنك إذا أردت من إنسان أداء واجبات ومنعت عنه مزايا يستحقها لأدائها، فاعلم أنك ستدفع ثمنًا غاليًا لهذه الخطة، ولا تحسب أنك اقتصدت، والناس إذا أرادوا الغبن قالوا: لا شكر على واجب.

(٢٨) إن الذين عاشروا الأطفال يعرفون أنه إذا زاد التأثير عليهم عن حدٍّ معين يخفق هذا التأثير في إحداث رد فعل يؤدي إلى مخالفة وعناء، ومن أجل ذلك كانت حياة الصغار مملوءة بالتسرع في الحكم على الأمور بأحكامٍ غير ناضجة، لا بد أن يمضي زمن حتى يستطيع المدرس أن يصحح أثر هذا التسرع وهذا العناء، والمدرس الفطن هو الذي يستطيع أن يعرف حد السيطرة الذي يؤدي بعده التأثير إلى المخالفة والعناد. ويعجبني خطة بعض المدارس الإنجليزية التي تكل أمور التلاميذ أنفسهم، حتى خصوماتهم، وحتى حفظ النظام، فينشأ التلميذ وهو يشعر بالمسئولية، كما أنه لا يحس تلك السيطرة القاهرة التي تؤدي إلى العناد.

(٢٩) إذا أراد الإنسان أن يركن إلى خبرة غيره، ينبغي أن يتذكر أن ذلك الأمر المختبر قد أصبح بينه وبينه حاجزان: حاجز نفسه وحواسه، وحاجز نفس من يركن إلى اختباره، وقد تتغير الحقائق من إحدى الناحيتين.

(٣٠) إذا فقد الإنسان الفهم الأساسي العام ظن أن كل ما يشتهيه أمر ضروري، وأن كل ما يسره أمر نافع، فيقيس الأمور بمقياس باطل.

(٣١) لا يستطيع الإنسان أن يعيش من غير سلطة مسيطرة على حياته، ومع ذلك فإن هذه السلطة فيها من الخطأ قدر ما فيها من الصواب والحق، فإنها تحافظ على أمورٍ كثيرة ينبغي أن تزول، وتسمح بزوال أمور كثيرة ينبغي أن تصان، فهي سبب عدم تقدم الإنسان.

(٣٢) بعض الناس يكونون على جانبٍ كبيرٍ من النبل والشرف والصدق، لولا أنهم ذكروا مرة أمرًا مكذوبًا أو باطلًا، ثم أرادوا أن يسوغوا أنفسهم ويعذروها بأن يعيدوا ذكره مرارًا كي يصدقه الناس، فتتدلى بهم هذه الغريزة بدل أن تزكيهم وترفع من شأنهم.

(٣٣) لا يمتاز الإنسان بالفضل على خصومه إذا لم يستطع بالفضل معرفة فضلهم، والإنسان لا يستطيع أن يشغل نفسه بكل إنسان، ولا يعيش مع كل إنسان، فينبغي إذن أن يُعز أصدقاءه، وألا يكره، وألا يضطهد أعداءه، أو من وضعهم موضع الخصوم.

(٣٤) قبل الثورة كان كل أمر مجهودًا يطلب من الناس أداؤه، وبعدها عاد كل أمر مطلبًا للناس يطلبونه، وهذا يذكرني نقد «مازيني» للثورة الفرنسية إذ قال إنها جعلت الناس تنظر إلى حقوقهم، وإلى طلب تلك الحقوق، وصرفت الناس عن واجباتهم، وربما كان في هذا القول مبالغة، إلا إذا أريد أن يكون تقديم الواجبات مبدأ عامًّا.

(٣٥) المخدوع بقول غيره أو عمله إنما كان مخدوعًا؛ لأن في نفسه صفات مكنت المخادع منه، فالمخدوع إذن هو الذي خدع نفسه بسبب ذلك.

(٣٦) الحصاد أشق من نثر البذر في الزراعة، وكذلك في الحياة تزداد المشاق كلما قارب الإنسان مقصده الذي يسعى إليه، وكذلك في الفنون كلما ألمَّ بها الإنسان وتفقه فيها، عرف صعوباتها، وأما المبتدئ فيها غير الممارس لها، فهو أكثر اغترارًا بها، وبالقدرة على التبريز فيها.

(٣٧) السعادة هي الاستسلام لإرادة الله، فنتقبل كل ما يصيبنا كأنه ناشئ من إرادتنا.

(٣٨) مهما حَرَّر الفن النفوس، فإن أساسه عقيدة وإيمان، ومهما خالطه من الفكاهة فإن أساسه الجد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.