قرأت أمس في صفحة الأدب من الأخبار هذا الخبر بعنوان ثلاثية الجزر اليونانية بعد رباعية الإسكندرية:

بعد النجاح الساحق الذي أحرزته في أوروبا رواية رباعية الإسكندرية التي كتبها الروائي الأيرلندي لورنس داريل. أصدر المؤلف أخيرًا رواية جديدة عنوانها ثلاثية الجزر اليونانية، وأجزاؤها الثلاثة هي: الليمون الحامض، وتدور أحداثها في جزيرة قبرص، وسفالو، وتدور أحداثها في جزيرة كريت، ثم فينوس والبحر، وتدور أحداثها في جزيرة رودس.

ويستحق هذا الخبر تعليقات كثيرة عليه؛ لأن هذه التعليقات وسيلة عملية للإقناع بتصحيح بعض الأفكار التي تدور عليها دعوة التجديد عند محرر الصفحة الأدبية وجماعة من زملائه. وقد تكفي هذه التعليقات لنقل المسألة من حيز الآراء النظرية التي يطول فيها التمحل والتأويل إلى حيز الواقع الملموس باليدين.

فالتعليق الأول: أنه لا توجد للمؤلف ثلاثية روائية — جديدة أو قديمة — تقابل رباعية الإسكندرية؛ لأن الأسماء التي ذكرت هي عناوين مؤلفات ثلاثة من كتب الرحلات والمشاهدات التاريخية والعصرية، ولا ارتباط بين كتاب منها وكتاب.والتعليق الثاني: أن «الثلاثي» ليس بثلاثي في العدد، ولا في الموضوع؛ لأن السيد المحرر نسي من هذه الرحلات رحلة جزيرة كورفو التي كتبها المؤلف قبل ست عشرة سنة (١٩٤٦)، وسماها مقصورة «بروسبيرو»، مقتبسًا عنوانها من رواية العاصفة لشكسبير.والتعليق الثالث: أن هذه الرحلات غير مقصورة على الجزر اليونانية، ومنها الرحلة إلى صقلية وما جاورها، وتتشعب منها رحلات إلى بلاد الصرب والبلقان على الإجمال.والتعليق الرابع: أنها ليست بجديدة في تاريخها، وليست مما كتبه المؤلف بعد النجاح الساحق الذي أحرزته الرباعية الإسكندرية، فإن كتاب «سفالو» مثلًا قد صدر قبل خمس عشرة سنة؛ أي قبل صدور الرباعية. وقد انتهت أجزاء الرباعية الأربعة بعد الفراغ من تلك الرحلات.والتعليق الخامس: أن المسألة كلها ليست بالجديدة في الأدب العربي الحديث، وقد مضى نحو عامين على اليوميات التي تناولنا بها مؤلفات هذا الكتاب ومؤلفات أخيه جيرالد، وهو مؤلف مثله، ولكن في غير موضوعه؛ لأنه منصرف إلى دراسة الطبيعة والحيوان في القارة الأفريقية، مع مصاحبته لأخيه زمنًا في الجزر اليونانية.

ولا يعنينا من التعليق على ذلك الخبر أننا نباهي محرر الصفحة وزملاءه «المحررين» بالسبق إلى هذه المطالعات وما عداها؛ فإنني مستعد لإسقاط ما يشاءون من عدد الكتب التي نسبقهم إلى مطالعتها، ولو كان قصارى الأمر أنه سباق أو مباهاة، ولكن التعليق لازم للإقناع الملموس بأن تجديد الأفكار شيء، وتحديد تاريخ التقويم بالسنة والشهر شيء آخر.

فإذا خطر لهم أنهم ذهبوا مذاهبهم المرفوضة لأنهم عرفوا من الجديد ما لم يعرفه غيرهم، فالواقع — كما رأوا — أنهم قد يفوتهم من الجديد ما يعرفه غيرهم، ولا يزال معروفًا عند ذلك «الغير» بالقدر الذي يكفي للحكم عليه.

وإذا كانت دعواهم لا تحتكر لهم مسالك الوصول إلى الجديد، فمن أين لهم أن يحتكروا الرأي فيمن سبقوهم إلى القديم كما سبقوهم إلى الجديد؟

وإلى هنا لا قضية للقراء في هذا الموضوع؛ لأن القراء قد أنزلوا كل دعوة مقبولة أو مرفوضة بمنزلتها التي تستحقها عندهم، سواء دعت إلى البناء، أو دعت إلى الهدم والفوضى، وإنما القضية قضية الجماعة الذين لا هم من القديم ولا هم من الجديد … فإذا ظنوا — كما يقولون — أن القراء يرفضون جديدهم لأنهم يجهلونه؛ فليعلموا إذن أنهم يخطئون الظن فيما تخيلوه من علة رفضهم … إذ الحقيقة أنهم لا يلقون القبول لأنهم لم يستعدوا له بأساس كافٍ من قديم مأثور، ولا من جديد ينفردون بالوصول إليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.