ليست هذه أيام العرب، فكل شيء يبدو كئيبًا؛ تتصفح الجرائد أو تنظر إلى التليفزيون فلا ترى إلا ما يصد النفس، ويبعث على اليأس: فتنة في لبنان، ومجزرة في العراق، واقتتال في غزة، ومآسٍ في دارفور، وحرب في الصومال. وماذا أيضًا؟ أخبار سياسية واقتصادية لا تسعد، حتى الحوادث أصبحت من النوع الثقيل الذي يثير الغثيان من أمثلة التوربيني وأطفال الشوارع؛ ولذلك فإنني أحاول قدر الإمكان أن أتجنب الصحافة والتليفزيون، ولكن هيهات!

وأثناء تصفحي لجريدة «لوموند» الفرنسية وجدت مقالًا طويلًا عريضًا عن مركز ثقافي سيقام في «أبو ظبي»، ويبدو أن إمارة «أبو ظبي» بصدد الاتفاق على تحويل «جزيرة السعديات» (وهي جزيرة صغيرة قبالة «أبو ظبي» مساحتها حوالي ٢٧٠ هكتارًا) إلى مركز ثقافي وسياحي. والجزيرة حاليًّا «محمية» للحيوانات والنباتات الخاصة. ورغبة من إمارة «أبو ظبي» في تطوير إمكانياتها الثقافية والسياحية؛ فإنها تأمل في تحويل هذه الجزيرة إلى منطقة ثقافية، وهي تُجري في هذا الصدد مباحثات مع متحف اللوفر في فرنسا، ومع مؤسسات ثقافية أخرى في دول متعددة. وما يدعو إلى الإعجاب هنا هو رغبة المسئولين في «أبو ظبي» في التميز بالاستعانة بأفضل الخبرات الموجودة عالميًّا. وقد تقدمت مؤسسة جوجينهايم الأمريكية Guggenheim بعروض موازنة لمقترحات اللوفر فيما يتعلق بهذا المجمع الثقافي.

وهذه المؤسسة الأمريكية أسسها مواطن أمريكي (سيمون جوجينهايم) وزوجته سنة ١٩٢٥ تخليدًا لذكرى ولدهما الذي توفي ١٩٢٢. وتقوم هذه المؤسسة بتقديم منح علمية للأفراد في الفنون والعلوم الطبيعية وفي الثقافة بوجه عام، وهي تدير خمسة متاحف في العالم: في نيويورك، وفي البندقية، وبرلين، ولاس فيجاس، وبلباو. ويتضمن العرض المقدم منها لإمارة «أبو ظبي» إقامة خمسة متاحف؛ الأول عن «الفن الحديث» على أن يقوم بالتصميم المعماري الأمريكيُّ فرانك جيري، والثاني عن «الفن الكلاسيكي» اعتمادًا على تصميم المعماري الفرنسي جان نويل، والثالث «متحف بحري» ويصممه الياباني تادوا أندو، والرابع مجمع لصالات العرض تقوم بتصميمه المعمارية العراقية/الإنجليزية زها حديد، وأخيرًا «متحف وطني» لتاريخ الإمارات. ويبدو أن فرص متحف اللوفر أوسع في الحصول على موافقة سلطات «أبو ظبي» على إقامة هذا المشروع.

أما أن الخبر يسعد النفس، فذلك يرجع إلى أمرين؛ الأول: أن هناك من الدول العربية ما يعطي الثقافة ما تستحقه من اهتمام؛ فدول صغيرة مثل دولة الإمارات ترى أن إقامة مثل هذا التجمع الثقافي الذي يضم متاحف متعددة لهو أمر ذو أولوية في تقدمها الحضاري، ولكن الذي لا يقل أهمية هو أن تلجأ الحكومات في تنفيذ هذه المشروعات إلى الاستعانة بأفضل الخبرات العالمية في محاولة للتميز على المستوى العالمي، فحكومة «أبو ظبي» تتجه في سعيها هذا إلى متحف اللوفر في فرنسا، فضلًا عن الاتصال بمتاحف الأرميتاج ومتحف فيينا ومتاحف جوجينهايم. كل هذا يعكس الرغبة في الإتقان، وقد فقدنا في عدد غير قليل من بلادنا العربية معنى «الإتقان»، فنحن نبني المدارس والمستشفيات، ونقيم المسارح والجامعات، ولكن بأسلوب من الركاكة والقبح وأحيانًا الابتذال؛ وبذلك فقدت هذه المؤسسات الكثير من فاعليتها وجدواها بسبب الإهمال في التنفيذ، وغياب مفهوم «الإتقان» في العمل.

والحقيقة هي أن هناك عددًا من دول الخليج يحرص على أن يتم التنفيذ بأكبر قدر من الإتقان؛ فالشارقة في دولة الإمارات تستضيف عددًا من الجامعات المتقدمة، وكذا دبي، ومثلهما قطر. وهم في كل هذا يحرصون على أن توفر هذه الجامعات مستوًى راقيًا من التعليم الجامعي مُقاربًا للمستويات العالمية؛ فهذه الدول توجه عناية كبيرة للإتقان في التنفيذ والوصول إلى أعلى المستويات العالمية. ويرتبط بهذا التوجه ما نراه من مزيدٍ من الاهتمام بالتنمية البشرية بشكل عام؛ «فالإتقان» و«التميز» إنما هما من نتائج التنمية البشرية العالية. وليس غريبًا أن نرى أن معدل التقدم في التنمية البشرية في هذه الدول، سواء من حيث التعليم أو توافر الخدمات الصحة أو المرافق العامة من كهرباء ومياه وطرق واتصالات، يفوق معظم الدول العربية الأخرى.

ولا يكفي هنا في هذا، الاحتجاج بأن هذه الدول تعرف وفرة مالية لا تتوافر لدولٍ أخرى. هذا صحيح، ولكن الصحيح أيضًا هو أن هناك نضجًا في التفكير والانتقال من الاهتمام بالكم إلى الاهتمام بالكيف أيضًا. ويكفي أن نقارن ما فعلته الدول النفطية خلال السبعينيات والثمانينيات وما تفعله الآن؛ ففي الماضي كان الاهتمام يكاد يقتصر على الإنجاز المادي، فزادت الواردات من كل أنواع السلع الاستهلاكية والمعمرة؛ سيارات، أدوات كهربائية، وسوبر ماركت تزخر بكل أنواع المشتروات. وفيما يتعلق بالاستثمار فقد كان جل الاهتمام هو الاستثمار المادي من طرق ومطارات ومحطات كهرباء. هذا مطلوب، ولكنه غير كافٍ. فما هو الجديد؟ الجديد هو أن بعض هذه الدول اكتشفت مع الوفرة الجديدة للأموال أن الأكثر دوامًا هو البناء البشري؛ وبذلك فإننا نلاحظ اهتمامًا أكبر بالاستثمارات البشرية ليس فقط من حيث نشر المدارس والمستشفيات، وإنما من حيث العمل على «التميز والإتقان»، فعدد من هذه الدول والإمارات يحرص على الحصول على «أفضل» ما هو متاح عالميًّا؛ فقطر مثلًا لم تفتح فقط قناة للأخبار العربية، ولكنها تحاول أن تخرج بها إلى العالمية، وتجند لهذا الغرض كفاءات عالية تجعل البرامج المقدمة في النسخة الإنجليزية مماثلة إذا لم تكن أفضل مما هو متاح عالميًّا، و«دبي» تنشئ مركزًا ماليًّا يحاول أن يكون على أعلى مستوًى عالمي متاح من حيث دقة المعايير، أو توفير الخدمات المكملة، أو الاندماج مع الأسواق العالمية، وهيئة الموانئ في «دبي» تنافس لكي تحصل على إدارة أهم موانئ العالم (في الولايات المتحدة) وإن كانت قد عانت من التحيز السياسي لأمريكا التي رفضت الصفقة لأسباب غير فنية.

وتدير الهيئة حاليًّا ميناء جيبوتي، كما حصلت خلال هذا الأسبوع على عقد لبناء ميناء في الصين بمبلغ ٥٠٠ مليون دولار، وبالمثل فإن منطقة «جبل علي» تدار على أحدث الطرق وأكثرها كفاءة. وكانت نفس الإمارة قد أقامت من قبل المدينة الذكية، وأخرى للإعلام، وهي تؤسس حاليًّا لإنشاء مدينة للخدمات الطبية، وفضلًا عن ذلك تعتبر «دبي» أحد أهم مراكز الجذب السياحي، وقد شاهدنا منذ عدة سنوات (٢٠٠٣) كيف نظمت «دبي» اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين على نحو أثار إعجاب الوفود المختلفة من حيث الدقة في التنظيم.

لا نجاح في عالم اليوم ما لم تحقق الدولة قدرًا من «التميز»، وليس صحيحًا أن التميز هو فقط صفة للأغنياء. حقًّا الأغنياء أقدر على إقامة مراكز أكثر للتميز، ولكن كل دولة وبلا استثناء قادرة على توفير عدد، ولو محدود، من «مراكز التميز» Centers of excellence. إنشاء «مراكز للتميز»، ولو قليلة العدد، ليس مسألة توافر إمكانيات مالية بقدر ما هو أسلوب عمل.

ليس صحيحًا أن هناك دولًا متقدمة كلها تقدم، ودولًا متخلفة كلها تخلف، وإنما الصحيح أن هناك مراكز للتقدم في كل مكان، وهي أكثر في الدول الأولى منها في الدول الثانية. أما أن تكون دولة خالية تمامًا من مراكز للتميز فهذه مصيبة.

وفي كل هذا نجد أن عددًا من دول الخليج الصغيرة قد أدرك أن الضمان الوحيد لاستمرار الرخاء، لما بعد حقبة النفط، هو الاستثمار في تنمية الإنسان وقدراته. وهو أمر لا يتحقق إلا مع القدرة على التميز والإتقان. ومن هنا أهمية ما تقوم به بعض هذه الدول والإمارات من توجيه أكبر قدر من الاهتمام إلى الثقافة والتعليم والرعاية والصحة، وتطوير الخدمات البشرية والارتقاء بها إلى مستويات متميزة. فهذه الدول أدركت أن النفط زائل، وأن الباقي الوحيد هو البشر؛ ولذا فلا مناص من العمل على الارتقاء به. وهذا هو ما بدأت به بالفعل بعض دول وإمارات الخليج؛ فالوسيلة الوحيدة للتغلب على معضلة الاعتماد على مورد النفط الناضب هي في الالتجاء إلى تنمية قطاع خدمي متطور وذي كفاءة عالمية.

ولكن — وهناك دائمًا «لكن» — أليس لهذا التوجه من ثمن؟ إن كل تقدم في مجال الخدمات يتطلب مزيدًا من الأنشطة الخدمية الجديدة في السياحة والخدمات المالية والطبية والتعليمية والإعلامية وغيرها. وليس صحيحًا أن مثل هذه الخدمات تتطلب فقط العمل الماهر أو المتميز، فهي تتطلب أيضًا — وبدرجة أكبر — أعدادًا من العمالة نصف الماهرة وغير الماهرة. فهناك حاجة إلى أعمال النظافة والصيانة والخدمة، وأعمال البناء والرصف، وقيادة السيارات والمركبات، وأعمال المرور والأمن وغير ذلك؛ ولذلك فإن احتياجات المجمع الخدمي للعمالة، سواء من العمالة الماهرة أو غير الماهرة، كبيرة؛ ولذلك فإذا كان مثل هذا التطور إلى الاقتصاد الخدمي يخفف من مخاطر حقبة ما بعد النفط، فإنه يطرح تساؤلًا لا يقل أهمية، وهو أن مثل هذا التطور قد يؤدي إلى مزيد من الخلل السكاني في دول تعاني أصلًا من هذا الاختلال؛ فالانتقال من مجتمع نفطي يعتمد على صناعة النفط إلى مجتمع خدماتي يعني مزيدًا من الاستعانة بأيدي عاملة كثيرة ومستوردة.

الهروب من خطر نفاد النفط أمر واجب، ولكن الوقوع في مأزق التوازن السكاني أمر قد لا يقل خطورة، وكل هذا لا يمنع من الاعتراف بأن بعض الدول الخليجية تمارس تجارب جديدة تتضمن خروجًا على المألوف. على الأقل نحن نشاهد الآن أمثلة مبهرة للنجاح والتميز على بعض الأراضي العربية وسط الصحارى. من كان يُصدق أن «دبي» تصبح أحد أهم مراكز الجذب السياحي؟ والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.