لم يَسْبِقْ لأكاديمية البحث العلمي أن أُتِيحَ لها المشاركة الشاملة في خطة التنمية كما يُتَاحُ لها اليوم، وإن دلَّ ذلك على شيء فإنما يدلُّ على أن الدولة أقرت للعلم بالدور الذي يجب أن يقوم به في الإصلاح والتنمية. والأصحُّ أن نقول إنها أقرَّت بذلك لعلمنا المحلي؛ فإنها ومنذ عصور النهضة الأولى لم تَتَوَانَ عن الاستعانة بالعلم والخبرة العالميين.

أجل إن العلم عالميٌّ بطبعه ومنهجه، وإنه لا وطن له كما يقال، ولكن لكل بيئة ملابساتها الخاصة وإمكاناتها الذاتية، وهذه لا يكشف عنها إلا أهل الخبرة والعلم من أبنائها، ومن الاجتهاد في ذلك يجيء المُنْطَلَق إلى الإنجازات العالمية. من أجل ذلك قد يبلغ تبحُّرنا في التراث والعالمية درجةً فائقة من العمق والشمول، ويظلُّ واقعنا الذي نعايشه مجهولًا أو شبه مجهول لم يَحْظَ بما يستحقُّ من فحص ودراسة، وكأنه مريض أعيا القومَ مرضُه، كلما ألحَّ عليه الألم اقترح البعض علاجه بدواء أثبت فاعليته في القديم من الزمان، أو اقترح آخرون دواءً أثبَتَ جدواه في أوروبا أو أمريكا، على حين أن الشفاء الحقيقي قد يكون مرهونًا بتشخيص الواقع، والاهتداء إلى دواء مناسب في صحرائه أو جباله وبيد أبنائه القادرين أكثرَ من سواهم على تشخيصه وعلاجه. آنَ لنا حقًّا أن نعتمد على أنفسنا، وأن نستغلَّ ما نملك من طاقات وخبرات، وأن نتحوَّل من مقتبِسِين من التاريخ أو من حضارة الغرب إلى خلَّاقِين مبدعين.

وفي كلمة: آنَ لنا أن نعرف واقعنا معرفةً مباشرةً، وأن نَصِفَ له الدواءَ اللازم، ولا بأس عند الضرورة من الاستعانة بالآخرين، فهو أمرٌ مشروع لا يشذُّ عنه نشاط علمي في الشرق أو الغرب. ولنذكر دائمًا أننا نعيش في عصر لا قيمةَ لاستقلالٍ فيه إلا إذا اعتمد على قدر من الاستقلال العلمي، وإلا قُضِيَ علينا بالتبعية مهما تكن قوَّتنا أو عددنا، ومهما كان تاريخنا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.