من المحقق أن الرأي العالمي العام يعني في هذه الأيام أشد العناية وأقصاها باجتماع الرؤساء الثلاثة الذي بدأ انعقاده، أو أوشك أن يبدأ؛ لأن هذا الاجتماع سيحاول تدبير الحلول للمشكلات الخطيرة الكبرى التي تشغل العالم، والتي يتوقف عليها إجراء أمور الحرب والسلم جميعًا على أكمل وجه ممكن؛ لتنتهي إلى أحسن غاية ممكنة.

ولكن من المحقق أيضًا أن هذه المشكلة الكبرى إذا كان لها مكانها الخطير فإن هذا المكان نسبي، يعظم ويصغر بالقياس إلى الذين يمسُّهم من قريب أو من بعيد. فالمشكلة البولندية مثلًا عظيمة الخطر جدًّا بالقياس إلى البولنديين، وبالقياس إلى روسيا وألمانيا؛ لأنها تمسُّ مصالح هذه الدول من قريب. وهي عظيمة الخطر بالقياس إلى إنجلترا وأمريكا وفرنسا؛ لأنها تمسُّ نظام السلم الأوروبي أولًا، والعالمي بعد ذلك. وتستطيع أن تقول مثل هذا في غير المشكلة البولندية من الأمور التي سيفرغ لدرسها الثلاثة المجتمعون.

ولكننا نحن الشرقيين ننظر إلى هذه المشكلات نظرتين مختلفتين؛ أولاهما: نظرة الإنسان الذي يعنيه ما يعني الإنسانية المتحضرة من أمر السلم والحرب، والثانية: نظرة الإنسان الذي يريد أن يحقق لنفسه الخير والعدل دون أن يؤذي أحدًا، ودون أن يؤذيه أحدٌ، ودون أن تتعرض مصالحه لخطر عظيم أو ضئيل حين يحدث في العالم ما يحدث من اختلاف الدول واتفاقها. ولست أدري أيفرغ الثلاثة المجتمعون الآن لمشكلات الشرق العربي، أم يشغلون عنها بمشكلات الغرب الأوروبي؟ ولكن الشيء الذي لا شكَّ فيه هو أن للشرق العربي مشكلات يجب أن تُحل، ويجب أن تُحل في نفس الوقت الذي تُحل فيه مشكلات الغرب الأوروبي؛ لأن الشرق العربي جزءٌ أساسيٌّ مقوم للعالم المتحضر من جهة، ولأن هذا الشرق العربي قد عرف نفسه وعرف مكانه من العالم المتحضر، وقدَّر أدق التقدير وأصدقه حاجته إلى التضامن من هذا العالم المتحضر، وحاجة هذا العالم المتحضر إليه.

وهو من أجل ذلك حريصٌ كل الحرص على أن تحل مشكلاته، مصممٌ كل التصميم على أن يكون هذا الحل ملائمًا للحق والعدل وللمثل العليا التي يقال إن العالم قد خاض الحرب من أجلها، والتي قد ينظر بعض الأوروبيين والأمريكيين إليها نظرات لا تخلو من دعابة وفكاهة، ولكن الشرقيين ينظرون إليها الآن نظرة الجد المر الذي لا يعرف الدعابة ولا الفكاهة ولا المزاح؛ فالشرقي العربي إذا ذكر الاستقلال لم يذكره مستخفًّا به، ولا مستعدًّا للتفريط فيه، ولم يذكره بهذه اللهجة الحلوة التي تشيع فيها الدعابة، وإنما يذكره بهذه اللهجة الحازمة الصارخة التي إن صورت شيئًا فإنما تصور الإيمان الذي يوشك أن يبلغ التصوف.

وليس الشرق العربي وحده هو الذي يُعنى بحل هذه المشكلات الشرقية العربية، وإنما تعنى بها الدول الكبرى نفسها عناية تزداد قوة على مر الأيام؛ فبريطانيا العظمى لا تزال تردد هذا الحديث المألوف، حديث المصالح البريطانية المحققة، وحديث الإمبراطورية البريطانية التي يجب أن تؤمن طرقها في البر والبحر والجو، وحديث التعاون الذي يجب أن يكون أساسًا لهذا التأمين. وفرنسا لا تزال تتحدث حديثها المألوف عن تقاليدها الموروثة في حماية المسيحية في بعض بلاد الشرق، ونشر الثقافة في الشرق العربي، بل في الشرق كله، والمحافظة على مكانتها الممتازة في البحر الأبيض المتوسط الشرقي.

وأمريكا تُعنى بالتجارة والاقتصاد عناية يظهر أنها تريد أن تبلغ مدًى لم تبلغه قط قبل هذه الحرب، وتفكر في المستقبل الاقتصادي لهذا الشرق العربي بما فيه من مصادر الثروة، وفيما يمكن أن يكون لهذا المستقبل من أثر في تجارتها واقتصادها. وروسيا تنظر إلى هذا كله ولا تقول شيئًا، ولكن الصمت لا يدل على النسيان، ولا على الإهمال، ولعله إن دل يدل على التذكر القوي، والعناية الشديدة، وانتظار الفرصة السانحة للقول حين يكون القول مجديًا ومفيدًا.

وإذا كان هذا حظ الأمم الغربية من العناية بمصالحها في الشرق العربي؛ فيجب أن يكون حظ الشرق العربي نفسه من العناية بمصالحه في بلاده أشد وأعظم. ويجب أن يكون حرص الشرق العربي على أن تُحلَّ مشكلاته حلًّا يلائم الحق والعدل والمنفعة أشد وأعظم من حرص الغرب على حل هذه المشكلات.

فليس غريبًا إذن أن يشغل الشرق العربي — في الصيف الماضي — بما كان من دعوة إلى اجتماع الدول العربية؛ لتنظيم شئونها، ووضع أساس متين للتعاون بينها على ما يحقق مصالحها، ويكفل لها الحياة الكريمة الحرة في العالم الجديد الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.

وليس غريبًا أن تستأثر شئون الجامعة العربية التي أنشأها اجتماع الإسكندرية، وصوَّرها بروتوكول الإسكندرية تصويرًا دقيقًا بنفوس العرب جميعًا، حتى توشك أن تشغلهم عن غيرها من شئون العالم. وليس غريبًا أن تتجه نفوس العرب اتجاهًا شديدًا إلى الخطوات التي يجب أن تُخطَى بعد أن أمضي بروتوكول الإسكندرية، فتأخذ اللجان المختصة في الأعمال التي خصصت لها، وتظهر النتائج التي تثبت للشعوب العربية أن حكوماتها راغبة في العمل لا قانعة بالكلام، ثم ليس غريبًا أن تهتم الشعوب العربية أشد الاهتمام وأعظمه بهذا السعي الكريم الذي سعاه حضرة صاحب الجلالة، ملك مصر المعظم، إلى حضرة صاحب الجلالة، ملك الدولة العربية السعودية المعظم، في هذه الأيام؛ لأن هذه الشعوب العربية تعرف حق المعرفة أن هذا السعي الملكي الكريم، وهذا الاجتماع التاريخي العظيم يجب أن يتصلا أشد الاتصال وأوثقه بما تحرص عليه الشعوب العربية من تحقيق آمالها في التعاون على بلوغ ما تسمو إليه من حياة حرَّة كريمة في العالم الجديد، الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.

وليس من الغريب أن يكون اشتغال الشرق العربي باجتماع الملكين العظيمين أشد من اشتغاله باجتماع الرؤساء الثلاثة؛ لأن اجتماع «رضوى» يمسُّ مصالحه القريبة العاجلة، ويمسُّ آماله التي يصبو إليها، وأهدافه التي يحرص عليها أكثر ممَّا يمسُّها اجتماع الرؤساء الثلاثة في مكان نجهله اليوم لنعلمه غدًا.

وليس أدل على ذلك من أن الدول العربية التي أمضت بروتوكول الإسكندرية كانت تتشوق إلى استئناف الاجتماع، وقد جاء بعض وزراء الخارجية فيها إلى مصر لهذا الاجتماع، ولكنهم عادوا إلى بلادهم دون أن يتم هذا الاجتماع. فما كان السعي الملكي الكريم، وتم اجتماع «رضوى»، عرفنا صباح اليوم أن وزير خارجيتنا سيدعو إلى عقد هذا الاجتماع الذي كان منتظرًا، والذي طال انتظاره بعض الشيء.

فمن حق الشعوب العربي أن تستبشر بنتائج هذا السعي الملكي الكريم، وأن تنتظر خطوات حازمة حاسمة في سبيل آمالها الكبرى، ولكن ما عسى أن تكون هذه الآمال! أظن أن قد آن الوقت الذي تظهر فيه آمال الشعوب العربية واضحة جلية، والذي تقوم فيه الصراحة التامة بين شعوب الشرق والغرب مقام المداورات الملتوية والمناورات الغامضة. وأظن أن قد آن الوقت الذي يجب أن يعرف الشرقي فيه معرفة واضحة جلية ما يريد، وما ينبغي له أن يريد؛ حتى لا يسعى على غير هدى، ولا يتعرض لخيبة الأمل.

وأعتقد أن قد آن الوقت أيضًا الذي تستطيع أوروبا أن تواجه فيه الحقائق الواقعة، فهي قد ذاقت ما ذاقت من أهوال الحرب، وهي قد عرفت ما عرفت من مرارة الاحتلال الأجنبي. فليس في أوروبا بلد مهما كان عظيمًا لم يذُق مرارة الاحتلال الأجنبي، أو الخوف من هذا الاحتلال الذي كان ممكنًا قريبًا.

لم تذق بريطانيا العظمى مرارة الاحتلال، ولكنها تعرضت لأخطاره، وذاقته الدول الأوروبية الكبرى كلها، وألمانيا تتجرع كأسه المُرَّة الآن. وما من شك في أن أوروبا قد كرهت هذا الاحتلال، ورأت التخلص منه فوزًا كريمًا، فيجب أن تستفيد أوروبا من هذا الدرس، وأن تكره الاحتلال لغيرها كما كرهته لنفسها. ويجب أن تعلم أوروبا على كل حال أن الشرق العربي قد سَئِم مرارة الاحتلال، وهو طامح إلى أن يخلص منه، وواثق بأنه سيخلص منه. وإذا عرفت أوروبا هذه الحقيقة الواقعة، فقد تريح نفسها وتريح الشرق من أخطار وأهوال تضر كثيرًا ولا تنفع شيئًا، وربما كان تقرير هذه الحقيقة واتخاذها أساسًا للعلاقة بين الشرق والغرب هو الأساس الصحيح العاجل لما ينبغي أن يُقام من علاقات بين أوروبا وبلاد الشرق العربي.

وهناك حقيقة واقعة أخرى يجب أن تستيقنها أوروبا؛ لأن الشرق العربي أصبح مقتنعًا بها أشد الاقتناع، وهي أن الحياة الإنسانية قد تغيَّرت، سواء أراد الساسة أو لم يريدوا، فلم يبق من الممكن أن تخضع أمم متحضرة لأمم متحضرة خضوع العبد للسيد، ولا خضوع المعتق لسيده القديم. ومعنى ذلك أن الشرق العربي يرفض كل الرفض أن تقوم العلاقات بينه وبين الغرب على الرق أو على الولاء. وإنما هو يحرص كل الحرص على أن تقوم هذه العلاقات على الحرية الصحيحة الأصيلة، وينظر إلى التسلط الأوروبي على أنه عرض من الأعراض الطارئة التي يجب أن تزول دون أن تترك أثرًا. وهو من أجل ذلك لا يفهم ولا يريد أن يفهم أن يُقسَّم إلى مناطق نفوذ، فتمتاز دولة من الدول في هذا الجزء من أجزائه، وتمتاز دولة أخرى في هذا الجزء الآخر.

كل هذا كلام قديم قد كان ينشأ عن تفكير قديم، وقد تغير هذا النوع من التفكير، فيجب أن تتغير آثاره، وإذا عرفت أوروبا هاتين الحقيقتين الواقعتين، وآمنت بهما مخلصةً فعدلت عن سياسة الاحتلال، وعدلت عن سياسة التسلط ومناطق النفوذ؛ فقد تصبح الأمور بينها وبين الشرق مُيَسَّرة سهلة قريبة المنال؛ لأنها ستقوم على المنافع المحققة، وعلى المودة التي لا يشوبها خوف، ولا يفسدها كيد، ولا يكدرها ما يكدر العلاقة بين المعتدي والمُعتدى عليه.

ومن المحقق أن الشرق سيحتاج إلى الغرب في تجارته وصناعته واقتصاده وتعليمه، وفي كثير من المرافق الأخرى، ولكن كما يحتاج الحرُّ إلى معونة الحرِّ، وسيستعين الشرق بالغرب، ولكن على أساس تبادل المنافع لا على أساس الاحتكار والتسلط.

هذه فيما أعتقد هي الآمال القريبة التي تضطرب بها قلوب العرب جميعها، وتؤمن بها نفوسهم جميعًا، والتي يجب أن تعرفها أوروبا وتواجهها مواجهةً صريحةً خالصةً من كل شائبة. إذن يستقر السلم والأمن في الشرق العربي، وإذن يستفيد العالم الجديد من تعاون الشرق والغرب، وإذن تفرغ الدول الأوروبية لما ينبغي أن تفرغ له من تضميد الجراح، وتعمير الخراب، وإصلاح ما يحتاج إلى الإصلاح من أمرها، وإنه لكثير.

فأمَّا إن سارت أوروبا بعد هذه الحرب سيرتها بعد الحرب الماضية؛ فستلقى من الشرق شططًا، وسيصبح بأسها بينها شديدًا، وستذوق من مرارة الانقسام والاختلاف والعداء ما نظن أنها ليست في حاجة إليه.

وواضح جدًّا أني حين أصور هذه الآمال التي تمتلئ بها قلوب العرب؛ لا أفصلها ولا أدلُّ على دقائقها، ولا أذكر بلدًا بعينه، ولا أملًا بعينه؛ لأني أعلم أن الحكومات الشرقية معنية بهذه المسائل، وأن من الشر كل الشر أن نعرض للتفصيلات قبل أن تعرض لها الحكومات، وأن نقول فيها قبلما تقول.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.